فن وثقافة
"الأمازيغية والهوية الوطنية بين الخطاب السياسي والتكريس الدستوري".. إصدار جديد لمصطفى عنترة
06/05/2026 - 19:52
SNRTnews
صدر حديثا مؤلف جديد للباحث مصطفى عنترة بعنوان "الأمازيغية والهوية الوطنية بين الخطاب السياسي والتكريس الدستوري"، في عمل أكاديمي ينخرط في مقاربة إحدى الإشكالات المركزية التي تتجدد حولها رهانات النقاش العمومي المغربي، والمتعلقة بسؤال الهوية في علاقته بالتعدد الثقافي واللغوي.
وحظي هذا الإصدار بتقديم المفكر حسن أوريد، مما يضفي عليه قيمة فكرية مضافة، بالنظر إلى إسهاماته النوعية في تحليل تحولات الدولة والمجتمع، واهتمامه بأسئلة الهوية والحداثة.
يمتد الكتاب على 303 صفحات، ويقارب موضوع الأمازيغية والهوية الوطنية من زاويتين متكاملتين: أولاهما تحليلية-خطابية، ترصد تمثلات المكون الأمازيغي داخل الخطاب السياسي، من خلال تفكيك مواقف أبرز الفاعلين، من المؤسسة الملكية إلى الأحزاب السياسية والحركة الأمازيغية والحركة الإسلامية؛ وثانيتهما دستورية، تتتبع سيرورة إدماج الأمازيغية ضمن البناء الدستوري للهوية الوطنية، في سياق التحولات التي عرفتها الدولة المغربية.
ينطلق هذا العمل من فرضية مركزية مفادها أن الأمازيغية لا تمثل مجرد مكون ثقافي إضافي، بل تشكل بعدا تأسيسيا في تشكل الهوية المغربية، مما يجعل النقاش حولها يتجاوز حدود الثقافة إلى مساءلة أسس الانتماء الوطني ذاته. ومن هنا، يتحول سؤال الأمازيغية إلى مدخل لإعادة التفكير في مفهوم الهوية الوطنية، وفي علاقتها بالمواطنة والديمقراطية.
وفي هذا السياق، يتوقف الكتاب عند تطور مفهوم الهوية في الدساتير المغربية، منذ دستور 1962 الذي كرس تصورا أحاديا قائمًا على ثنائية العربية والإسلام، وصولا إلى دستور 2011 الذي شكل منعطفا نوعيا بإقراره لهوية وطنية متعددة المكونات والروافد. فقد نص هذا الأخير على مكونات أساسية تشمل العربية-الإسلام والأمازيغية، إلى جانب المكون الصحراوي الحساني، كما أقر بروافد حضارية وثقافية متعددة: الإفريقية، والأندلسية، والعبرية، والمتوسطية، في تحول يعكس الانتقال من تصور أحادي إلى تصور تعددي منفتح.
كما يندرج هذا العمل ضمن أفق نظري أوسع يرتبط بما يُعرف في الفكر السياسي المعاصر بـ"سياسات الاعتراف"، كما بلورها الفيلسوف شارل تايلور، حيث لم يعد كافيا ضمان الحقوق الفردية فقط، بل أصبح من الضروري الاعتراف بالهويات الثقافية واللغوية داخل الفضاء العمومي.
ومن هذا المنطلق، فإن دسترة الأمازيغية لم تكن مجرد إجراء قانوني، بل تعبيرا عن مطلب الكرامة الرمزية والمساواة الثقافية.
ويبرز الكتاب أن إدماج الأمازيغية في الدستور شكل انتقالا من مستوى الخطاب السياسي إلى مستوى الإلزام القانوني، إلا أن هذا التحول كشف في الآن ذاته عن تحديات التفعيل، مما يطرح إشكالية الفجوة بين الاعتراف الدستوري والممارسة الواقعية.
وفي هذا الإطار، يحلل المؤلف التوتر القائم بين نموذجين للهوية: نموذج أحادي يميل إلى التجانس والانصهار، ونموذج تعددي يعترف بالاختلاف كقيمة مضافة، معتبرا أن الرهان الحقيقي لم يعد إثبات تعددية الهوية، بل تدبيرها مؤسساتيا وديمقراطيا بما يضمن المساواة بين مكوناتها.
كما يحذر العمل من المخاطر المرتبطة بسوء تدبير قضايا الهوية، والتي قد تفضي إلى ما يُصطلح عليه بـ"الهويات القاتلة" كما ورد لدى الكاتب أمين معلوف، او " الهويات المتناحرة" أو المدمرة بما تحمله من تهديدات للتماسك الاجتماعي والاستقرار السياسي والوحدة الوطنية، ويؤكد في المقابل على أهمية تبني مقاربة قائمة على المواطنة كإطار مدني حقوقي جامع قادر على استيعاب مختلف الانتماءات والاختلافات كيما كانت طبيعتها اللغوية والثقافية والدينية والعرقية والجهوية.
وفي هذا السياق، يسلط الضوء على الدور المنتظر للمجلس الوطني للغات والثقافة المغربية، باعتباره آلية دستورية لتدبير التعدد اللغوي والثقافي، بما يضمن تحويل الاعتراف الدستوري إلى سياسات عمومية منسجمة.
ويندرج هذا الإصدار ضمن مسار علمي متواصل يهتم بقضايا الهوية والتعدد الثقافي واللغوي، في تقاطعها مع إشكالات الديمقراطية والمواطنة، حيث يسعى إلى تقديم مساهمة فكرية تروم تعميق النقاش حول أحد أكثر القضايا حساسية وتعقيدًا في المغرب المعاصر.
ويؤكد حسن أوريد أن هذا الكتاب "يستحق القراءة"، لما يقدمه من مفاتيح تحليلية لفهم تحولات الهوية الوطنية ورهانات تدبيرها في سياق دولة تسعى إلى التوفيق بين الوحدة والتعدد.
ويُقدَّم للقارئ، بهذا العمل، مؤلف يجمع بين العمق التحليلي والراهنية، موجه إلى الباحثين والطلبة وكل المهتمين بأسئلة الهوية، والديمقراطية، والتعدد الثقافي واللغوي، والعدالة الرمزية، وبناء الدولة الحديثة.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة