رياضة
"الأسود" يلقنون البرازيل درسا تكتيكيا.. مدربون يكشفون مفاتيح التفوق المغربي
14/06/2026 - 15:05
رضى زروق
بعد التعادل المثير الذي حققه المنتخب المغربي أمام البرازيل في افتتاح مشواره بكأس العالم 2026، لم يقتصر الحديث على النتيجة في حد ذاتها، بقدر ما انصب على الطريقة التي فرض بها "أسود الأطلس" شخصيتهم داخل الملعب أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجا في تاريخ المونديال.
وأظهرت المواجهة مجموعة من المؤشرات التقنية والتكتيكية التي دفعت العديد من المتابعين إلى اعتبار المنتخب المغربي الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، بل إن بعض المحللين رأوا أن رفاق أشرف حكيمي كانوا الأقرب إلى الانتصار لو أحسنوا استغلال بعض التفاصيل الصغيرة.
شوط أول مغربي بامتياز
أجمع عدد من المدربين المغاربة في تصريحات خاصة لـSNRTnews على أن المنتخب المغربي قدم واحدا من أفضل أشواطه خلال السنوات الأخيرة، خاصة في النصف الأول من المباراة، حيث فرض سيطرة واضحة على مجريات اللعب، سواء من حيث امتلاك الكرة أو خلق الفرص أو الضغط على المنافس.
ويرى المدرب الوطني يوسف المريني أن المنتخب المغربي نجح في فرض "سيطرة ميدانية شاملة" خلال الشوط الأول، بفضل إيقاع لعب مرتفع وكتلة دفاعية متقدمة مكنت اللاعبين من الضغط بشكل متواصل على المدافعين البرازيليين ومنعهم من الخروج السلس بالكرة.
ولم يكن هذا الانطباع محصورا داخل الأوساط المغربية فقط، إذ أشارت وسائل إعلام دولية عديدة، من بينها BBC Sport البريطانية، إلى أن المغرب دخل المباراة بإيقاع صاعق وأربك البرازيل منذ الدقائق الأولى، بل سجل رقما لافتا بعدما بلغ عدد تسديداته 12 محاولة خلال أول ثلاثين دقيقة، وهو أكبر عدد من المحاولات التي تواجهها البرازيل في مباراة بالمونديال منذ نسخة 2018.
من جهته، اعتبر محمد مديحي، اللاعب الدولي السابق والمدرب الحالي، أن المنتخب المغربي كان الأفضل على جميع المستويات خلال بداية اللقاء، سواء من حيث امتلاك الكرة أو صناعة الفرص، مؤكدا أن النتيجة النهائية لم تعكس تماما مجريات الشوط الأول الذي كان بإمكان المغرب أن يخرج منه متقدما بأكثر من هدف.
بوعدي والعيناوي.. مفتاح السيطرة على وسط الميدان
من أبرز الخلاصات التقنية التي أفرزتها المباراة، نجاح المغرب في السيطرة على منطقة الوسط أمام أسماء عالمية من حجم كاسيميرو وبرونو غيماريش ولوكاس باكيتا.
ويعتبر يوسف المريني أن الثنائي أيوب بوعدي ونائل العيناوي كان العامل الحاسم في هذا التفوق، بعدما نجحا في استرجاع الكرة بشراسة إيجابية، وربط الدفاع بالهجوم، والمشاركة المستمرة في بناء اللعب من الخلف.
ولعل أكثر ما أثار الانتباه هو الأداء الاستثنائي لأيوب بوعدي، الذي خاض أول مباراة رسمية له بقميص المنتخب المغربي. فاللاعب البالغ من العمر 18 سنة بدا وكأنه يمتلك سنوات طويلة من الخبرة الدولية، وهو ما دفع وسائل إعلام فرنسية وأوروبية إلى الإشادة الكبيرة بنضجه التكتيكي وقدرته على الخروج بالكرة تحت الضغط.
التحولات السريعة أربكت دفاع البرازيل
من بين أبرز الأسلحة التي اعتمد عليها المنتخب المغربي، التحول السريع من الدفاع إلى الهجوم، وهو الجانب الذي ركز عليه المدرب المريني بشكل خاص.
فالمغرب لم يكتف بالاستحواذ، بل كان أكثر خطورة عندما يسترجع الكرة وينطلق بسرعة نحو مرمى أليسون بيكر، مستغلا البطء النسبي في تمركز المدافعين البرازيليين.
وجاء الهدف الذي سجله إسماعيل الصيباري ليجسد هذه الفكرة بشكل مثالي، بعدما انطلقت الهجمة بسرعة كبيرة قبل أن يتلقى تمريرة متقنة من إبراهيم دياز، وينهيها بلمسة فنية راقية فوق الحارس البرازيلي.
ويرى مهاجم الوداد الرياضي السابق والمدرب الحالي، بوجمعة قصاب، أن الهدف المغربي كان بمثابة درس تكتيكي متكامل، لأنه جاء بعد سلسلة تمريرات سريعة، ومرتدة منظمة انتهت بهدف وصفه بـ"الأنطولوجي"، معتبرا أن هذا النوع من الأهداف يعكس التطور الكبير الذي عرفته المنظومة الهجومية للمنتخب المغربي.
فينيسيوس.. مصدر الخطر الوحيد
إذا كان هناك جانب أجمع عليه المدربون الثلاثة، فهو أن الخطر الحقيقي للبرازيل خلال المباراة انحصر في لاعب واحد هو فينيسيوس جونيور.
فمحمد مديحي اعتبر أن المنتخب المغربي كان مطالبا بفرض رقابة أكبر على نجم ريال مدريد، خاصة بعد التقدم في النتيجة، مشيرا إلى أن الاندفاع الهجومي لأشرف حكيمي خلق في بعض الفترات مساحات استغلها فينيسيوس.
أما يوسف المريني فذهب أبعد من ذلك، معتبرا أن لاعب ريال مدريد كان يستوجب رقابة جماعية وليس فردية، مؤكدا أن لاعبين أو ثلاثة كانوا مطالبين بالتدخل كلما وصلت إليه الكرة، بالنظر إلى قدرته الكبيرة على صناعة الفارق في المواجهات الثنائية.
ولم يكن من قبيل الصدفة أن يأتي هدف التعادل البرازيلي عبر فينيسيوس نفسه، بعد واحدة من الحالات النادرة التي وجد فيها مساحة للتحرك والدخول إلى العمق.
مجريات الشوط الثاني
مع بداية الشوط الثاني، تغيرت معطيات المباراة بشكل تدريجي. وفسر المريني ذلك بتراجع الكتلة الدفاعية المغربية من ضغط عال إلى كتلة متوسطة، وهو قرار فرضته المعطيات البدنية، لأن الحفاظ على نفس النسق طوال تسعين دقيقة أمام منتخب بحجم البرازيل يبقى أمرا شبه مستحيل.
هذا التراجع سمح للمدافعين البرازيليين بالخروج بشكل أفضل بالكرة، كما منح خط الوسط البرازيلي هامشا أكبر للتحرك.
من جهته، أشار محمد مديحي إلى أن دخول فابيانو منح توازنا إضافيا لوسط ميدان البرازيل، وهو ما ساهم في جعل الشوط الثاني أكثر تكافؤا مقارنة بالشوط الأول.
كما لاحظ المريني أن المنتخب المغربي وقع أحيانا في فخ الكرات الطويلة نحو الأمام، بعدما أصبح يلجأ إلى إعادة الكرة نحو بونو ثم البحث عن التمريرات المباشرة، وهو خيار لم يخدم المنتخب بالشكل المطلوب، لأن المدافعين البرازيليين كانوا يتعاملون معه بسهولة.
رد فعل المدرب أعاد التوازن
رغم الصعوبات التي ظهرت خلال جزء من الشوط الثاني، فإن المنتخب المغربي نجح في استعادة توازنه خلال الدقائق الأخيرة.
ويرى المريني أن التغييرات التي قام بها محمد وهبي، إضافة إلى التعليمات التي أعقبت توقف شرب الماء، ساهمت في تصحيح مجموعة من الاختلالات، وهو ما سمح للمغرب باستعادة جزء من سيطرته وصناعة فرص خطيرة كادت تمنحه الفوز.
وتؤكد الإحصائيات أن المغرب لم يكتف بمجاراة البرازيل، بل أنهاه اللقاء وهو الأكثر تسديدا على المرمى والأكثر صناعة للفرص الخطيرة، في مشهد لم يكن كثيرون يتوقعونه قبل انطلاق البطولة.
وهبي ينجح في أول اختبار رسمي
من النقاط التي شدد عليها بوجمعة قصاب أيضا، نجاح الناخب الوطني محمد وهبي في أول مباراة رسمية له على رأس المنتخب الأول.
واعتبر المهاجم السابق للوداد الرياضي أن المدرب الذي قاد المنتخب المغربي للشباب إلى التتويج بكأس العالم، أثبت منذ أول اختبار رسمي أنه قادر على التعامل مع أعلى مستويات المنافسة الدولية، بعدما نجح في إعداد فريق لعب بندية كاملة أمام البرازيل وفرض عليه فترات طويلة من المعاناة.
وأضاف أن وهبي أظهر شخصية واضحة على مستوى الاختيارات التقنية والتكتيكية، سواء من خلال أسلوب الضغط العالي أو من خلال الجرأة الهجومية التي ميزت أداء المنتخب المغربي.
الكرات الثابتة والهوية المغربية
ورغم الإشادة الكبيرة بالمردود العام للمنتخب، يرى يوسف المريني أن المباراة كشفت بعض الجوانب التي ما تزال تحتاج إلى تطوير خلال بقية مشوار المونديال.
وأشار المدرب الوطني إلى أن المنتخب المغربي لم يحسن استغلال الكرات الثابتة بالشكل المطلوب، بعدما تم تنفيذ معظمها بالطريقة نفسها دون تنويع في الحلول أو المفاجأة.
كما سجل وجود بعض الصعوبات في التعامل مع الكرات الثابتة البرازيلية، معتبرا أن هذا الجانب يستوجب عملا إضافيا خلال الحصص التدريبية المقبلة.
وفي السياق نفسه، شدد المريني على أهمية الحفاظ على الهوية التقنية للمنتخب المغربي المبنية على الخروج المنظم بالكرة من الخلف، مبرزا أن اللجوء المتكرر إلى الكرات الطويلة خلال بعض فترات الشوط الثاني لم يكن الخيار الأنسب، بالنظر إلى الخصائص التقنية للاعبين المغاربة.
جيل شاب يبعث رسائل قوية للمستقبل
إلى جانب الجوانب التكتيكية، توقف محمد مديحي عند عامل آخر لا يقل أهمية، ويتمثل في صغر سن عدد كبير من اللاعبين الذين خاضوا المباراة أمام البرازيل.
وأوضح أن المنتخب المغربي قدم هذا الأداء المقنع بقيادة طاقم تقني جديد ولاعبين لا يزال العديد منهم في بداية مشوارهم الدولي، معتبرا أن ما تحقق أمام منتخب بحجم البرازيل يمنح مؤشرات إيجابية بخصوص مستقبل الكرة المغربية خلال السنوات المقبلة.
ويرى مديحي أن هذا الجيل يملك هامشا كبيرا للتطور، وأنه قادر على تمثيل المنتخب المغربي في أكثر من نسخة لكأس العالم، وهو ما يمنح استمرارية للمشروع الرياضي الذي بدأ يؤتي ثماره منذ مونديال قطر.
أكثر من نقطة... رسالة طموح
أما بوجمعة قصاب، فذهب أبعد من قراءة المباراة من زاوية النتيجة فقط، معتبرا أن الأداء الذي قدمه المنتخب المغربي يؤكد أن طموحات "أسود الأطلس" لم تعد تقتصر على تجاوز دور المجموعات.
وأوضح أن المنتخب المغربي أصبح يمتلك اليوم شخصية عالمية بفضل العدد الكبير من لاعبيه الممارسين في أعلى المستويات الأوروبية، مشيرا إلى أن التعادل أمام البرازيل عزز قناعته بقدرة المغرب على إنهاء دور المجموعات في الصدارة إذا حافظ على المستوى نفسه أمام اسكتلندا وهايتي.
كما اعتبر أن المنتخب المغربي بات يجبر منافسيه على التحضير له بنفس القدر الذي كان المغاربة يستعدون به سابقا للمنتخبات الكبرى، وهو تحول يعكس المكانة الجديدة التي أصبح يحتلها المغرب على الساحة الكروية العالمية.
أما محمد مديحي فاعتبر أن التعادل أمام منتخب بحجم البرازيل يبقى نتيجة إيجابية، لكنه شدد في المقابل على ضرورة التعامل مع مباراتي اسكتلندا وهايتي بنفس الجدية والرغبة والروح القتالية، لأن التحدي الحقيقي يكمن الآن في ترجمة هذا الأداء إلى نقاط تؤمن العبور إلى الدور المقبل.
وبين الإشادة الدولية الواسعة، والثناء الذي حظي به اللاعبون من داخل المغرب وخارجه، خرج "أسود الأطلس" من أول اختبار في مونديال 2026 بانتصار معنوي مهم، حتى وإن توقفت النتيجة عند التعادل.
فالمغرب لم يكتف بمقارعة البرازيل، بل فرض عليها أسلوب لعبه، وتحكم في فترات طويلة من المباراة، وقدم واحدة من أكثر العروض إقناعا في الجولة الأولى، ليؤكد أن طموحاته في هذه النسخة تتجاوز مجرد التأهل من دور المجموعات.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة