مجتمع
البلوغ المبكر لدى الأطفال.. متى يتحول النمو السريع إلى جرس إنذار؟
14/06/2026 - 18:06
وئام فراج | زكرياء أيت عالةطفلة في السابعة تبدو بجسد مراهقة، أو طفل يكبر بسرعة لافتة مقارنة بأقرانه داخل الفصل الدراسي؛ مشاهد قد تثير فضول المحيطين، لكنها تدق ناقوس الخطر لدى أطباء الغدد الصماء. فالبلوغ المبكر، لم يعد حالة نادرة، بل حالة طبية تستوجب مزيدا من اليقظة من طرف الأسر والمدرسة على حد سواء، وفق المختصين.
في هذا الحوار، تشرح أخصائية طب الأطفال المختصة في الغدد الصماء والسكري، بشرى عباقة، أسباب البلوغ المبكر وعلاماته الأولى، وتوضح كيف يتم تشخيصه وعلاجه، محذرة من التداعيات الجسدية والنفسية التي قد يخلفها التأخر في طلب الاستشارة الطبية.
أكدت الدكتورة بشرى عباقة أن البلوغ المبكر أصبح متزايدا في صفوف الأطفال خلال السنوات الأخيرة، داعية الآباء والأمهات إلى مراقبة نمو أطفالهم والانتباه لأي علامات غير طبيعية تستدعي استشارة طبية عاجلة، لما قد يترتب عن إهمالها من عواقب جسدية ونفسية قد تمتد إلى مرحلة البلوغ.
وأوضحت عباقة، في حوار مع SNRTnews، أن البلوغ المبكر يُشخص عندما تظهر علامات البلوغ لدى الفتيات قبل سن الثامنة، ولدى الذكور قبل سن التاسعة، في حين يُعد البلوغ طبيعيا لدى الفتيات ما بين سن الثامنة والثالثة عشرة، ولدى الذكور ما بين التاسعة والرابعة عشرة.
وأضافت أن أبرز العلامات التي تستوجب الانتباه عند الفتيات تتمثل في نمو الثديين قبل سن الثامنة، إلى جانب ظهور شعر الإبط والعانة، معتبرة أن هذه التغيرات "غير عادية" إذا حدثت قبل السن المحددة.
أما لدى الذكور، فأشارت إلى أن أول علامة للبلوغ غالبا ما تكون زيادة حجم الخصيتين، وهي مرحلة لا تنتبه إليها الأسر في كثير من الأحيان لأنها لا تقوم بفحص الطفل، قبل أن تبدأ علامات أخرى في الظهور، مثل شعر العانة والإبطين وتغير نبرة الصوت. وشددت على أن ملاحظة هذه المؤشرات تستوجب استشارة الطبيب بشكل فوري.
سبب مركزي ومحيطي
بخصوص أسباب البلوغ المبكر لدى الأطفال، أوضحت الأخصائية أنه ينقسم إلى نوعين رئيسيين: بلوغ مركزي وآخر محيطي.
فالبلوغ المركزي، وهو الأكثر شيوعا خاصة لدى الفتيات، يحدث نتيجة تنشيط مبكر للغدة النخامية الموجودة على مستوى الدماغ والمسؤولة عن تحفيز إفراز الهرمونات الجنسية. وعندما تنشط هذه الغدة قبل أوانها، يبدأ المبيضان في إفراز الهرمونات الجنسية، فتظهر علامات البلوغ من نمو الثدي والشعر وتسارع النمو الجسدي والعظمي.
وأضافت أن التسارع الملحوظ في نمو الطفل، خصوصا لدى الذكور، يعد مؤشرا مهما يجب أن يثير انتباه الآباء، لأن زيادة الطول السريعة قد تكون من العلامات الأساسية التي تستوجب تقييما طبيا وفحصا سريريا دقيقا.
أما البلوغ المحيطي، وهو الأقل شيوعا، فقد يكون ناجما عن وجود ورم على مستوى الجهاز العصبي في محيط الغدة النخامية، أو بسبب إفراز غير طبيعي للهرمونات الجنسية من طرف الغدة الكظرية، كما قد يرتبط بعوامل خارجية وبيئية.
السمنة والمواد الكيميائية
حذرت الدكتورة عباقة من الدور الذي تلعبه السمنة في زيادة خطر الإصابة بالبلوغ المبكر، معتبرة أنها من أبرز العوامل المؤثرة في الوقت الراهن.
وقالت إن الخلايا الدهنية لدى الأطفال الذين يعانون من السمنة تفرز كميات مهمة من هرمون الإستروجين، ما قد يؤدي إلى ظهور علامات البلوغ في سن مبكرة.
كما نبهت إلى تأثير بعض المواد الكيميائية القادرة على التشويش على عمل الهرمونات الجنسية، ومن بينها مركبات توجد في بعض أنواع البلاستيك غير الصحي، إضافة إلى مواد تجميل تستعملها بعض الفتيات رغم أنها لا تتناسب مع أعمارهن.
وأشارت إلى أن هناك حالات أخرى لا يُعرف سببها بشكل واضح، ما يستدعي إخضاعها لتشخيص دقيق لتحديد ما إذا كانت تتطلب علاجا أم لا.
تشخيص دقيق
أكدت أخصائية طب الأطفال أن تشخيص البلوغ المبكر لا يعتمد على علامة واحدة فقط، بل يرتكز على فحص سريري دقيق يتابع وزن الطفل ومنحنى نموه وتطور علامات البلوغ، إلى جانب إجراء مجموعة من التحاليل الهرمونية.
وشددت على أنه ليس جميع حالات البلوغ المبكر تستدعي العلاج، إذ يتوقف القرار العلاجي على عدة عوامل، من بينها سرعة تطور البلوغ، وسرعة النضج العظمي، ومستويات الهرمونات في الدم.
ولفتت عباقة، في المقابل، إلى أن بعض الآباء يترددون في قبول العلاج خوفا من استعمال الهرمونات، رغم أن عدم التدخل في الحالات الضرورية قد يؤدي إلى مضاعفات قصيرة وطويلة المدى.
وأوضحت أن أولى هذه المضاعفات تتعلق بالطول النهائي للطفل، إذ يؤدي إلى انغلاق الغضاريف المسؤولة عن نمو العظام بشكل مبكر، ما ينعكس في النهاية على قصر القامة.
وأضافت أن هذا الوضع قد يعرض الطفل للتنمر من طرف أقرانه ويترك آثارا نفسية سلبية عليه.
كما نبهت إلى التأثير النفسي الخاص الذي قد تعيشه الفتيات إثر الفجوة بين نمو الجسم والنمو العقلي والعاطفي، وقد يقود، في بعض الحالات، إلى مشاعر الخوف أو الاكتئاب.
وأضافت أن بعض الدراسات العلمية ربطت بين التعرض المبكر لهرمون الإستروجين وارتفاع خطر الإصابة بسرطان الثدي لدى الفتيات مستقبلا.
دعوة إلى اليقظة
في ختام حديثها، دعت الدكتورة بشرى عباقة الآباء والأمهات، وكافة المشرفين على الأطفال، إلى مراقبة نمو الأطفال خاصة ما بين سن الخامسة والثامنة، والتعرف على علامات البلوغ المبكر وعدم الاستهانة بها.
كما شددت على ضرورة الوقاية من السمنة باعتبارها عاملا يؤثر سلبا على صحة الطفل بشكل عام، مؤكدة أن الشك في أي تغير غير طبيعي يستوجب استشارة الطبيب دون تأخير من أجل ضمان نمو الطفل بشكل سليم.
مقالات ذات صلة
تكنولوجيا
مجتمع
مجتمع
سياسة