فن وثقافة
الموسيقى التصويرية.. ميكري والنكادي وفرحاتي يعددون التحديات
09/05/2026 - 19:02
خولة ازنيزني
بعد سنوات من عرض فيلم أو مسلسل، قد تختفي التفاصيل البصرية، غير أن مقطعا موسيقيا واحدا كفيل بإعادة المشهد كما كان، حيث تجعل الموسيقى التصويرية من العمل الفني خالدا في الذاكرة.
تعد الموسيقى التصويرية كتابة موازية تعيد تشكيل المشهد وتمنحه روحه الخاصة، فهي ليست مجرد إضافة تقنية في آخر مراحل الإنتاج، بل لغة قائمة بذاتها، تترجم انفعالات الشخصية، وتؤطر صمتها، وتمنح حركتها معنى يتجاوز المرئي.
ومنذ عشرينيات القرن الماضي، أدرك صناع الصورة أن الموسيقى هي الامتداد الطبيعي للصورة، وأن نجاح العمل لا يقاس فقط بأداء الممثل أو جودة اللقطة، بل بقدرته على خلق انسجام كلي بين السمعي والبصري. فظهرت أعمال خالدة مثل فيلم “إنها حياة رائعة” و“منتصف النهار” و“فطور عند تيفاني”، و“رجل المطر” و“الملك الأسد” و“قراصنة الكاريبي” و“مهمة مستحيلة” و“في مزاج للحب”، ومسلسلات مثل “صراع العروش” و“ويست وورلد”، إلى جانب أعمال عربية بارزة مثل “الكيت كات” و“المال والبنون” و“أرض الخوف”.
في المغرب، راكمت الساحة الفنية بدورها نماذج راسخة في الذاكرة الجماعية، من بينها موسيقى “صيف بلعمان” و“قطار الحياة” وفيلم “أبي لم يمت”، ومسلسل “وجع التراب”. غير أن هذا الحضور يظل، في نظر عدد من المهنيين، محدودا وغير كاف، ما يطرح تساؤلات حول موقع الموسيقى التصويرية داخل الصناعة السمعية البصرية المغربية.
كتابة ثانية للصورة
في هذا السياق، يبرز اسم يونس ميكري كأحد أبرز المؤلفين الذين اشتغلوا على تطوير هذا الفن داخل السينما المغربية، عبر مزج الأنماط الغنائية بالبعد السينمائي.
يرى ميكري أن الموسيقى عنصر يشكل نصف الصورة السينمائية، بل يعتبرها راوية للقصة، لأنها تظل محكومة بالسيناريو وبانفعالات الشخصيات، من أكشن ورومانسية وحزن وفرح، بما يجعلها امتدادا دراميا للأداء التمثيلي.
ويقر ميكري، في تصريحه لـSNRTnews، بصعوبة مقارنة الموسيقى التصويرية المغربية بنظيرتها في الإنتاجات الأجنبية، بالنظر إلى الفارق الكبير في الميزانيات، حيث تتجاوز الموارد المخصصة للموسيقى في بعض الأعمال الأجنبية ميزانية الفيلم المغربي بأكمله. ويعتبر أن الموسيقى التصويرية تظل “الحلقة الأضعف” داخل منظومة الإنتاج، في ظل محدودية التمويل وغياب استثمار حقيقي فيها.
فجوة في العمق
لا يتوقف التحدي عند حدود الميزانية، بل يمتد إلى التكوين والتصور الفني. فبحسب ميكري، فإن تأليف الموسيقى التصويرية يتطلب إلماما تقنيا وجماليا عميقا، يتجاوز مجرد خلق لحن جميل، ليقترب من أداء الممثل الذي يبني شخصية درامية متكاملة.
ويسجل، في هذا السياق، أن العديد من المخرجين والمنتجين لا يدمجون الموسيقى ضمن رؤيتهم منذ البداية، بل يؤجلونها إلى ما بعد انتهاء التصوير، مقابل التركيز على عناصر تقنية أخرى كالتصوير والكاميرا والمونتاج، في غياب تنسيق حقيقي بين المخرج والمؤلف الموسيقي.
ومع ذلك، يشير إلى وجود تجارب مغايرة يتم فيها الاشتغال على الموسيقى منذ مرحلة كتابة السيناريو، ما يسمح بتحقيق انسجام فعلي بين الصوت والصورة.
كتابة ثانية للعمل
من جهته، يقدم فتاح النكادي، الذي راكم تجربة تفوق 80 عملا في الموسيقى التصويرية لأفلام ومسلسلات ووثائقيات مغربية، من بينها “وجع التراب” و“صيف بلعمان” و“أبي لم يمت”، رؤية نقدية تنطلق من الممارسة.
ويؤكد، في تصريحه لـSNRTnews، أن الموسيقى التصويرية في المغرب لا تحظى بالقيمة التي تستحقها، مقارنة بالاهتمام الموجه إلى الجوانب التقنية الأخرى، مشيرا إلى أن النقاش أحيانا ينحصر في اختيار مغني الجينيريك بدل التركيز على عمق الموسيقى.
ويرى النكادي، وهو أستاذ الموسيقى (بيانو- صولفيج) بالمعهد الوطني الموسيقي بالدار البيضاء، أن ضعف الميزانيات يشكل عائقا رئيسيا، خاصة أن هذا المجال يتطلب استثمارا في الآلات والعازفين والتسجيل.
ويضيف أن بعض المخرجين لا يغامرون في هذا الجانب، رغم أهميته في رفع القيمة الفنية للعمل، مشددا على أن الموسيقى كتابة ثانية للعمل، تحتاج إلى اهتمام أكبر، في ظل التركيز على الجوانب التقنية الأخرى.
حين يُثمر الاستثمار.. تجربة “أبي لم يمت”
في مقابل ذلك، يستحضر النكادي تجربته في فيلم “أبي لم يمت”، للمخرج عادل الفاضلي، حيث تم الاستثمار في الموسيقى التصويرية عبر توظيف آلات موسيقية حية، ما ساهم في تتويج العمل بجائزة أحسن موسيقى تصويرية في الدورة 23 للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة. هذه التجربة، في نظره، تؤكد أن الاستثمار في الموسيقى ليس ترفا، بل عنصرا حاسما في نجاح العمل.
التجربة المصرية
وفي مقارنة مع تجارب عربية، يشير النكادي إلى أن الموسيقى التصويرية في الأعمال المصرية تعد جزءا من هوية العمل ونجاحه، مستشهدا بأسماء مثل عمار الشريعي وعمر خيرت، إلى جانب علي الحجار، حيث يتم الاستثمار في العازفين والآلات، مع الحفاظ على روح التراث الموسيقي، ما جعل هذه الأعمال تقدم في عروض عالمية وتشكل مصدر فخر ثقافي.
كما يستحضر تجربة راجح داوود مع المخرج داوود عبد السيد، حيث تحولت الموسيقى إلى بطل درامي داخل أفلام مثل “أرض الخوف” و“الكيت كات”، من خلال توظيف دقيق للآلات الموسيقية بما يخدم الحالة النفسية للشخصيات.
إلى جانب الإكراهات المالية، يطرح النكادي إشكالات بنيوية، من بينها غياب استوديوهات متخصصة في تسجيل الموسيقى السينمائية، وتأثير الذائقة الموسيقية السائدة على اختيارات بعض المخرجين، ما قد يؤدي إلى توظيف غير دقيق لأنماط موسيقية معينة.
كما يحذر من بروز ممارسات جديدة، مثل السرقة الفنية أو الاستخدام غير المؤطر للذكاء الاصطناعي، ما يطرح تحديات إضافية أمام حماية الإبداع الموسيقي.
الموسيقى في عين المخرج
من جهته، يؤكد الجيلالي فرحاتي أن الموسيقى التصويرية ليست عنصرا ثانويا، بل جزء من بنية الفيلم، وعنصر أساسي في تشكيل لغته الجمالية.
ويرى أن توظيفها يجب أن يتم عبر نقط موسيقية مدروسة، منسجمة مع الإيقاع الدرامي، بعيدا عن أي استعمال مفرط قد يخل بتوازن الصورة.
ويبرز فرحاتي، في تصريحه لـSNRTnews، أن الموسيقى، وإن كانت تستخدم أحيانا لملء الصمت، فإنها تتحول أساسا إلى راوٍ بلا كلمات، قادر على التعبير عن أدق التحولات النفسية، فاختيار آلة معينة، كالناي أو التشيلو، يساهم في بناء المعنى ومنح المشهد أبعاده الشعورية.
وفي هذا الإطار، يشدد على أن تأليف الموسيقى التصويرية يتطلب تكوينا سينمائيا إلى جانب المعرفة الموسيقية، معتبرا أن المؤلف في هذا المجال سينمائي قبل كل شيء.
وفي المقابل، يحذر فرحاتي من الإفراط في استخدام الموسيقى أو توظيفها بشكل لا يخدم الصورة، مؤكدًا أنها يجب أن تظل في خدمة المشهد، لا أن تتغلب عليه.
ويشدد على أهمية التنسيق العميق بين المخرج والمؤلف الموسيقي، في إطار شراكة إبداعية قائمة على تبادل الرؤى، حيث يمكن لهذا التفاعل أن يحدد “صوت الفيلم” وهويته الفنية.
كما يشير إلى أن الساحة المغربية تتوفر على عدد من المؤلفين الموسيقيين، وإن كان محدودا، إلى جانب فنانين قادمين من مجالات موسيقية أخرى اتجهوا نحو التكوين في الموسيقى التصويرية، مشيرا إلى أن العديد من المخرجين يفضلون العمل مع نفس المؤلفين، نظرا لتراكم الفهم المشترك للرؤية الفنية، ما يسهل عملية الاشتغال، مع إمكانية تغيير هذا التعاون بحسب خصوصية كل مشروع.
وتحديد ميزانية الموسيقى التصويرية يظل رهينا بعدة عوامل، من بينها طبيعة العمل، وعدد المشاهد، ونوعية الآلات، وظروف التسجيل، والأهم من ذلك مدى قناعة الفريق بأهمية الموسيقى في خدمة العمل.
نحو انسجام يخدم العمل
يخلص فرحاتي إلى أن تطوير الموسيقى التصويرية يمر عبر تكامل ثقافي بين المخرج والمؤلف الموسيقي؛ فالأول في حاجة إلى حس موسيقي، والثاني إلى وعي سينمائي. حتى يتحقق ذلك الانسجام الذي يجعل من الموسيقى أثرا خالدا، قادرا على استحضار العمل كاملا في ذاكرة المتلقي، حتى بعد مرور سنوات على عرضه.
فحين تكتب الموسيقى بوعي، وتدمج في صلب الرؤية الإخراجية، لا تعود مجرد مرافقة للصورة، بل تصبح روحها وصوتها الذي لا ينسى.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة