فن و ثقافة
محمد الملالي .. ملاك الابتسامة
18/05/2022 - 21:16
يونس الخراشي
يا لها من مصادفة فوق أن توصف. ففي أقل من سنة ستكون بئر مغربية سببا في حزن يغمر العالم، ويكسر قلبه، وستكون بئر مغربية أخرى مصدر ابتسامته الأحلى في التاريخ، ومبعث دهشة عجز أن يجد لها أي تفسير.
مغربيان معا؛ سقط أحدهما في بئر، فبكاه العالم، بعد أيام من لهفة الأمل في رؤيته حيا يرزق، وغنى أحدهما، مبتسما، جنب بئر، فانبهر له العالم، وكلما مضت الأيام إلا وراح من أدهشتهم ابتسامته يتساءلون عن السر وراء حلاوتها وسحرها.
ولأن العالم، ومنذ أن كان، وهو يبحث عن طرق ينسى بها أحزانه، ولاسيما عندما تكون صادمة، مثلما وقع له مع الطفل ريان، وحادثة البئر المؤلمة، فقد كان بحاجة إلى ابتسامة محمد الملالي، حفار الآبار، كي يطرب، ويندهش، ويضحك، وينتشي، ويسلو.
ينتمي محمد باعبو، شأنه في ذلك شأن الطفل ريان أورام، إلى المغرب العميق، البدوي، العادي، والصافي، الذي يعيش ببساطة تشبه الماء والعشب والهواء. ولد بدوار ولاد حمزة ولد زيدوح، بإقليم الفقيه بنصالح. وفيه أمضى طفولته الأولى، حيث بلغ القسم الرابع الابتدائي، دون أن يجاوزه.
يقول وهو يبتسم، آسرا بابتسامته المدهشة كل من يشاهده وهو يتكلم، إنه يشبه كل أبناء الشعب البسطاء الطيبين. لا شيء فيه يتميز به عنهم. ويؤكد بأنه لعب مثلهم، وسقط كما يسقطون، ونهض مثلما ينهضون، ثم راح، وهو في سن صغيرة، يبحث عن لقمة العيش وسط كومات التراب.
بدأ محمد الملالي، وهو الاسم الذي اشتهر به عبر تطبيق تيك توك لـ"الستوريات" (الفيديوهات القصيرة)، في أصقاع العالم، يتعلم حرفة حفر الآبار سنة 2001. ثم راح يجول المغرب طولا وعرضا، بحثا عن الماء والمال؛ عن السعادة التي لم يتخيل يوما أنها لن تنبع من تربة الأرض، بل من تربته التي عجنت إنسانا بقلب لا يملك الحزن أن يتسلل إليه أبدا.
يقول محمد الملالي، وهو يبتسم حتى يكاد المرء يظن أنه ابتسامة فقط، إنه يعيش بعيدا عن مدينته الأم؛ حيث يوجد والداه. يكتري بيتا في مدينة تطوان، شمال المغرب. وقد يذهب ليزور أسرته في عيد الأضحى كلما استطاع إلى ذلك سبيلا، أو يمضي العيد مع "ناس تطوان"، الذين يحبونه، لبساطته، وعفويته، وقلبه الجميل مثل وردة.
محمد الملالي، الذي يبتسم وهو يبحث عن الماء لكي يسعد الآخرين، ويغني، ويسجل فيديوهات قصيرة، يبدو فيها مترنحا، ومرحا، يحلم بشيء واحد لا غير، أن يصبح أبا. ويقول، كلما سئل عن الأسرة، إنه يحب زوجته، ويريد من كل الناس أن يسألوا الله له الولد. لا شيء غير الولد.
ولكن لأنه بئر عميقة، باحتياطي لا يوصف من الطاقة الإيجابية، فهو لا يقف عند ألم خسران أكثر من جنين، بل يمضي إلى الحياة. فيغني، ويمرح، ويصور فيديوهات جديدة، يظهر فيها بأرواح مختلفة تماما، فياضة مثل الماء الذي يستخرجه كل يوم، ويشرح به صدور الناس للخير والوفرة والسعادة.
كتب أحدهم، في مرة يفسر سبب ابتسامة الموناليزا بالقول إن "الأمر ببساطة هو أن كل اللوحات الأخرى ليست كذلك؛ فقبل وأثناء وبعد عصر النهضة بفترة طويلة لم يرسم الفنانون موضوعاتهم بابتسامة، لكن ليوناردو (دافينتشي) اتخذ قرارا محددا، كما كتب جورجو فازاري، الرسام الإيطالي والمعماري المعروف بكتابته الشهيرة لسيرة الفنانين الإيطاليين، بجعل هذه اللوحة تظل مرحة لإبعاد تلك الكآبة التي غالبا ما ينزع الرسامون لإظهارها في اللوحات التي يرسمونها، وكان تأثير هذه البادرة البسيطة عظيم الأثر، لأنها جلبت الفن إلى الحياة".
محمد الملالي، الذي صار اليوم حديث العالم كله، فعل الشيء نفسه تقريبا. فقد جعل الناس، في كل مكان، يكتشفون بأن السعادة، التي يبحثون عنها بقلق، وغضب، ونرفزة، توجد في ثناياهم. لقد أقنعهم، بوجهه الأسمر المشبع بالكد، ويديه الغليظتين المغلفتين بالصبر، وسماحته، وبساطته، أن السعادة ليست بعيدة مثلما يظنون، بل هي أقرب مما يتصورون. هي ليست المال، ولا الجاه، ولا الكمال، بقدر ما هي الرضى بالمقسوم، وعيش الحياة بالمتاح، دون تبرم، أو أي أسى.
هل تعرفون أي شيء يسعد محمد الملالي أكثر من غيره؟ هو نفسه يقول لكم:"أنا فرحان من القلب لأنني فرحت الناس في العالم. فرحت الناس وضحكتهم في العالم. هذا هو الربح عندي". أي نعم، فحفار الآبار بـ"الصوندا" (آلة للحفر)، وبكل التعب الذي يعيش على وقعه، وما يحيط به من خطر، والقليل الذي يجنيه، يؤكد للناس، في كل مكان، صحة القاعدة القائلة إن السعادة هي الشيء الوحيد في العالم الذي يتضاعف كلما اقتسمناه مع الآخرين، في تعارض كلي مع قواعد المنطق الرياضي.
الذين حالفهم الحظ كي يشاهدوا لوحة الموناليزا على جدران متحف اللوفر، بالعاصمة الفرنسية باريس، صعقتهم دهشة أكبر من تلك التي كانت تتملكهم من قبل، وهم يرون لوحة صغيرة، بابتسامة غريبة، وراء زجاج مضاد للرصاص، تساوي الملايير. فتساؤلوا: لم هي غالية جدا؟ ولم هي مثيرة جدا؟ ولم هي مدهشة للغاية؟
وكذلك حدث مع الذين شاهدوا محمد الملالي، عبر تيك توك، ويوتيوب، وفيسبوك، وإنستغرام، وغيرها، وهم يرونه يطرب، ثم وهو يتحدث عن نفسه بكلمات توازي ابتسامته في بساطتها وسحرها وجمالها. تساءلوا : لم هو سعيد للغاية؟ ما مصدر سعادته؟ ما السر في هذه الابتسامة الساحرة؟ من أين يأتي هذا الشاب بكل هذه الطاقة الإيجابية؟ ولم صار مشهورا في دقائق، وبكل هذا الحجم؟
محمد الملالي ليس إنسانا عاديا بالقطع. إنه فلسفة حياة. هو درس في شيء يخسر الناس كل عمرهم كي يتعلموه، دون أن يفلحوا في ذلك دائما. إنه أشبه ما يكون بطيف نزل من السماء ليخبر الناس عن سر السعادة، غير أنهم ما زالوا يعيشون على وقع الحيرة في أمره وأمرها.
بكلمات أخرى، محمد الملالي هو السعادة شخصيا. ومن لم يتعلم منه معنى الفرح، فلا يضيع المزيد من الوقت كي يفعل. فالحياة لا تنتظر أولئك الذين يضيعون فرصة اللقاء بملائكة الابتسامة.
يقول المغاربة:"خالق لراسو السعادة".
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
تكنولوجيا
تكنولوجيا
تكنولوجيا