مجتمع
بين الهوية والرقمنة.. المغرب يعيد صياغة قواعد التعمير عبر 5 مواثيق
08/06/2026 - 14:04
مراد كراخي
أطلقت وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة طلب عروض لمشروع ضخم يهدف إلى إعداد خمسة مواثيق إطارية للتعمير والهندسة المعمارية والمناظر الطبيعية، بصيغة رقمية مدمجة، في خطوة استراتيجية تروم تحديث قطاع التعمير ودعم الانتقال الرقمي في تدبير المجالات الترابية بالمغرب.
ووفق الوثائق الرسمية للمشروع، فقد رصدت كلفة تقديرية لإنجاز هذه الدراسة تقدر بـ5,4 ملايين درهم. ويصنف هذا الورش كصفقة فريدة، تنجز في إطار طلب عروض دولي مفتوح بناء على عروض الأثمان، ووفق المقتضيات القانونية المنظمة للصفقات العمومية بالمملكة.
ويهدف هذا المشروع، الذي تشرف عليه مديرية الهندسة المعمارية، إلى بلورة رؤية مرجعية متقدمة تزاوج بين الحفاظ على الهوية البصرية والموروث المعماري المغربي الأصيل، وبين متطلبات العصر، عبر مقاربات تراعي المناظر الطبيعية والاعتبارات البيئية.
وتكمن إحدى أبرز خصائص هذا المشروع في طابعه اللامادي والرقمي، إذ ستتحول هذه المواثيق الخمسة إلى أدلة مرجعية رقمية تفاعلية قابلة للاستغلال عبر النظم الجغرافية والمعلوماتية الحديثة، بما يسهل على الفاعلين المحليين والمهندسين وصناع القرار الولوج إليها وتوظيف مخرجاتها بكفاءة.
شروط صارمة
نظرا للأبعاد العلمية والتقنية المعقدة للمشروع، ينص دفتر الشروط على ضرورة تعبئة فريق عمل رفيع المستوى ومتعدد التخصصات، يقوده مهندس معماري متخصص في التخطيط العمراني بصفته رئيس المشروع.
ويضم الفريق خبراء في مجالات متعددة، من بينهم مهندس مناظر طبيعية، ومهندس متخصص في التراث المعماري وإعادة تأهيل النسيج التاريخي، وخبير في التخطيط الترابي والتحليل الجغرافي، إضافة إلى مختصين في النظم المعلوماتية الجغرافية (SIG)، ومهندسي المعلوماتية، وخبراء بيئيين، وباحثين في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الترابية وديناميات المجتمع، فضلا عن مصممي غرافيك لضمان جودة الإخراج البصري للمخرجات.
وينص نظام الاستشارة على إقصاء أي عرض تقني لا يحترم هذه التركيبة الكاملة للكفاءات أو يفتقر إلى منهجية واضحة لتفعيل الأهداف المسطرة.
ويتوزع تنفيذ هذا المشروع على ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإنجاز تشخيص دقيق وشامل ومحيّن للوضع القائم، ثم إعداد وصياغة مسودات المواثيق الإطارية الخمسة، وصولا إلى إطلاق مسار التشاور الموسع وإخراج النسخ النهائية الرقمية المعتمدة.
ولضمان احترام آجال الإنجاز، يتضمن دفتر الشروط جزاءات وغرامات مالية يومية في حالة التأخر غير المبرر في تسليم مخرجات كل مرحلة.
كما تشدد المقتضيات الإدارية على مبادئ الشفافية، مع إدراج بنود صارمة لمحاربة الغش والرشوة والفساد خلال مختلف مراحل إبرام وتدبير الصفقة.
مميزات المشروع:
يتضمن مشروع إعداد "المواثيق الخمسة الإطارية للتعمير والهندسة المعمارية والمناظر الطبيعية بصيغة رقمية مدمجة" تفاصيل دقيقة تحدد خصائص كل ميثاق ومرتكزاته الترابية والفنية.
ولا يقتصر المشروع على إعداد أدلة تقنية تقليدية، بل يهدف إلى تقسيم التراب الوطني إلى خمس مجموعات مجالية كبرى، تتميز كل منها بخصوصيات هوياتية وتحديات عمرانية وبيئية مستقلة.
الشريط الساحلي
يغطي هذا الميثاق المناطق الساحلية للمملكة، ويركز على تدبير الضغط العمراني والسياحي على الواجهتين المتوسطية والأطلسية.
ويهدف إلى تحقيق توازن بين جاذبية الاستثمار وحماية السواحل والمنظومات البيئية الحساسة، خاصة الشواطئ والكثبان الرملية، مع ضبط الارتفاعات والكتل العمرانية لضمان استدامة المشهد الساحلي.
المجالات التراثية
يهتم هذا الميثاق بالمدن العتيقة والمدن ذات الطابع التاريخي، إضافة إلى القصور والقصبات، ويعد من أكثر المكونات حساسية لارتباطه المباشر بالهوية المعمارية المغربية.
وينص على آليات دقيقة لإعادة التأهيل والترميم وإدماج النسيج العمراني، بما يحافظ على العناصر التقليدية مثل الأسوار والأقواس والأزقة الضيقة، مع تطوير حلول تتيح إدماج متطلبات العيش الحديث دون المساس بالأصالة.
الوسط القروي
يغطي هذا الميثاق التجمعات القروية، ويهدف إلى الحد من الزحف العمراني العشوائي وتلاشي الخصوصيات المعمارية المحلية.
ويركز على تشجيع استعمال مواد البناء المحلية المستدامة، واحترام النمط الأفقي للبناء، ودعم أنشطة الفلاحة والسياحة القروية، بما يضمن انسجام العمران مع الأراضي الزراعية والمشهد الطبيعي.
المناطق الجبلية
يشمل هذا الميثاق المجالات الجبلية بالمغرب، مع مراعاة الخصوصيات الطبوغرافية والمناخية الصعبة للمرتفعات.
ويضع قواعد تقنية ومعمارية تأخذ بعين الاعتبار انحدار التضاريس، والعزل الحراري، وتصريف مياه الأمطار والثلوج، إضافة إلى حماية المنحدرات من التعرية والانهيارات، عبر تحديد أشكال البناء ونوعية الأسقف والألوان المتناغمة مع البيئة الجبلية.
المناطق الصحراوية والواحاتية
يغطي هذا الميثاق المجالات الصحراوية والواحات في شرق وجنوب المملكة، التي تواجه تحديات مناخية قاسية ونظمًا بيئية هشة.
ويركز على الحفاظ على المعمار الواحاتي التقليدي المبني بالطين والمواد العازلة للحرارة، والتكيف مع الرياح والرمال، وحماية الواحات من التمدد العمراني غير المنضبط، بما يضمن صون هذا الإرث الإيكولوجي والثقافي الفريد.
مقالات ذات صلة
مجتمع
اقتصاد
مجتمع
مجتمع