فن وثقافة
ثلاثي L’Antidote..ثلاثة عوالم موسيقية تلتقي في فاس سعيا إلى التشافي
06/06/2026 - 20:25
خولة ازنيزني | أيوب محي الدينتشير الساعة إلى السادسة مساء، تنعم حديقة جنان السبيل بفاس بهدوء خاص مع انحدار ضوء الشمس، ذلك الهدوء الذي لا يخلو من حركة تتسلل بين الأشجار والممرات المائية. نسيم دافئ يمر كأنه يهيئ المنصة للحظة موسيقية مختلفة، فيما تعبر رياح خفيفة المكان برفق، وكأنها تواكب إيقاع ثلاثة موسيقيين من خلفيات متباينة اجتمعوا حول فكرة واحدة: الموسيقى كعلاج.
ثلاثي موسيقي يضم عازف التشيلو الألباني ريدي حاسا، وعازف البيانو اللبناني رامي خليفة، وعازف الإيقاع الإيراني بيجان شيميراني. ثلاثة مسارات ثقافية وموسيقية مختلفة، كأنها أنهار من منابع متعددة، قبل أن تتخلى عن مجاريها التقليدية لتصب في مسار واحد، لا تحده حدود ولا تصنيفات، عنوانه L’Antidote.
تختلف لغاتهم، لكنهم جميعا ناطقون بلغة واحدة: الموسيقى بوصفها لغة إنسانية جامعة.
يتوقف الثلاثي في حديثهم لـSNRTnews، عند فكرة “L’Antidote” باعتبارها أكثر من اسم ألبوم، بل إشارة رمزية إلى الموسيقى كترياق في وجه عالم مثقل بالتوتر.
يصف الموسيقيون هذا اللقاء كأنه “عائلة موسيقية” تشكلت من تقاطع التجارب. فكل واحد منهم يحمل خلفية ثقافية وموسيقية خاصة: ريدي حاسا، القادم من تقاليد البلقان والمتوسط، يحتضن عزفه على التشيلو عوالم موسيقية متعددة، وقد ساهم مؤخرا في الموسيقى التصويرية للفيلم الوثائقي المرشح للأوسكار “أنا سيلين ديون” الذي يتناول سيرة المغنية الكندية سيلين ديون.
أما رامي خليفة، المتأرجح بين الكلاسيك والتجريب والإلكتروني، فهو عازف بيانو كلاسيكي بارع، يتنقل بين عوالم تمتد من راخمانينوف إلى التصوف والروحانية وموسيقى الرقص الإلكتروني. وقد قدم عروضا في مختلف أنحاء العالم، سواء كفنان منفرد أو مع فرق موسيقية.
هو نجل الموسيقار اللبناني مارسيل خليفة، حيث يمزج جذوره الكلاسيكية العميقة بتأثيرات الموسيقى الطليعية ليخلق صوتا فريدا يتجاوز الحدود التقليدية.
أما بيجان شيميراني، المتجذر في الإيقاعات الفارسية وامتدادها العائلي العريق، فيتقن العزف على آلة الزرب كأنه اخترعها قبل آلاف السنين. وهو ابن الموسيقي الإيراني جمشيد شيميراني، أحد أبرز أساتذة الإيقاع الفارسي، وقد ورث هذا الإرث ووسعه نحو آفاق معاصرة، ممزجا بين التقليد والتجريب، ومتعاونا مع فنانين من مدارس موسيقية متعددة، من الجاز إلى الفولك والموسيقى العالمية، ومن بينهم جان مارك بادوفاني، وخوان كارمونا، وستينغ.
ومع كل هذا التباين، فإن ما يجمع الثلاثي يتجاوز الاختلاف، ليصنع لغة مشتركة قوامها الإصغاء والحوار.
ويبرز البعد العائلي بقوة في هذا المشروع. فبالنسبة لرامي خليفة، ابن الموسيقار اللبناني مارسيل خليفة، لم يكن الإرث الموسيقي عبئا بقدر ما كان مساحة للحرية، حيث تحول التوجيه الأبوي إلى دعوة دائمة للإبداع، بعيدا عن القوالب الجاهزة.
أما بيجان شيميراني، فيحمل بدوره إرث والده الموسيقي الإيراني جمشيد شيميراني، الذي شكل مدرسة في الإيقاعات الفارسية، قبل أن يختار الابن توسيع هذا الإرث نحو حوارات موسيقية عالمية تتجاوز الجذور دون أن تنقطع عنها.
في هذا التقاطع بين الذاكرة الفردية والذاكرة الجماعية، يؤكد الفنانون أن ما يجمعهم هو أكثر من مجرد تعاون فني، بل هو شكل من الإصغاء المتبادل الذي يسمح لكل صوت أن يجد مساحته دون أن يطغى على الآخر. وهكذا تتحول البروفات والعروض إلى تجربة اكتشاف مستمرة.
كما عبروا عن ارتباط خاص بمدينة فاس، التي تمنحهم، إحساسا مختلفا أثناء الأداء، بحكم ما تحمله من عمق روحي وتاريخي يجعل الموسيقى تبدو وكأنها جزء من ذاكرة المكان نفسه، لا مجرد عرض فوق خشبة.
وفي هذا السياق، يشيرون إلى أن الجمهور المغربي يخلق بدوره طاقة خاصة تقوم على الإصغاء والتفاعل، مما يمنح التجربة بعدا إنسانيا إضافيا.
وفي خلفية هذا المشهد، يظل الإيمان مشتركا بأن الموسيقى، رغم محدوديتها في تغيير الواقع مباشرة، تظل قادرة على فتح مساحات صغيرة للهدوء داخل عالم مضطرب. مساحات لا تدعي إنقاذ العالم، لكنها تساهم في تخفيف ثقله، وتمنح لمن يستمع لحظة صافية يمكن أن يبدأ منها معنى مختلف للأمل.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة