فن و ثقافة
نهضة في إنتاج المسلسلات و الأفلام بغرب إفريقيا
08/02/2023 - 17:19
أ.ف.ب
في مدرسة تقع في آخر طريق محاطة بأشجار الباوباب بوسط السنغال، تعلو صرخة "سكوت ... أكشن!"، فتبدأ الكاميرا المثبتة بالتصوير قبل أن ينتهي حبس الأنفاس بـ"كلاكيت" وصرخة أخرى تعلن انتهاء المشهد.
ولا تلبث المخرجة ليلى سي أن تعبّر عن رضاها عن المشهد واصفة إياه بأنه "ممتاز"، وتنتقل بعده إلى التالي ضمن تصوير الجزء الثاني من مسلسل "بانليوزار" (Banlieusard 2)، من بطولة مغني الراب الفرنسي كيري جيمس، ومن المقرر أن توفره "نتفليكس" بعد أشهر.
وتبدو علامات التعب في هذا اليوم الأخير من التصوير على الجميع، من مساعدين وفنيين وممثلين كانوا ينتظرون موعد الغداء بفارع الصبر لكي ينالوا قسطاً من الراحة.
وتعزز منصة البث التدفقي الأميركية العملاقة، كغيرها من الجهات المنتجة، حضورها في دول غرب إفريقيا الناطقة بالفرنسية التي تشهد نهضة كبيرة قي الإنتاج السينمائي والتلفزيوني بعد طول انتظار، وتتركز هذه الأعمال، من أفلام ومسلسلات، في السنغال وساحل العاج.
ويقول المنتج المشارك للجزء السنغالي من المسلسل عثمان فال "الفرق موجودة هنا، والمهارات متوافرة، وبالتالي تعيد السنغال التموضع في هذه المنظومة، وتوفر للمنتجين الدوليين إمكان تنفيذ المشاريع".
وفي غرفة ضيقة ضمن عيادة في دكار، تنشغل مجموعة أخرى أصغر حجماً في إنهاء الحلقة التالية من مسلسل "كارما" الذي يُعرض محلياً على محطة "تي إف إم".
نهضة كميّة
تعلم أعضاء الفريق جميعاً المهنة ميدانياً، خلال مشاركتهم في التصوير، ومنهم سليمان كامارا (29 سنة) الراغب بالعمل في أكثر من اختصاص، إذ هو ممثل في المسلسل، لكنه يحلم بأن يصبح مخرجاً. ويقول "أتعلم بالممارسة".
ويعمل كامارا لدى "مارودي"، أبرز شركات إنتاج المسلسلات في السنغال وغرب إفريقيا. وهذه الشركة التي انطلقت عام 2015، تخصصت بدايةً في المجال الرقمي قبل أن تنتقل إلى منصة يوتيوب، حيث بات عدد مشتركيها يتجاوز 4,8 ملايين، ويفوق عدد المشاهَدات عليها 20 مليوناً كل شهر.
ويقوم نموذج أعمال "مارودي" على محتواها المحلي وإعلاناتها التي تولد ملايين المشاهدات. وتبلغ نسبة النساء من مشاهديها 56 في المئة، وتراوح أعمار 70 في المئة منهم بين 18 و34 عاماً. وتتيح لها شراكتها مع قنوات تلفزيونية سنغالية وموزعين عالميين على غرار "كانال +" و"أمازون برايم" إقبالاً كبيراً على أعمالها.
وتوضح مديرة المبيعات والتسويق في "مارودي" جوليا كابريتا دياتا لوكالة فرانس برس أن الشركة "تطمح إلى أن تكون منتجة محتوى لكل إفريقيا ودول انتشار" الأفارقة، علماً ان 60 من مستهلكيها موجودون اليوم في السنغال، و20 في المئة في أماكن أخرى في إفريقيا، و8 في المئة في فرنسا.
ويلاحظ مدير البرامج السمعية والبصرية في المنظمة الدولية للفرنكوفونية بيار بارو أن "إفريقيا الناطقة بالفرنسية تشهد نهضة كميّة في الإنتاج، مدفوعة بالسنغال وساحل العاج، وبزيادة كبيرة في الموازنات".
والدلالة على ذلك أن عدد حلقات المسلسلات التي تبلغ مدة الواحدة منها 52 دقيقة ارتفع من نحو 12 في 25 عاماً (1992-2017) إلى نحو مئة في خمس سنوات (2018-2022)، ويعود العامل الرئيسي وراء ذلك إلى محطتي "كانال +" و"تي في 5" اللتين توفران بثها على المستوى الإقليمي.
موجة جديدة
وأطلقت "كانال +" أول مسلسل يومي لها في إفريقيا الناطقة بالفرنسية في سبتمبر بعنوان "المستقبل لنا" (Le Futur est à nous) الذي يتناول حياة مجموعة من العائلات في أحد أحياء أبيدجان.
إلا أن إفريقيا الناطقة بالفرنسية تُنتج في المقابل عدداً قليلاً جداً من الأفلام التلفزيونية وقليلاً نسبياً من تلك السينمائية، على عكس نيجيريا التي تُعدّ الأقوى سينمائياً في القارة. لكنّ مدير البرامج السمعية والبصرية في المنظمة الدولية للفرنكوفونية بيار بارو توقّع أن يزيد إنتاج الأفلام الشعبية بفضل إقامة شبكات جديدة لدور السينما، كما هي الحال في دكار وأبيدجان.
وتشير إحصاءات المنظمة الدولية للفرنكوفونية إلى أن فيلم "ليه تروا لاسكار" (Les Trois lascars) للمخرج بوبكر ديالو من بوركينا فاسو والذي وزعته "كانال +" بات في مطلع عام 2022 الفيلم الأكثر استقطاباً للمشاهدين في إفريقيا الناطقة بالفرنسية منذ بداية القرن الحادي والعشرين، إذ بلغ عدد تذاكره المباعة 56652 في 12 دولة.
إلا أن هذا الرقم يبقى ضئيلاً مقارنةً بنجاحات التسعينات عندما وصل فيلم "بود يام" للمخرج غاستون كابوريه إلى 500 ألف مشاهد عام 1997. وما لبثت السينما التي كانت تحظى بشعبية كبيرة، تراجعاً كبيراً في العقد الأول من القرن الجاري، ترافق مع إقفال كل دور السينما تقريباً في إفريقيا الناطقة بالفرنسية.
وثمة جيل جديد في طور البروز اليوم. وفتحت مدرسة كورتراجميه أبوابها في دكار عام 2022 لتدريب كتاب السيناريو والمخرجين ومواكبة طلب القطاع.
ويؤمن طلاب الصف الأول بأن لهذا القطاع مستقبلاً زاهراً. وترى الطالبة كنزا ماديرا (23 عاماً) "لم يكن لدينا يوماً هذا العدد من المسلسلات، والأمر سيتطور أكثر بعد مدة. أنا شخصياً متفائلة جداً لأتن فرصاً كثيرة ستتوافر".
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة