اقتصاد
الفخار بين كلفة الإنتاج ومنافسة المستورد.. حرفة عريقة تبحث عن نفس جديد
13/06/2026 - 15:00
حليمة عامر
قبل أن تشرق الشمس على مدينة آسفي، عاصمة الفخار بالمغرب، يكون عدد من الصناع التقليديين قد باشروا يوم عمل جديد داخل ورشات تفوح منها رائحة الطين والرطوبة. أياد خبيرة تعجن المادة الخام وتحولها إلى قطع فخارية متنوعة، في محاولة للحفاظ على حرفة تعد من أعرق الصناعات التقليدية بالمملكة، لكنها تواجه اليوم تحديات اقتصادية ومهنية متزايدة.
ورغم المكانة التي يحتلها الفخار المغربي داخل الأسواق الوطنية والخارجية، يؤكد العاملون في القطاع أن المهنة تمر بمرحلة دقيقة تتداخل فيها إكراهات ارتفاع تكاليف الإنتاج مع تراجع الإقبال على بعض المنتجات التقليدية، فضلا عن عزوف فئة من الشباب عن تعلم الحرفة وممارستها.
حرفة تقاوم التحديات
يقول صانع الفخار بمدينة آسفي الصنهاجي بختي إن تكلفة الإنتاج ارتفعت بشكل ملحوظ خلال السنوات الأخيرة، موضحا أن أسعار المواد الأولية والنقل والطاقة لم تعد كما كانت في السابق.
وأضاف، في تصريح لـSNRTnews، أن الحرفي يجد نفسه مضطرا إلى رفع أسعار منتجاته لضمان استمرارية نشاطه، غير أن القدرة الشرائية للمستهلك لا تواكب دائما هذه الزيادات، ما يؤثر على حجم المبيعات.
وتختلف أسعار المنتجات الفخارية بحسب الحجم وجودة الصناعة ومستوى الزخرفة. فالأواني المنزلية البسيطة تباع عادة بأثمنة تتراوح بين 20 و100 درهم، في حين تصل أسعار القطع الفنية المزخرفة والمنتجات الموجهة للتصدير إلى مستويات أعلى قد تصل أحيانا إلى 10 آلاف درهم، نظرا لما تتطلبه من وقت وجهد وحرفية خاصة في الإنجاز.
أما الطاجين، الذي يعد من أكثر المنتجات الفخارية إقبالا، فتتراوح أسعاره بين 30 و150 درهما حسب النوع والتصميم والجودة، وفق ما أكده مهنيون في القطاع، مشيرين إلى أن كلفة الإنتاج تتأثر بعدة عوامل، من بينها أسعار الأصباغ المستوردة والمواد الأولية، وعلى رأسها الطين.
ارتفاع التكاليف يضغط على الحرفيين
من جهته، يشير صاحب محل لبيع وصناعة الفخار بمدينة سلا، عبد المجيد فاتح، إلى أن القطاع تأثر أيضا بتغير عادات الاستهلاك. فبعدما كان الفخار حاضرا بقوة في المطابخ والبيوت المغربية، أصبحت المنتجات المصنوعة من مواد أخرى تنافسه بشكل متزايد، سواء من حيث السعر أو سهولة الاستعمال.
ويؤكد المتحدث أن الحرفيين لم يعودوا يعتمدون فقط على الزبون المحلي، بل أصبحوا يوجهون جزءا مهما من إنتاجهم نحو السياح والأسواق الخارجية.
وأضاف أن عددا من الورشات اتجه إلى تطوير تصاميم جديدة تجمع بين الطابع التقليدي واللمسات العصرية لمواكبة تطلعات الزبناء، كما أبرمت بعض الورشات شراكات مع وكالات الأسفار لتنظيم زيارات موجهة للسياح الراغبين في اكتشاف صناعة الفخار والتعرف على مراحل إنجازها، مع إتاحة حصص تطبيقية تمكنهم من تعلم أساسيات هذه الحرفة مقابل تعويض مادي يُحتسب بحسب مدة التكوين.
بدوره، أوضح عضو جمعية صناع الفخار بسلا، عبد السلام داود، أن منتجات الفخار والخزف ما تزال تحافظ على مكانتها لدى شريحة واسعة من المستهلكين، سواء للاستعمال اليومي أو لأغراض التزيين، غير أن وتيرة الإقبال شهدت تراجعا مقارنة بالسنوات الماضية بسبب تغير أنماط الاستهلاك وارتفاع تكاليف الإنتاج.
وأضاف أن الحرفيين يواجهون كذلك منافسة متزايدة من المنتجات المستوردة التي تعرض في الأسواق بأثمنة منخفضة، ما يجعل من الصعب مجاراتها، رغم ما يتميز به الفخار المغربي من جودة وقيمة حرفية وتراثية. وشدد على ضرورة دعم المهنيين وتعزيز تسويق المنتوج الوطني للحفاظ على استمرارية هذه الحرفة وصون الموروث الثقافي المرتبط بها.
إشكالية نقل الحرفة إلى الأجيال الجديدة
لكن الإشكال الأكبر، بحسب عبد المجيد فاتح، يتمثل في مستقبل المهنة. فالكثير من الورشات العائلية تجد صعوبة في إقناع الأبناء بمواصلة النشاط، في ظل ما يعتبرونه عملا شاقا ومردودية غير مستقرة مقارنة بمهن أخرى.
ويؤكد أن عددا من الحرفيين المتقدمين في السن لم يجدوا خلفا قادرا على نقل الخبرة وضمان استمرارية النشاط، معتبرا أن الحفاظ على المهنة يمر عبر تحسين ظروف العمل وتوفير برامج للتكوين والتسويق والدعم.
ومع ذلك ساهمت منصات التجارة الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعي في فتح أسواق جديدة أمام بعض الصناع التقليديين، بعدما أصبح بإمكانهم عرض منتجاتهم مباشرة على زبناء داخل المغرب وخارجه دون الحاجة إلى وسطاء، كما كان عليه الحال في السابق.
غير أن المهنيين يؤكدون أن هذه المبادرات تظل غير كافية إذا لم تواكبها إجراءات داعمة للقطاع تشمل تسهيل الولوج إلى التمويل، وتحسين فضاءات العمل، وتطوير أساليب التسويق، وتعزيز التكوين المهني الموجه للشباب.
وفي هذا السياق، كان كاتب الدولة المكلف بالصناعة التقليدية والاقتصاد الاجتماعي والتضامني، لحسن السعدي، قد أكد خلال جلسة بمجلس المستشارين، في دجنبر 2025، أن الوزارة تراهن على التكوين المهني لتنمية مختلف قطاعات الصناعة التقليدية، من بينها صناعة الخزف، من خلال شبكة وطنية تضم 67 مؤسسة للتكوين، منها 22 معهدا متخصصا في فنون الصناعة التقليدية و45 مركزا للتأهيل المهني، بطاقة استيعابية تناهز 35 ألف مقعد بيداغوجي، إلى جانب أكثر من 100 ملحقة.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
اقتصاد
مجتمع