فن وثقافة
احتفاء بالصنعة والثقافات في افتتاح الدورة 29 من مهرجان فاس للموسيقى العريقة
05/06/2026 - 09:13
خولة ازنيزني | أيوب محي الدينارتفع صدى موسيقى الروح من رحم أسوار فاس العتيقة في واحدة من لياليها الكبرى، وعلى خشبة ساحة باب الماكينة استعرض فنانون عالميون فسيفساء موسيقية تنهل من هوياتهم وقصص حضارات محاكة بخيوط الذاكرة الجماعية، حيث حضرت الثقافة والتاريخ بحبر الموسيقى، ليكتمل الإبداع مع تكريم حماة الصنعة والتراث، في عرض افتتاحي اكتسى ثوب الشاعرية، معلنا مساء الخميس 04 يونيو 2026 انطلاق الدورة التاسعة والعشرين من مهرجان فاس للموسيقى العالمية العريقة.
وتنظم فعاليات هذه الدورة تحت شعار "فاس والمعلمون، حماة الصنعة والتراث"، ويحمل عرض الافتتاح عنوان "انبثاق الروح من المادة.. من السماء إلى الأرض"، وهو عمل فني احتفى بالحرفيين والصناع التقليديين باعتبارهم حراس الذاكرة الجمالية والروحية للمغرب والعالم، وصناع هوية ممتدة عبر القرون.
قدم الفنانون عبر لوحات بصرية متتابعة، عبر محطات من تاريخ الإنسانية، وصولا إلى اكتشاف الحرير قبل خمسة آلاف سنة داخل قصر الإمبراطورة سي لينغ تشي، فيما تحاور الزليج الفاسي مع الخطوط الفنية لماوريتس كورنيليس إيشر، والفسيفساء القديمة لوليلي، بينما اشتعلت حدادة كونية في باب الماكينة تكريما لحدادي العالم.
رحلة بصرية عابرة للقارات
ومنذ اللحظات الأولى، بدا العرض وكأنه رحلة بصرية وشعرية عابرة للقارات، مزجت بين الموسيقى والأهازيج الصوفية والإنشاد والرقصات التقليدية والإسقاطات الضوئية، في لوحات استحضرت العناصر الأربعة الأساسية للكون: الماء والهواء والأرض والنار، باعتبارها المادة الأولى التي يصوغ منها الحرفي إبداعه.
وتنقل الجمهور، على امتداد العرض، بين عوالم متعددة، مستهلها مع إشعاع فاس، مرورا بالطقوس الصوفية والشرقية الآسيوية، وصولا إلى أصداء عصر النهضة الأوروبية، في فسيفساء موسيقية وثقافية نُسجت بعناية لتجسد الإنسان في كل تجلياته الثقافية وتعدد روافده الحضارية، حيث انتظمت على الخشبة متتالية من الشذرات، تتقاطع فيها الجذور احتفاء بالتعدد.
وأكدت دافني كريثاراس، وهي مغنية ومؤلفة موسيقية فرنسية يونانية، أهمية احتفاء هذه الدورة من المهرجان بالصناعة التقليدية، معتبرة أن فاس والمغرب يزخران بتراث غني وجميل، إلى جانب مشاركة موسيقيين استثنائيين من مختلف أنحاء العالم.
وأضافت كريثاراس، في تصريح لـSNRTnews: "هناك لغة واحدة تجمعنا جميعا، وهي الموسيقى. فهي قادرة على تجاوز كل حواجز اللغة والاختلاف. وأجد من الرائع أن نلتقي هنا مع فنانين كبار وبارعين من دول عديدة".
ومن سهول قيرغيزستان الشاسعة إلى آفاق سهوب منغوليا الممتدة، وصولا إلى مدن آسيا الوسطى الأسطورية، رسم البرنامج لوحة صوتية نابضة بالحياة، ترددت فيها أصداء ذاكرة الشعوب الرحل، في دعوة إلى السفر على خطى قوافل وشعراء طريق الحرير.
وبدأت الرحلة مع فن الكوموز، العود الرمزي لقيرغيزستان، الذي أداه إليمان وكاموز أيبك كانيبكوف. هذه الآلة، الوريثة لتقاليد عريقة، رافقت حكايات الشعراء، وحماة ذاكرة الشعوب الرحل، حيث قاما بتأدية مقطوعتي آتا-إيغومباي ومسيرة فاتالوسطوي، واستمر هذا الزخم في منغوليا مع صوت مانداخاي دانسورين، حيث تناغم الغناء القائم على إنتاج نغمات متناغمة متعددة بصوت واحد، مع آلة "مورين خور".
وعبر إليمان وكاموز أيبك كانيبكوف عن أهمية المهرجان في جمع موسيقيين وفنانين من بلدان وثقافات متعددة، معتبرين أن ذلك يعزز روح الانسجام والتقارب بين الشعوب، ويتيح تبادل الخبرات والتجارب الإبداعية بينهم.
وتصل الرحلة إلى أوزبكستان مع إليوس أرابوف، الذي يشارك للمرة الثانية في المهرجان، إذ أكد أن المشاركة في مثل هذه التظاهرات الثقافية وتبادل الثقافات من خلالها أمر مهم للغاية، لما تعززه من أواصر الصداقة بين أوزبكستان والمغرب، وبين مختلف دول العالم.
وأضاف أرابوف، في تصريحه لـSNRTnews، أن تواصل الموسيقيين في ما بينهم، وتعاونهم، يشكل قيمة حقيقية لهذا المهرجان، الذي يجمع بين الموسيقى التقليدية والموسيقى الصوفية والمقامات المختلفة على منصة واحدة، معتبرا أن ذلك يمنح التظاهرة جمالا خاصا ويخلق حوارا ثقافيا مميزا.
وقدم الفنان الهندي غازي خان بارنا، رفقة مجموعته، موسيقى راجستان الفلكلورية القادمة من صحراء ثار، معبرا عن سعادته بالعودة إلى المغرب للمشاركة في مهرجان فاس بعد عشر سنوات.
وشدد خان بارنا على أن هذه التظاهرة تشكل فرصة للقاء موسيقيين من بلدان مختلفة، والتعاون معهم، وتبادل الأفكار وصناعة أعمال جديدة خلال الأيام الماضية، مشيدا بعمق وتنوع الثقافة المغربية وخصوصيتها.
احتفاء بالحرفيين
واحتفى العرض كذلك بالحرفيين التقليديين باعتبارهم ضيوف شرف هذه الدورة، في تكريم رمزي لأولئك الذين ظلت مساهماتهم، رغم طابعها الخفي، حاضرة في تشكيل ذاكرة المدن وصناعة الجمال.
وفي واحدة من أكثر لحظات العرض شاعرية، أضاءت فوانيس النحاسيين فضاء باب الماكينة، فيما تحولت الأسوار التاريخية إلى شاشة عملاقة تتقاطع عليها الرموز والزخارف والأشكال المستوحاة من الذاكرة المغربية، في احتفاء بصري بالمعلم التقليدي الذي ظل، لقرون، جزءا أصيلا من روح المدينة.
كما تتميز هذه الدورة بحضور ألمانيا كضيف شرف، تزامنا مع الاحتفال بمرور سبعين سنة على العلاقات الدبلوماسية المغربية الألمانية، في تأكيد جديد على البعد الكوني للمهرجان، الذي يواصل منذ تأسيسه مد جسور الحوار بين الثقافات والفنون والشعوب.
وعلى امتداد أربعة أيام، ستتحول الفضاءات التاريخية لمدينة فاس إلى مسارح مفتوحة للموسيقى والإنشاد واللقاءات الفكرية، بمشاركة أزيد من 160 فنانا من المغرب والهند وآسيا الوسطى والصين وكمبوديا ومنطقة البلقان، للاحتفال معا بالإبداع، في قلب مدينة لا تزال تحفظ في حجارتها وأزقتها صدى قرون من المعرفة والجمال.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة