مجتمع
على لسان ضحايا وأقربائهم .. هذه قصص المغاربة المحتجزين في جحيم ميانمار
16/05/2024 - 22:24
يونس أباعلي
أجر يصل إلى 40 ألف درهم شهريا، ومأكل وسكن بالمجان وظروف مواتية للترفيه، عرضٌ لم يكن ليرفضه العشرات من الشبان والشابات، رغم أنه يوجد في جنوب القارة الآسيوية. لذلك حملتهم أحلامهم إلى ميانمار التي لا يعرفون عنها شيئا سوى أنها ستمنح لهم فرصة الاغتناء السريع، غير أن الجحيم هو الذي كان في انتظارهم.
"استغنيت عن دراسة الماستر لكي أذهب إلى ميانمار التي لا أعرف عنها شيئا، فقد أقنعني جاري أني سأجد هناك ما سيجعلني غنية في وقت سريع، عن طريق التجارة الإلكترونية، إلا أني سأعيش جحيما بالكاد نجوت منه بعدما استطعت الهرب من بين أيادي عصابات مسلحة، تاركة ورائي العشرات من المغاربة يعيشون الرعب".
هكذا لخّصت الشابة مريم قصتها بميانمار في المناطق الحدودية مع تايلاند، هناك حيث يوجد الآن عشرات من المغاربة محتجزين ويشتغلون مرغمين تحت تهديد شبكات إجرامية متخصصة في الاتجار بالبشر تقوّت في خضم الصراع بين الجيش ومتمردين.
ويوجد نحو 200 عائلة معنية بالأمر، منها التي اختارت الخروج للمطالبة بالتدخل لإنقاذ أبنائها، ومنها التي رفضت الظهور مخافة تعرض أبنائها للانتقام هناك في ميانمار حسب اعتقادها.
وبحسب ما تؤكده هذه العائلات، من خلال تواصلها مع البعض منهم، فإن حوالي 140 مغربيا تمكنوا من الانتقال إلى كامبوديا تاركين وراءهم آخرين في قبضة هاته الشبكات المسلحة.
قصة الجحيم
مريم لم تتردد في حكي قصتها ووصف الرعب الذي عاشته، خلال ندوة نظمها بعض أهالي الضحايا الذين مازالوا محتجزين، اليوم الخميس 16 ماي 2024 بالرباط.
تقول إنها انتقلت إلى ميانمار بعدما أقنعها جارها في تركيا حيث كانت تُكمل دراستها في سلك الماستر. فقد اقتنعت بعرض العمل المغري ولم تعد بحاجة بعده إلى الدراسة كما أكدت.
لم تتأخر في السفر عبر الطائرة نحو ماليزيا وبعدها إلى تايلاند قبل أن يُقلها الوسطاء عبر البر نحو ميانمار.
وبعد أيام من وصولها التحق بها حوالي 14 مغربيا، أتوا من تركيا ومدن مغربية (أزيلال، الرباط، الجديدة، مراكش) عبر رحلات جوية غير مباشرة تتكلف هذه الشبكات بتذاكرها، كنوع من الإغراءات التي تعرضوا لها.
لم يكونوا لوحدهم هناك، بل وجدوا ضحايا آخرين وقعوا في المصيدة، على غرار الشاب يوسف، الذي كان أول من فضح ما يجري عبر مقطع فيديو، فقد انتقل إلى ميانمار عن طريق رحلة جوية غير مباشرة من تركيا إلى النمسا ثم إلى تايلاند فميانمار، وقد تم إقناعه عن طريق مواطن مغربي التقى به في تركيا عندما كان في رحلة سياحية، كما حكى شقيقه لـSNRTnews.
عمل خاص وتهديد مستمر بالقتل
بدا واضحا أن إقناع هؤلاء لم يكن صعبا بالنسبة للوسطاء، إذ فيهم من أقنعوهم بمجرد مكالمة هاتفية، فيما تطلب الأمر منهم الالتقاء مباشرة بآخرين لكسب ثقة زائفة.
عندما وصلوا إلى ميانمار، تحديدا في حدودها مع تايلاند، وجدوا أنفسهم في تجمعات تابعة لشركات تنشط في التجارة الإلكترونية الدولية، لكن عن طريق النصب والاحتيال. وبحسب ما وصل العائلات من معلومات فإن هناك 36 شركة أجنبية، تُقسم عملها عبر مجموعات.
في هذه المنطقة تنشط بقوة شركات صينية وتايلاندية، وطالما شجّع مؤثرون ونشطاء في مجال التجارة الإلكترونية على التوجه إليها لكسب المال، حيث يوجد بها مجمعات سكنية تضم مكاتب ومطاعم وحانات ومحال تجارية وكازينوهات ومحال تدليك.
هذه المجمعات يشتغل فيها الآلاف من الأجانب، يتوجب عليهم الاشتغال عشر ساعات دون توقف أمام حواسيبهم، كما تؤكد الشابة مريم التي نالت نصيبها من معاناة هذه الظروف، إذ أكدت أنه رغم الأجر السمين الذي كانت تتقاضاه (4000 دولار) والسكن والأكل مجانا، إلا أن الجميع ينخرط في عملية احتيال إلكتروني تحت التهديد، باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي (خاصة التلاعب في الأصوات والصور) وروبوتات وحسابات وهمية لكي يتمكنوا من إقناع الطرف الآخر بتحويل الأموال.
ورغم هذه الأجور الشهرية المرتفعة، إلا أن هذه الشبكات تحتال عليها بدورها، عن طريق الاقتطاعات بدعوى التأخر في بدء العمل، أو عدم جني أرباح أو الفشل في إقناع "زبناء".
وهذا ما حصل مرارا مع مريم، إذ كشفت في حديثها لـSNRTnews عن وجود "غرفة سوداء" مخصصة لغرض التأديب والتعذيب، وقد وجدت نفسها وسطها يوما تتعذب فقط لأنها تأخرت عن بدء عملها المعتاد.
الجحيم الذي يتعرض له كل العاملين هناك يظهر في طريقة أخرى تعتمدها تلك الشبكات الإجرامية المسلحة، إذ أكدت الشابة خلال الندوة التي حضرتها عائلات الضحايا أنه يتم تعريضهم للصعق الكهربائي بشكل متكرر وهم يشتغلون أمام حواسيبهم، أما هواتفهم فهي مراقبة بشكل دائم وهو ما يفسر عدم تسريب أي مشاهد من هذه المنطقة.
أما الأموال التي يتحصلون عليها، فلا يمكنهم إرسالها إلى ذويهم، إذ رغم توفير هذه الشبكات كل شيء، فلا وجود لوكالات تحويل الأموال.
كل هذا يحصل في منطقة محاطة بأسوار عالية بأسلاك شائكة، يحرسها جنود ومسلحون وكاميرات مراقبة.
وكما شرحت أخت شاب من مراكش محتجز هو الآخر في ميانمار، منذ حوالي شهرين، فإن هذه الشركات لجأت إلى النصب عن طريق مواقع التبرع لصالح فلسطين وعن طريق مواقع الدردشة المعروفة وغيّرت استراتيجياتها بعد انكشاف أمرها.
وبعد مرور أسابيع على معاناتها هذه، كشفت مريم أنها استطاعت الفرار من هذه المنطقة، بعدما تواصل والدها ببعض المنظمات الدولية هناك، وبعد التنسيق هرّبها مواطن ميانماري إلى تايلاند وبعدها إلى تركيا.
وما تطلبه هذه الأسر الآن هو تسريع التدخل لكي يتم ترحيل العالقين في تلك المعسكرات، إذ تؤكد أنه في أي لحظة يمكن ترحيلهم إلى أماكن مجهولة تحت تهديد السلاح خصوصا أن خرائط google لم تعد تُحدد بدقة أماكن وجودهم حيث كان يظهر للعائلات موقعهم عن طريق أسماء مطاعم وحانات ميانمار المشهورة إلا أن هذه الأسماء لم تعد ظاهرة في الخرائط.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
عالم
مجتمع