فن وثقافة
رحيل الفنان الشامل .. نبيل لحلو جمع بين الكتابة والتشخيص والإخراج والإنتاج
07/05/2026 - 13:23
خولة ازنيزني
ودعت الساحة الفنية والثقافية، واحدا من أبرز أعمدتها، الفنان والمسرحي والمخرج السينمائي نبيل لحلو، الذي ظل، لأكثر من نصف قرن، اسما عصيا على التصنيف، ومبدعا اختار أن يشق لنفسه مسارا فنيا خاصا، بعيدا عن القوالب الجاهزة، مؤمنا بأن المسرح والسينما سؤال فكري وجمالي قبل أن يكونا مجرد فرجة.
ورحل نبيل لحلو، فجر الخميس 07 ماي 2026، عن عمر ناهز 81 سنة، بإحدى المصحات الخاصة بمدينة الرباط، حيث كان يتابع علاجه إثر معاناته مع أمراض القلب والكلي وارتفاع ضغط الدم.
ومن المرتقب أن يوارى جثمانه الثرى بعد صلاة العصر بمقبرة الشهداء بالرباط، وسط حالة من الحزن خيمت على الأسرة الفنية والثقافية بالمغرب.
وسرعان ما توالت رسائل النعي والتعازي من فنانين ومسرحيين ومثقفين، كما تقدمت وزارة الشباب والثقافة والتواصل بتعازيها إلى أسرة الراحل والأسرة الفنية الوطنية، فيما نعت التعاضدية الوطنية للفنانين المسرحيين واحدا من أبرز رجالات المسرح المغربي المعاصر.
بدوره، قال الفنان والباحث عيسى الجيراري إن الساحة الفنية المغربية فقدت فنانا من العيار الثقيل، ورجل مسرح حقيقي، ظل معطاء إلى آخر لحظات حياته، مؤكدا أن الراحل كان من بين السينمائيين الذين تركوا أعمالا خالدة في الريبيرتوار السينمائي المغربي.
وأضاف الجيراري، في تصريحه لـSNRTnews، أن نبيل لحلو كان رجل مسرح بامتياز، من خلال تجربته ضمن فرقة “القناع الصغير”، إلى جانب أسماء وازنة من قبيل ثريا جبران وعبد اللطيف الدشراوي، حيث قدموا أعمالا مسرحية بارزة من قبيل “الباب المسدود” و“جزيرة الشاك رباك”.
كما شدد على أن الراحل تميز بقدرته على الكتابة والإخراج باللغتين العربية والفرنسية، قبل أن يخوض تجربة سينمائية خاصة اعتمد فيها بشكل كبير على إمكاناته الذاتية في الإنتاج.
وذكر الجيراري انه اشغل معه قبل 30 سنة في مسرحية L'Empereur Schrishmatury، التي أخدت صيتا عالميا.
سيرة فنان
ولد نبيل لحلو بمدينة فاس سنة 1945، وبدأت علاقته بالمسرح منذ سنواته الأولى، قبل أن يسافر إلى باريس سنة 1964 لدراسة الفن الدرامي بمدرسة شارل دولان وجامعة مسرح الأمم بفرنسا. وهناك، تشكل وعيه الفني والجمالي، ليعود بعد ذلك إلى المغرب محملا برؤية مسرحية مختلفة، تقوم على التجريب وكسر القوالب التقليدية.
وفي بداية السبعينيات، اشتغل بتدريس مادة المسرح، قبل أن ينخرط في كتابة وإخراج نصوص مسرحية بالعربية والفرنسية، ويقدم أعمالا ستصبح لاحقا علامات فارقة في تاريخ المسرح المغربي، من بينها “الميليارديرات”، و“أوفيليا لم تمت”، و“الإمبراطور شريش ماتوري”، و“يوميات أحمق”، و“محاكمة سقراط”، وهي أعمال اتسمت بنفَس تجريبي واضح، واقتربت في كثير من الأحيان من توظيف أسئلة فلسفية وسياسية مرتبطة بالواقع المغربي.
ولم يتوقف شغف الراحل عند خشبة المسرح، بل امتد إلى السينما، حيث بصم تجربة استثنائية في تاريخ الفيلم المغربي، قائمة على سينما المؤلف، والإنتاج الذاتي.
فمنذ فيلمه “القنفوذي” سنة 1978، مرورا بـ“الحاكم العام” و“إبراهيم ياش” و“نهيق الروح” و“كوماني”، وصولا إلى “سنوات المنفى” و“ثابت أو غير ثابت” و“شوف الملك في القمر”، ظل نبيل لحلو وفيا لسينما تجريبية ذات لغة بصرية خاصة، تراهن على التجريب والكوميديا السوداء والفانتازيا.
ويعتبر فيلم “إبراهيم ياش”، الذي قدمه سنة 1984، من أبرز أعماله السينمائية وأكثرها إثارة للنقاش، إذ صنف فور عرضه ضمن الأفلام المغربية المختلفة عن السائد، بالنظر إلى جرأته الجمالية والفكرية، كما استلهم بعض مشاهده من مسرحيته “أوفيليا لم تمت”، في تجسيد واضح للتداخل بين عوالمه المسرحية والسينمائية.
ولم يكن الراحل مجرد مخرج أو مؤلف، بل كان مشروعا فنيا متكاملا؛ يكتب نصوصه بنفسه، ويخرجها، وينتجها، ويؤدي أدوارا رئيسية فيها، واضعا بصمته الخاصة على كل تفاصيل العمل الفني. وهي الخصوصية التي جعلت النقاد يعتبرونه أحد أكثر الفنانين المغاربة استقلالية وتمردا على القواعد الجاهزة.
آخر ظهور فني للراحل كان من خلال مسرحيته “ماشا مشمشة تريد دورا في فيلم محاكمة سقراط”، التي عرضت على خشبة مسرح محمد الخامس بالرباط، في عمل بدا وكأنه استمرار لشغفه الأبدي بالمسرح، ذلك الشغف الذي ظل يسكنه حتى أيامه الأخيرة.

برحيل نبيل لحلو، يفقد المسرح المغربي أحد أكثر وجوهه خصوصية، والسينما المغربية تفقد واحدا من المخرجين الذين آمنوا بأن الفن موقف فكري قبل أن يكون صناعة للفرجة، ورغم الغياب، ستظل أعماله شاهدة على تجربة إبداعية نادرة، قاومت النمطية، وراهنت على مساءلة الواقع بلغة الفن والجمال.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة