اقتصاد
هل يمكن للمغرب أن ينجح في تحويل زيت الأركان إلى صناعة تجميلية متكاملة؟
01/05/2026 - 10:02
خولة ازنيزني
يتوقع البنك الدولي أن يتمكن قطاع الأركان ومستحضرات التجميل من جذب استثمارات تفوق نصف مليار دولار، مع إمكانية خلق حوالي 17 ألفا و160 وظيفة مباشرة وغير مباشرة على المدى المتوسط، ما يعكس الإمكانات غير المستغلة لهذا القطاع الذي يجمع بين الموروث الطبيعي وفرص التصنيع ذي القيمة المضافة، غير أن بلوغ هذه الأهداف يظل رهينا باعتماد برنامج إصلاحات هيكلية قوية.
ويأتي هذا في سياق تقرير حديث لمجموعة البنك الدولي حول تحليل القطاع الخاص بالمغرب، الذي يسلط الضوء على قطاع الأركان ومواد التجميل الطبيعية باعتباره أحد القطاعات الواعدة ضمن الاقتصاد الوطني، القادر على المساهمة في التحول نحو نموذج إنتاجي أكثر استدامة واندماجا في سلاسل القيمة العالمية، خاصة في مجال مستحضرات التجميل الطبيعية.
أفاد التقرير أن الأركان يتموقع في منظومة بيئية فريدة، حيث تمتد غابات الأركان المصنفة من طرف اليونسكو كمحمية بيئية على مساحة تفوق 830 ألف هكتار، وتعتمد هذه الصناعة بشكل كبير على التعاونيات النسائية القروية، التي تشكل العمود الفقري للإنتاج التقليدي.
ورغم التطور الذي عرفته صادرات زيت الأركان خلال العقدين الماضيين، والتي جعلت المغرب شبه المنتج الوحيد عالميا، فإن 93% من الصادرات ما تزال تسوق كزيت خام، عبر تصدير كميات تبدأ من 5 لترات، ليتم إعادة معالجته وتسويقه تحت علامات تجارية أجنبية، في حين تظل إمكانيات تطوير منتجات تجميلية وصحية ذات قيمة عالية غير مستغلة بالشكل الكافي، إذ يعاني من ضعف في القيمة المضافة.

ويشدد التقرير أن هذا النمط يجعل المغرب في موقع مزود للمواد الخام أكثر من كونه فاعلا صناعيا في سلاسل التوزيع النهائية لمنتجات التجميل، كما لا تزال صادرات مستحضرات التجميل متواضعة، حيث يبلغ متوسط النمو السنوي 7 في المائة بينما الفيتنام تصل الى 12 في المائة ومصر إلى 19 في المائة، مما يشير إلى وجود إمكانات غير مستغلة.

سوق واعد
من جهة أخرى، تؤكد المعطيات أن المغرب يمتلك فرصة مهمة لتطوير صناعة مستحضرات التجميل الطبيعية وتدارك الوضعيات السابقة، سواء على مستوى التصدير أو السوق الداخلية. فقد بلغت قيمة سوق مستحضرات التجميل أكثر من 1.9 مليار دولار سنة 2024، ومن المتوقع أن تصل إلى حوالي 4 مليارات دولار بحلول 2034، بمعدل نمو سنوي يناهز 7.6%.
وعلى الصعيد العالمي، يواصل قطاع مستحضرات التجميل والعناية الشخصية نموه، إذ تقدر قيمته بحوالي 605 مليارات دولار، مع معدل نمو سنوي يقارب 6.9% خلال العقد المقبل، فيما يمثل قطاع المنتجات الطبيعية والعضوية حوالي 30% من السوق العالمية، مدفوعا بتزايد الطلب على المنتجات المستدامة والخالية من المواد الكيميائية.
وبخصوص تصدير زيت الأركان، أفادت الوثيقة أن صادرات زيت الأركان سجلت من حيث الكميات والقيمة بين سنتي 2010 و2024، مستويات مرتفعة نسبيا خلال السنوات الأولى، إذ بلغت حوالي 440 طنا سنة 2010، قبل أن تعرف تراجعا طفيفا ثم تعود إلى الارتفاع التدريجي إلى حدود 2018 و2019، حيث اقتربت من 1500 طن.
غير أن المنحى بدأ في التراجع مجددا بعد 2020، لينخفض حجم الصادرات بشكل ملحوظ في 2023 و2024 إلى حوالي 600 طن فقط، في ظل ما تشير إليه المعطيات من صعوبات في التزود. بالمقابل، عرفت القيمة التصديرية للكيلوغرام الواحد ارتفاعا واضحا، ما يعكس ارتفاع الأسعار نتيجة ندرة العرض مقابل الطلب المتزايد في الأسواق الدولية.
تحول في سلوك المستهلك
كما يشير التقرير إلى أن التحول في تفضيلات المستهلكين، نحو المنتجات الطبيعية والمستدامة وذات الأصول التقليدية، إلى جانب تشديد التشريعات البيئية في الأسواق الكبرى مثل الاتحاد الأوروبي، خاصة في إطار الاتفاق الأخضر الأوروبي يدفع شركات التجميل إلى اعتماد معايير صارمة في مجالات الاستدامة والحوكمة البيئية والاجتماعية.
وفي هذا السياق، يكتسي زيت الأركان أهمية خاصة، باعتباره منتجا طبيعيا يرتبط بالتراث المغربي وبنموذج إنتاج تقليدي قائم على التعاونيات النسائية، ما يمنحه قيمة إضافية في الأسواق العالمية.
وترى مؤسسة التمويل الدولية أن إدماج زيت الأركان ضمن سلاسل قيمة أوسع، تشمل مستحضرات التجميل ومنتجات العناية، إلى جانب مواد طبيعية أخرى مثل التين الشوكي والورد، يمكن أن يخلق منظومة صناعية أكثر دينامية.
كما أن التكامل مع قطاعات السياحة الصحية يعزز فرص بناء علامات تجارية مغربية قادرة على المنافسة في الأسواق العالمية، خاصة في الفئات الفاخرة والمستدامة.
تحديات هيكلية
ورغم هذه الإمكانات، لا تزال عدة عوائق تحد من تطور القطاع، أبرزها ضعف أنظمة التتبع، وتعقيد الإجراءات التنظيمية، وصعوبة الامتثال لمعايير الحوكمة البيئية والاجتماعية (ESG)، ما يضعف ثقة المستثمرين والمشترين الدوليين.
كما تؤدي المساطر الإدارية المجزأة، خاصة في مجالات المطابقة الصحية والصحية النباتية، إلى تأخير إطلاق المنتجات ورفع التكاليف، ما يؤثر على تنافسية القطاع مقارنة بدول أخرى مثل فيتنام ومصر التي تحقق معدلات نمو أعلى في صادرات مستحضرات التجميل.
إصلاحات لتعزيز القيمة المضافة
ولمواجهة هذه التحديات، يقترح التقرير جملة من الإصلاحات، من بينها إحداث نظام تتبع رقمي شامل لسلسلة إنتاج زيت ومستحضرات الأركان، من مرحلة الجمع إلى التصدير، وتبسيط إجراءات اعتماد مستحضرات التجميل عبر نظام إعلان مبسط للمنتجات منخفضة المخاطر.
كما يدعو إلى رقمنة المساطر الصحية وربطها بمنصة “PortNet”، وتقليص القيود الإدارية على استيراد المواد الخام، مع جعل بعض الشهادات، مثل شهادة البيع الحر، اختيارية بدل أن تكون إلزامية.
وفي حال تفعيل هذه الإصلاحات، يُمكن أن يحقق القطاع استثمارات إضافية، مع خلق حوالي 17 ألفا و700 فرصة شغل، إلى جانب تعزيز تنافسية المغرب في سوق عالمي سريع النمو.
غير أن التقرير يشدد في المقابل على ضرورة إدارة المخاطر البيئية والهيكلية المرتبطة بالقطاع، خاصة ما يتعلق بالاستغلال المفرط للموارد الطبيعية والتغيرات المناخية والضغط على النظام البيئي للأرغان، لضمان استدامة هذا المورد الاستراتيجي.
وتؤكد المؤسسة في تقريرها أن قطاع الأركان ومستحضرات التجميل الطبيعية يمثل فرصة استراتيجية للمغرب للانتقال من تصدير المواد الخام إلى صناعة ذات قيمة مضافة عالية، قائمة على الابتكار والاستدامة، غير أن تحقيق هذا التحول يظل مرهونا بإصلاحات هيكلية تعزز التتبع، وتبسط المساطر، وتدعم إدماج التعاونيات في سلاسل القيمة العالمية، بما يضمن تنمية اقتصادية واجتماعية وبيئية متوازنة.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
عالم