اقتصاد
قطاع البناء بعد موسم الأمطار .. هل ينجح في استعادة ديناميته؟
30/03/2026 - 10:28
وئام فراج
شهد قطاع البناء والأشغال العمومية مع بداية سنة 2026 تراجعا "ملحوظا" في النشاط، متأثرا أساسا بالتساقطات المطرية الاستثنائية التي عرفتها عدة مناطق من المملكة، خاصة خلال شهري يناير وفبراير، وهو ما انعكس مباشرة على مبيعات الإسمنت ومختلف مواد البناء.
ووفق معطيات مذكرة صادرة عن وزارة الاقتصاد والمالية خلال مارس 2026، فقد انخفضت مبيعات الإسمنت بنسبة 15,8 في المائة عند متم فبراير، مع تسجيل تراجع بنسبة 12,6 في المائة خلال شهر فبراير وحده، ويأتي ذلك بعدما سبق أن سجلت ارتفاعا في الفترة نفسها من السنة الماضية.
ويعزى هذا المنحى التراجعي، إلى جانب التساقطات المطرية، إلى تزامن الفترة مع شهر رمضان الذي يعرف عادة تباطؤا في وتيرة الأشغال.
تراجع حجم مبيعات الإسمنت
كما سجلت معطيات وزارة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة حول تطور مبيعات الإسمنت إلى متم شهر فبراير 2026، تراجعا في مبيعات الإسمنت بالمغرب مع بداية سنة 2026، بحيث بلغ حجم هذه المبيعات ما مجموعه 1,048,338 طنا، مقابل 1,199,868 طنا خلال فبراير 2025.
وأظهرت الأرقام التراكمية انخفاضا، كذلك، حيث بلغت المبيعات 2,092,631 طنا مقابل 2,485,482 طنا سنة قبل ذلك، أي بتراجع نسبته 15,81 في المغرب.
وعلى مستوى توزيع المبيعات حسب القطاعات، همّ التراجع أغلب الأنشطة المرتبطة باستعمال الإسمنت، حيث سجل قطاع البناء أكبر انخفاض بنسبة 22,74 في المائة خلال فبراير، متبوعا بقطاع التوزيع الذي تراجع بـ12,63 في المائة، ثم البنية التحتية بـ7,24 في المائة، والخرسانة الجاهزة بـ5,58 في المائة، فيما انخفضت مبيعات الملاط بنسبة 2,63 في المائة.
في المقابل، شكل قطاع الخرسانة مسبقة الصنع الاستثناء الوحيد، مسجلا ارتفاعا بنسبة 5,44 في المائة خلال الشهر ذاته.
أما على المستوى التراكمي، توضح بيانات الوزارة التي توفرها خمس شركات عاملة في القطاع، استمرار المنحى التراجعي في مختلف القطاعات، إذ انخفضت مبيعات قطاع البناء بنسبة 18,29 في المائة، والتوزيع بـ15,81 في المائة، والبنية التحتية بـ7,19 في المائة، والخرسانة الجاهزة بـ7,14 في المائة، والملاط بـ7,17 في المائة، فيما تراجع قطاع الخرسانة مسبقة الصنع بنسبة 4,56 في المائة.
عوامل هيكلية تضغط على القطاع
في هذا السياق، أكد المنعش العقاري والرئيس السابق للفيدرالية الوطنية للمنعشين العقاريين، يوسف بنمنصور، أن "فترة الشتاء عرفت تراجعا في عدد من الأوراش، خاصة في شمال المغرب وبعض المدن التي شهدت أمطارا مهمة"، مضيفا أن هذا الوضع أدى إلى انخفاض واضح في مبيعات الإسمنت ومواد البناء.
لا يرتبط تراجع القطاع بالعوامل المناخية فقط، بل يعكس أيضا إكراهات هيكلية أعمق، وفق الفاعلين في المجال؛ إذ أشار بنمنصور، في تصريح لـSNRTnews، إلى أن ضعف القدرة الشرائية للمواطنين، وغياب تحفيزات حقيقية لاقتناء السكن، خصوصا في المدن الكبرى، يحدان من دينامية السوق العقارية، رغم استمرار الاعتماد على القروض البنكية كخيار أساسي للتمويل.
كما اعتبر أن نموذج دعم السكن الجديد لم يحقق الأثر المنتظر بالنسبة للمنعشين العقاريين، خلافا للنموذج السابق للسكن الاقتصادي الذي كان يشجع على تشييد ما بين 40 و50 وحدة سكنية في المشروع الواحد. وأوضح أن ضعف هامش الربح في الصيغة الحالية لا يحفز المستثمرين على التوجه بقوة نحو هذا النوع من المشاريع.
وأضاف أن ارتفاع كلفة مواد البناء، إلى جانب إشكاليات التمويل، يساهمان بدورهما في كبح نمو القطاع، مستبعدا تسجيل تحسن ملموس مقارنة بالسنوات الماضية في ظل هذه المعطيات.
مؤشرات تمويلية إيجابية مقابل تراجع النشاط
في المقابل، تكشف المعطيات الرسمية عن تحسن نسبي في تمويل القطاع، حيث سجل رصيد القروض العقارية نموا بنسبة 3,5 في المائة عند نهاية يناير 2026، مقابل 2,8 في المائة قبل سنة، مدفوعا بارتفاع القروض الموجهة للسكن بنسبة 3 في المائة، وكذا القروض المخصصة للإنعاش العقاري بنسبة 5,1 في المائة.
غير أن هذا التحسن في التمويل لم ينعكس بعد بشكل واضح على مستوى النشاط الميداني، في ظل استمرار تراجع عمليات البيع والشراء، وهو ما يعتبره مهنيون مؤشرا أساسيا على حيوية السوق.
رهان على تحسن موسمي ودينامية مرتقبة
من جانبه، يرى الاقتصادي والخبير في قطاع العقارات إدريس الفينا أن التراجع المسجل في بداية السنة يظل ظرفيا، مرتبطا أساسا بالعوامل المناخية والموسمية، مرجحا أن تعرف الأشهر المقبلة انتعاشا تدريجيا مع تحسن الأحوال الجوية ودخول فصل الربيع ثم الصيف.
وأوضح الفينا، في تصريح لـSNRTnews، أن “الفترة الممتدة من يونيو فما فوق تشكل عادة ذروة نشاط البناء، حيث يراهن المنعشون العقاريون على هذه المرحلة لتكثيف الأشغال ورفع وتيرة المبيعات”، متوقعا أن يتجاوز استهلاك الإسمنت هذه السنة 16 مليون طن، في اتجاه استعادة المستويات المرتفعة المسجلة سنة 2012، بعد سنوات من التراجع التي وصلت خلالها المبيعات إلى حدود 12 مليون طن.
ويرى الفينا أن سنة 2026 قد تشهد دينامية جديدة في قطاع البناء والأشغال العمومية، مدعومة أيضا ببرامج دعم السكن، بما في ذلك المرتقبة في الوسط القروي، والتي من شأنها تحفيز بناء مساكن منخفضة التكلفة وتعزيز النشاط خارج المدن الكبرى.
وبخصوص أسعار العقار، يشير الخبير إلى أنها تظل محكومة بمنطق العرض والطلب، مع تسجيل استقرار نسبي في المساكن المدعومة من طرف الدولة. في المقابل، تستمر الأسعار في الارتفاع داخل المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط، نتيجة ندرة الوعاء العقاري، ما يدفع عددا من الأسر إلى التوجه نحو المناطق المجاورة بحثا عن خيارات أكثر كلفة مناسبة.
أما في مدن مثل فاس ومكناس، حيث العرض العقاري أوفر، فتظل الأسعار مستقرة أو تميل إلى الانخفاض، "ما يعكس تفاوتا مجاليا واضحا في دينامية السوق".
مقالات ذات صلة
مجتمع
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد