رياضة
ماذا ينقصك كي تصير بطلا؟
06/06/2022 - 11:18
يونس الخراشي
التحفيز يصنع المعجزات. ولئن كان صحيحا أن كثيرين قد يصلون، من دون تحفيز، إلى رتب متقدمة في ميدان المنافسة، وكل مجالات الحياة، إلا أنهم بالتحفيز يصبحون لامعين، ويخلفون أثرا في قلوب الآخرين، ويصبحون نماذج لكل من يملك موهبة، ويرغب في تنميتها، والوصول إلى أعلى درجات التميز.
في صيف سنة 1984، كانت البطلة نوال المتوكل تستعد للدخول إلى نهائي سباق 400 متر حواجز على وقع تحفيز مثير للدهشة. تابعوها تتحدث عن تلك الليلة العجيبة التي سبقت اليوم المشهود: "اتصل بي المدربان ليلة السباق النهائي. أخبراني أنهما يوجدان في لوس أنجليس، غير أنهما لا يملكان الاعتماد الذي يخول لهما الولوج إلى القرية الأولمبية. وشخصيا لم أكن أفهم المتعين فعله ليحصلا عليه، لولا أن أحدا ما، لم أعد أذكره، سمعني أتحدث في الموضوع، فأحضر لهما رخصة للعبور، ليلتحقا بي"، وتواصل: "أول شيء سمعته منهما حين التحقا بي، قولهما: "نوال غدا يومك" (Tomorrow is your day)"، ثم تزيد قائلة: "ظلا يلحان علي بأن الغد سيكون يومي، ويقولان: "نوال، ستربحين". كان أحدهما اسمه بات مونيهن، يهودي الديانة، والثاني ران رينكو، وهو مسيحي. وكلما قلت لهما إنكما تهذيان، وما عليكما سوى النظر إلى العداءات الأخريات، سيما الأمريكية والهندية والرومانية، اللواتي تتميزن بطولهن، لتعرفا أنهن الأقرب إلى الفوز، إلا زاد إلحاحهما أكثر".
سألتُ البطلة نوال المتوكل: "داخليا، ومع نفسك، هل كان لديك شك بالفعل، أم كان الأمر يتعلق بخجل المتواضعين، سيما أنك تألقت على الصعيد المحلي والجهوي وحتى الوطني بالولايات المتحدة الأمريكية؟". وأجابتني قائلة: "أي نعم تألقت، غير أن ذلك الشك لا يفارق الرياضي. ولعله هو ما يعطي للرياضة حلاوتها. ففي بعض الأحيان تقول لنفسك إنك الأفضل على الإطلاق، ولن يربح أحد سواك، وفي أحيان أخرى يحدث العكس، وهو ما يؤدي إلى صراع داخلي، ويشكل الفارق بين الفائزين والخاسرين".
ثم قالت حين سألتها عما إذا كان ذلك الصراع هو الذي أصابها بالأرق : "كنت حين أغفو أراني أهوي في بئر أو غار، أو أراني وقد أسقطت عشرة حواجز، أو أتخيل بأن كل آمالي ومتمنياتي تبخرت في لحظة، ثم أستيقظ متصببة بالعرق، وكأنني خرجت للتو من البحر. فأجدني أشهق بقوة، وأكرر: "أستغفر الله العظيم، أستغفر الله العظيم، أستغفر الله العظيم. هذا مجرد كابوس، وغدا سيكون يوم جديد". ولحسن حظي أن مدربي؛ بات وران، غرسا في روح التحدي، وجعلاني أمحو تلك الشكوك التي راحت تراودني".
وحين سألتها : "ماذا حدث بعد ذلك حتى انمحت كل الشكوك من عقل وقلب البطلة؟"، قالت نوال المتوكل: "ذهبنا جميعا إلى قاعة خاصة بالتأمل في القرية الأولمبية. لم يكن لي بها أي علم. وهي قاعة بيضاء، أرضيتها بيضاء، والكراسي الموضوعة بها أيضا بيضاء. وهناك عرض علي مدربي سباقاتي وسباقات منافساتي من خلال أشرطة أعداها مسبقا. كانا قد جاءا بحوالي 16 شريطا يخصني ويخص منافساتي. وشاهدناها لحظة بلحظة، مع التحليل اللازم لنقط القوة والضعف في كل منها".
ثم ماذا؟
تقول البطلة نوال المتوكل: "في النهاية، قالا لي: "والآن، نريد منك أن تستخرجي لنا نقطة ضعف واحدة تخصك". وبعد لحظات صمت، قالا: "إذن، فأنت من ستربحين. هل هذا الأمر مفهوم؟ فلترسخيه في ذهنك". ثم جاءا بكرسي، وطلبا مني اعتلاءه، على اعتبار أنه منصة التتويج لسباق الغد. وطلبا مني أن أصدح، وأنا فوقه، بالنشيد الوطني المغربي. كنت أنظر إليهما بذهول، وأقول لهما: "هل أنتما مجنونان وتريدان أن تجنناني أيضا؟". فأجدهما يتحدثان بجدية كاملة، وبإصرار متعاظم. وطلبا مني أن أتخيل الحشود الجماهيرية في الملعب، وملايير المشاهدين عبر العالم، ثم أُعْلي الهامة، وأغني النشيد الوطني بكل فخر. وما أن بدأت في أداء النشيد حتى أوقفاني، وقالا إنهما يريداني أن أزعزع جدران القاعة بصوتي. وهو ما استجبت له أخيرا، ودموعي تنهمر. بكيت لأنني تذكرت والدي يرحمه الله، ولأنني قلت لنفسي لعلهما يسخران مني، فضلا عن أن تربيتي تخالف ما طلباه مني في تلك الأثناء. فنحن لم نرب على أن نقول لأنفسنا إننا الأفضل، ونحن من سيربح، وليس غيرنا. في وقت كانا يلحان علي بأن أصرخ قائلة: "أنا الأولى، أنا الأفضل، أنا الفائزة".
في اليوم الموالي. وبينما كان الحشد غير المسبوق في الملعب الأولمبي ينتظر السباق النهائي لمسافة 400 متر حواجز سيدات، كانت البطلة نوال المتوكل تعيش في عالمها الخاص، مشغولة بالرواق الذي توجد به، وبالطريقة التي يتعين عليها أن تدير بها المنافسة، وأي نهاية ستؤول إليها في آخر المطاف.
ماذا حدث بعد ذلك؟
لا شيء، سوى أن نوال المتوكل، التي كانت قد فازت بكل السباقات في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث كانت تواصل دراستها الجامعية، أنجزت واحدا من أفضل سباقاتها على الإطلاق، ودخلت الأولى بفضل إيقاع ممتاز، ومنضبط، متخطية كل الحواجز بأناقة عالية. ثم حين تجاوزت خط النهاية، وهي تشعر بدوار، جراء الضغط، والقلق، وأشعة الشمس اللافحة، والشعور بالإنهاك، كانت البطلات الأخريات تعانقنها، وتهنئنها بالإنجاز الكبير.
في لحظة تالية، جيء لها بهاتف يجر أحدهم خيطه الطويل، إذ قيل لها إن ملك المغرب يريد أن يتحدث معك. فسمعته يهنئها بما حققته، ويحفزها مجددا، تماما مثلما فعل معها وهو يستقبل البعثة الأولمبية إلى الديار الأمريكية. فقد كان تنبأ لها بالإنجاز الكبير. وهي كانت عند أفق الانتظار، لتصير صاحبة أول ميدالية ذهبية أولمبية في التاريخ الرياضي المغربي.
اليوم، هناك قطعة في كراس القراءة العربية الخاصة بالسنة الخامسة ابتدائي تتحدث للتلاميذ عن سيدة مغربية من ذهب، اسمها نوال المتوكل. هي بنت الشعب، من مدينة الدار البيضاء. قررت أن تتحدى نفسها، وأقرانها، رياضيا، وعِلْميا. فصارت أشهر من نار على علم، وهي تحرز ذهبية أولمبية، وتصبح وزيرة في حكومة المغرب، وعضوا بارزا في اللجنة الأولمبية الدولية.
كل ذلك لأن شعلة الموهبة والرغبة والطموح لدى السيدة نوال وجدت من يزيد وهجها بالتحفيز، فالتحفيز، ثم التحفيز. فليس هناك قنديل يمكنه أن ينير الأمكنة دون زجاج يحف شعلته، ويصرف دخان الاشتعال برفق، ويمنع الهبات الطارئة من التلاعب بالنار؛ أي بالنور.
هل تعرفون ما يحدث للقنديل حين تُنزع زجاجته أو تنكسر؟ شيئان لا غير، إما أن يخفت ضوءه، أو يصبح مصدرا للظلام. بكلمات أخرى، ينتهي معنى القنديل، في انتظار أن تعيده له الزجاجة.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة
رياضة