مجتمع
حيوانات نادرة تصارع شبح الانقراض في المغرب
06/06/2026 - 20:20
شهرزاد عيوش
يُعد المغرب من بين أغنى بلدان حوض البحر الأبيض المتوسط من حيث التنوع البيولوجي، بفضل تنوع مناظره الطبيعية الممتدة من السواحل والجبال إلى الواحات والمناطق الصحراوية، ما جعله يحتضن مئات الأنواع الحيوانية والنباتية النادرة.
غير أن هذا الرصيد البيئي يواجه، في السنوات الأخيرة، تهديدات متزايدة، نتيجة التغيرات المناخية، وتدهور المواطن الطبيعية، والصيد غير المشروع، والتوسع العمراني، ما أدى إلى تراجع أعداد عدد من الحيوانات البرية وتهديد بعضها بالانقراض.
في هذا السياق، أكد رئيس مصلحة علم الحيوانات والبيطرة بحديقة الحيوانات بالرباط، سعد عزيزي، أن المغرب، رغم اعتباره ثاني أغنى بلد متوسطي من حيث التنوع البيولوجي بعد تركيا، يشهد اليوم تراجعا ملحوظا في عدد من الأنواع الحيوانية بسبب عدة عوامل مرتبطة بالنشاط البشري والتغيرات البيئية.
أنواع مهددة بالاختفاء من الطبيعة
وأوضح عزيزي، في تصريح لSNRTnews، أن من بين أبرز الثدييات المهددة في المغرب قرد المكاك البربري، الذي يُعد من الرموز الحيوانية لغابات الأطلس المتوسط والريف، مشيرا إلى أنه أصبح مصنفا ضمن الأنواع المهددة بالانقراض بسبب تراجع مجالات عيشه الطبيعية والاتجار غير المشروع به.

كما تحدث عن فقمة البحر الأبيض المتوسط، التي وصفها بأنها “واحدة من أندر الثدييات البحرية في العالم”، في ظل تقلص أعدادها بشكل كبير بسبب التلوث والاضطرابات البشرية بالسواحل.
وأضاف أن المغرب يحتضن أيضا أنواعا نادرة من الظباء الصحراوية، من بينها غزال كوفيه، وغزال داما المهري، والإدمي، وهي أنواع تواجه تهديدات متزايدة نتيجة التصحر وفقدان المواطن الطبيعية والضغط البشري، موضحا أن بعضها أصبح في وضعية حرجة جدا على المستوى العالمي.


وأشار كذلك إلى تراجع أعداد الضبع المخطط، الذي يشهد اختفاء تدريجيا من عدة مناطق، إضافة إلى ثعلب الماء الأوروبي، المتضرر أساسا من تلوث الأنهار واختفاء المناطق الرطبة.


وفي ما يتعلق بالطيور، أكد المتحدث أن المغرب يحتضن آخر تجمع بري كبير في العالم لطائر أبو منجل الأصلع، وهو ما يمنح المملكة مسؤولية خاصة في الحفاظ على هذا النوع النادر عالميا.

كما أشار إلى أن النسر الأسود وطائر الحبارى يعرفان بدورهما تراجعا مقلقا، خاصة بسبب الصيد غير المشروع وتدهور الأنظمة البيئية الطبيعية، رغم برامج الحماية وإعادة التأهيل التي مكنت من تحسين وضع بعض الأنواع نسبيا. ولفت إلى أن الزواحف والكائنات البحرية ليست بمنأى عن هذا التهديد، موضحا أن عدة أنواع منها أصبحت مهددة أو في طريقها إلى الاختفاء.

التغير المناخي والصيد غير المشروع من أبرز التهديدات
وحول أسباب هذا التراجع، أوضح عزيزي أن تدهور التنوع البيولوجي بالمغرب يرتبط أساسا بتدمير المواطن الطبيعية، سواء بسبب إزالة الغابات أو التوسع العمراني أو الأنشطة الفلاحية واستنزاف المناطق الرطبة.
وأضاف أن الصيد غير المشروع والاتجار غير القانوني في الحيوانات البرية يساهمان بشكل مباشر في تقليص أعداد العديد من الأنواع، إلى جانب تأثيرات التغير المناخي والتصحر وارتفاع درجات الحرارة، فضلا عن التلوث والاستغلال المفرط للموارد الطبيعية. كما أشار إلى وجود صراعات متزايدة بين الإنسان والحياة البرية، خاصة مع تقلص المجالات الطبيعية وامتداد الأنشطة البشرية إلى مناطق عيش الحيوانات.
المحميات الطبيعية… فضاءات لحماية الأنواع المهددة
وفي سياق متصل، أكد المسؤول ذاته أن المحميات الطبيعية تؤدي دورا أساسيا في الحفاظ على التنوع البيولوجي، باعتبارها توفر فضاءات آمنة تُمكن الحيوانات والنباتات من العيش والتكاثر بعيدا عن التهديدات البشرية. موضحا أن هذه الفضاءات تساهم في حماية المواطن الطبيعية الضرورية لبقاء الأنواع المهددة، كما تساعد على الحفاظ على التوازنات البيئية وحماية الموارد المائية والتربة.
وأضاف رئيس مصلحة علم الحيوانات والبيطرة بحديقة الحيوانات بالرباط أن المحميات الطبيعية تشكل أيضا مجالا مهما للبحث العلمي وإنجاز برامج المحافظة وإعادة توطين الأنواع المهددة داخل بيئاتها الأصلية.
وفي حديثه عن دور الحديقة الوطنية بالرباط، أوضح عزيزي أن الحفاظ على الحيوانات البرية خارج مواطنها الطبيعية يُعد من بين المهام الأساسية للمؤسسة، مشيرا إلى أن الحديقة تعمل على تكوين مجموعات مؤسسة لعدة أنواع مهددة، بهدف توفير أفراد يمكن الاستعانة بهم في برامج الحفاظ على الحياة البرية داخل الطبيعة، مع الحرص على الحفاظ على التنوع الجيني داخل الأنواع والسلالات المختلفة.
وأكد أن الحديقة الوطنية بالرباط شاركت، منذ تأسيسها، في “عشرات عمليات إعادة الإدماج والترحيل” الخاصة بالحيوانات البرية بالمغرب، موضحا أن هذه البرامج شملت الظباء الصحراوية، وقرد المكاك البربري، ونسور الأطلس. وأضاف أن “أسد الأطلس” يظل في صلب مهمة الحديقة، مشيرا إلى أن المؤسسة تتوفر حاليا على أكبر عدد من أسود الأطلس على المستوى الدولي، ما يجعلها فاعلا رئيسيا في جهود الحفاظ على هذا النوع الذي اختفى من الحياة البرية.

برامج الحماية وإعادة توطين الأنواع المهددة
من جهته، أكد مدير حديقة الحيوانات عين السبع و“دريم ڤلاج”، محمد مغرفاوي، في تصريح لـSNRTnews، أن المؤسستين تجددان “التزامهما العميق والتاريخي بالحفاظ على التنوع البيولوجي العالمي، وخاصة التنوع البيولوجي المغربي”.
وأوضح مغرفاوي أن المؤسستين تعملان منذ تأسيسهما على حماية وتثمين التراث الطبيعي، مشيرا إلى أنهما تحتضنان أكبر تنوع للحيوانات البرية في الأسر بالمغرب، مع أنواع قادمة من مختلف قارات العالم.
وأشار إلى أن فرق العمل بالمؤسستين تشتغل بتعاون وثيق مع الوكالة الوطنية للمياه والغابات على برامج للحفاظ داخل المواطن الطبيعية وخارجها، خاصة لفائدة الأنواع المهددة بالانقراض. ومن بين الأنواع التي ذكرها، طائر أبو منجل الأصلع، الذي وصفه بأنه “كنز حي للساحل الأطلسي المغربي”، إضافة إلى قرد المكاك البربري، الذي تستفيد برامجه من دعم خاص لمحاربة الاتجار غير المشروع بالحيوانات البرية.
وأوضح أن بعض هذه الحيوانات يتم لاحقا إدماجها في برامج لإعادة التأهيل وإعادة التوطين داخل الطبيعة، خاصة بمنتزه بوهاشم، بشراكة مع جمعية التوعية والحفاظ على قرد المكاك البربري.
التربية البيئية والتحسيس بأهمية حماية الحياة البرية
كما تحدث عن برامج إعادة إدماج النيص والأروي بمنتزه إفران الوطني، إضافة إلى دعم عودة النسور إلى منطقة الريف. وأكد كذلك مشاركة المؤسسة في برامج إكثار وتقوية أعداد أنواع مهددة جدا، من بينها النعامة حمراء العنق، وغزال داما المهري، والإدمي، وغزال دوركاس، وغزال كوفيي.

وكشف مغرفاوي عن مشاريع دولية جديدة، أبرزها مشروع يهدف إلى إنقاذ آخر تجمع عالمي لطائر “تورنيكس الأندلس”، بشراكة مع خبراء مغاربة وإسبان.
وفي الجانب التوعوي، شدد محمد مغرفاوي على أن دور المؤسسة لا يقتصر على حماية الحيوانات فقط، بل يشمل أيضا التربية البيئية والتحسيس بأهمية احترام الحياة البرية.
وأوضح أن آلاف الأطفال والتلاميذ والزوار يستفيدون سنويا من برامج تعليمية تهدف إلى ترسيخ ثقافة حماية الكائنات الحية والحفاظ على النظم البيئية، مؤكدا أن “حماية التنوع البيولوجي تبدأ أولا بالفهم والتوعية ونقل المعرفة”.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع