اقتصاد
من التحويلات إلى الاستثمار.. ماهي العقبات التي تواجه مغاربة العالم؟
07/06/2026 - 12:45
وئام فراج
في وقت تراهن فيه الحكومة على تحويل استثمارات مغاربة العالم من مجرد تحويلات مالية إلى رافعة اقتصادية منتجة، لا يزال عدد من أفراد الجالية يواجهون عراقيل تحد من تحويل رغبتهم في الاستثمار إلى مشاريع قائمة على أرض الواقع. فأين تكمن هذه العراقيل وكيف يمكن تجاوزها؟
أكد عدد من المستثمرين المغاربة المقيمين بالخارج أن مسار الاستثمار في المغرب ما زال يحتاج إلى مزيد من التبسيط والتنسيق بين مختلف المتدخلين، خاصة بالنسبة لحاملي المشاريع الصغرى والمتوسطة الذين لا يتوفرون على فرق متخصصة لمتابعة المساطر والإجراءات.
ضعف التفاعل
يروي حمزة بنسودة، مقاول مغربي مقيم بفرنسا منذ تسع سنوات، تجربة شركته الناشئة المتخصصة في حلول الذكاء الاصطناعي الموجهة للقطاع المالي والبنكي. ويقول إن المشروع، الذي انطلق من فرنسا ونجح في ولوج السوق البرتغالية واستقطاب عدد من العملاء، دفع مؤسسيه إلى التفكير في الاستثمار بالمغرب والمساهمة في تطوير الخدمات الرقمية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
غير أن هذه الخطوة، بحسب بنسودة، اصطدمت ببطء الإجراءات وضعف التفاعل مع المشروع. وأوضح، في اتصال هاتفي مع SNRTnews، أن الشركة عقدت لقاءات مع بعض المؤسسات البنكية المغربية وحظيت باستقبال إيجابي في البداية، إلا أن الانتقال إلى مرحلة التنفيذ واجه عراقيل مرتبطة ببطء الاستجابة وتأخر اتخاذ القرارات، ما أثر على حماس الفريق للاستثمار في السوق الوطنية.
ويشير إلى أن الحلول التي تطورها الشركة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لمساعدة الزبناء على اختيار المنتجات البنكية المناسبة لهم، سواء تعلق الأمر بالقروض أو الادخار أو الاستثمار أو التأمين، معتبرا أن بعض الفاعلين ما زالوا ينظرون إلى هذه الخدمات باعتبارها سابقة لأوانها، رغم التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم.
وتتقاطع هذه الشهادة مع تجربة ليلى، وهي مغربية مقيمة بألمانيا، بحيث قررت نقل جزء من نشاطها التكنولوجي إلى المغرب بعد سنوات من العمل بالخارج. وتقول إن أكبر الصعوبات التي واجهتها تمثلت في تعقيد الإجراءات وتعدد الجهات المتدخلة، معتبرة أن المستثمر القادم من الخارج يحتاج إلى مخاطب واحد يواكبه ويوفر له المعلومات الضرورية ويختصر عليه الوقت والجهد.
تحسن في المساطر
في المقابل، عاش أيمن، وهو مهندس معلوماتي يقيم بفرنسا منذ نحو عشر سنوات، تجربة استثمارية مختلفة. فبعد ثلاث سنوات من البحث والتحضير، تمكن من إطلاق مشروع عقاري موجه للسكن السياحي بمدينة الدار البيضاء.
وأكد، في حديثه مع SNRTnews، أن أكبر الصعوبات التي واجهها لم تكن مرتبطة بالإدارة بقدر ما تعلقت ببعض الجوانب المرتبطة بإنجاز المشروع نفسه، مشيرا إلى أن المساطر الإدارية مرت بشكل سلس ولم يصطدم بعراقيل تذكر، بل لمس تسهيلات كلما حل بالمغرب لاستكمال الإجراءات.
ويضيف أن السنوات الأخيرة شهدت تحسنا ملحوظا مقارنة بما كان عليه الوضع سابقا، حيث كان المستثمرون من مغاربة العالم يضطرون إلى التنقل المتكرر بين بلد الإقامة والمغرب وانتظار فترات طويلة لاستكمال ملفاتهم، بينما أصبحت الإجراءات اليوم أكثر سرعة وفعالية.
غير أن أيمن يلفت الانتباه إلى تحد آخر يتعلق بسوق العقار، داعيا إلى اعتماد آليات أكثر صرامة لضمان احترام آجال إنجاز المشاريع العقارية. ويستشهد، في هذا السياق، ببعض التجارب الدولية التي تفرض غرامات على المنعشين العقاريين في حال التأخر عن تسليم المشاريع، معتبرا أن اعتماد إجراءات مماثلة من شأنه تعزيز حماية المستثمرين والمشترين.
عراقيل في الاستثمار
في هذا الإطار، ترى رئيسة جمعية النساء المقاولات بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة والمرشحة لرئاسة الجمعية الوطنية للنساء المقاولات بالمغرب، الشعيبية بلبزيوي علوي، أن النظرة إلى مغاربة العالم يجب أن تتجاوز اعتبارهم مجرد مصدر للتحويلات المالية، لأنهم يمثلون أيضا رأسمالا غير مادي يضم خبرات وكفاءات راكمت تجارب مهمة في دول متقدمة ويمكن أن تساهم في تطوير الاقتصاد الوطني.
وأوضحت علوي، في تصريح لـSNRTnews، أن أولى العراقيل التي تواجه هذه الفئة تتمثل في نقص المعلومة، بحكم عدم إقامتهم الدائمة بالمغرب وعدم إلمامهم بكافة المستجدات الاقتصادية والفرص الاستثمارية المتاحة.
كما أشارت إلى أن أغلب مشاريعهم تنتمي إلى فئة المقاولات الصغيرة والصغيرة جدا، حيث يضطلع المستثمر بنفسه بمعظم المهام، ما يجعل أي تأخير إداري أو تعدد في المتدخلين عاملا مؤثرا في نجاح المشروع أو تعثره.
وتعتبر أن إشكالية الشباك الوحيد ما زالت مطروحة، إذ إن المستثمر يضطر في كثير من الأحيان إلى التنقل بين عدة مصالح وإدارات لاستكمال الإجراءات، الأمر الذي يؤدي إلى هدر الوقت والموارد المالية، وقد يدفع بعض المستثمرين إلى التخلي عن مشاريعهم.
كما أكدت علوي، والتي راكمت تجربة في هذا المجال، أن مغاربة العالم غالبا ما يحلون بالمغرب لفترات محدودة، ما يفرض تسريع المساطر الإدارية والقانونية وتجميع مختلف الخدمات داخل فضاء موحد.
صعوبة الولوج إلى التمويل
بالإضافة إلى العقبات الإدارية، لفتت المتحدثة ذاتها إلى إشكال العقار، خاصة بالنسبة للمشاريع الصناعية التي تحتاج إلى أوعية عقارية مجهزة ومناطق صناعية تستجيب للمعايير المطلوبة وطنيا ودوليا.
كما تطرقت إلى صعوبة الولوج إلى التمويل بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة والمقاولين الشباب، داعية الأبناك إلى تطوير أدواتها وآليات مواكبتها للمشاريع الجديدة، والانفتاح بشكل أكبر على خصوصيات المستثمرين المغاربة المقيمين بالخارج.
وتسجل علوي وجود فجوة تواصلية بين المؤسسات الحاملة للبرامج الاستثمارية والمستثمرين المحتملين من مغاربة العالم، مؤكدة أن العديد منهم يجهلون المشاريع الكبرى التي أطلقها المغرب في مجالات واعدة تتوافق مع خبراتهم وكفاءاتهم، مشيرة إلى أن الجيل الجديد من مغاربة العالم لم يعد يركز على الاستثمار العقاري فقط، كما كان الحال في السابق، بل يتجه أكثر نحو قطاعات الرقمنة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الأخضر والطاقات المتجددة وصناعة السيارات والطيران.
وترى أن المرحلة الحالية تتطلب خلق آليات أكثر فعالية للتواصل وربط الجسور بين المستثمرين المغاربة المقيمين بالخارج والبرامج الوطنية المتاحة، عبر منصات ومبادرات قادرة على توفير المعلومة والمواكبة بشكل مستمر.
سياسة اقتصادية متكاملة
من جهته، يعتبر الخبير الاقتصادي الدولي المختص في التحويلات المالية الدولية والتكنولوجيا المالية، إينيغو موريه، أن المغرب يتوفر على منظومة قائمة على تحويلات المهاجرين، لكنه ما زال في حاجة إلى سياسة اقتصادية متكاملة وموجهة خصيصا لاستقطاب استثمارات مغاربة العالم.
ويشير موريه، في تصريح لـSNRTnews، إلى أن المغرب نجح سابقا في جذب الاستثمارات الأجنبية بفضل اعتماد سياسة واضحة ومؤسسات متخصصة في هذا المجال، معتبرا أن استقطاب استثمارات الجالية يتطلب اعتماد المقاربة نفسها من خلال إحداث بنية مؤسساتية مخصصة للمغاربة المقيمين بالخارج تتولى مواكبة مشاريعهم وتوجيهها.
وأكد أن المهاجرين لا يمكن أن يُنظر إليهم باعتبارهم موردا تلقائيا للاستثمارات أو التحويلات، بل يحتاجون إلى حوافز ومواكبة وإجراءات تشجعهم على ضخ رؤوس أموالهم وخبراتهم في بلدهم الأصلي، على غرار ما تعتمده عدة دول حول العالم.
استثمارات منتجة
وكان رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، قد شدد، خلال افتتاح المنتدى الوطني حول "الاستثمار ومغاربة العالم" المنعقد بطنجة، على ضرورة الانتقال إلى نموذج جديد في العلاقة الاقتصادية مع الجالية يقوم على تحويل التحويلات المالية إلى استثمارات منتجة تخلق الثروة وفرص الشغل وتعزز التنمية.
وأكد أن الحكومة تعمل على جعل المغرب وجهة مفضلة لاستثمارات مغاربة العالم، من خلال تحسين مناخ الأعمال وتبسيط المساطر الإدارية وتقليص الوثائق المطلوبة، في إطار إصلاح شامل لمنظومة الاستثمار وتعزيز دور المراكز الجهوية للاستثمار.
كما دعا الوزير المنتدب المكلف بالاستثمار كريم زيدان مغاربة العالم إلى الانخراط بشكل أكبر في الدينامية الاستثمارية عبر نقل الخبرات والتكنولوجيا وخلق فرص الشغل، مبرزا أن الميثاق الجديد للاستثمار يوفر آليات دعم وتحفيز ومواكبة.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
سياسة
اقتصاد