مجتمع
الرقية الشرعية.. نصب باسم الدين!
23/01/2021 - 12:35
مريم الجابري
انتشر من يسمون أنفسهم بـ"الرقاة الشرعيين" بشكل كبير وسط الأحياء الشعبية والراقية، واتخذوا من منازلهم مقرات لعملهم، بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة. يوهمون الناس على أنهم مختارون ولديهم ملكة الشفاء من العين والحسد والمس ومجموعة من "الأمراض" التي يعددونها أو يخترعونها.
نساء ورجال يتوافدون على محلات ما توصف بـ"الرقية الشرعية" ليلا ونهارا وجهارا، وبتحديد مواعيد وأسعار قد تصل، في أحيان كثيرة، إلى 200 درهم للحصة.
"رحيمة"، 35 سنة، تقول لـ"SNRTnews"، "بدافع البحث عن زوج كنت أتردد بين الفينة والأخرى عند الراقي، حيث أخبرني أن الجن العاشق هو من يقف في طريق زواجي، مما جعلني أقلق أكثر".
وتضيف المتحدثة ذاتها "خسرت نقودا كثيرة عليه، حتى تبين لي، بعد حين، أنه 'يضحك علي' وعلى زبناء كثيرين من الذين أخذتهم إليه".
من جانبها، "نعيمة"، 40 سنة، أم طفل مريض نفسانيا، تقول إن خالتها نصحتها بالذهاب عند "راق" يبعد عن محل سكناها بحوالي 50 كيلومترا، وبحزن وندم شديدين تقول "نصحني بترتيب حصص للعلاج، لكنها لم تعط أكلها".
"منير"، 35 سنة، يقول "كنت على علاقة بفتاة من حينا، لكن بعد مرور الوقت رفضت الزواج بها، فهددتني بالسحر وذلك ما فعلته حقا، حيث أنني أصبت بنوبات عصبية خطيرة أدت بي إلى اكتئاب حاد"، على حد تعبيره واعتقاده.
وزاد "بعد مرور ما يقارب شهرين، أخذتني أمي إلى 'راق شرعي'، وعدني أنه سيفسخ السحر، لكن مصاريف العلاج كانت مرتفعة، خصوصا أنني تركت عملي جراء ما عشته".
في تصريح للأستاذ الجامعي في علم الاجتماع محسن بنزاكور، لـ"SNRTnews"، أكد أن المثير للإستغراب أن عددا ممن يعتبرون أنفسهم "رقاة" تصدر عنهم مواقف وتصريحات، تملأ مواقع التواصل الاجتماعي، حول قدراتهم على علاج الكثير من الأمراض النفسية، وحتى العضوية.
والأدهى من ذلك، أن من هؤلاء "الرقاة" من تجرأ على القول بأن مهمته تبدأ عندما يعجز الطب عن إيجاد علاج للمريض الذي يلجأ إليه، حيث تدعو مثل هذه التصريحات لأكثر من وقفة للتأمل في محتواها، وتحليل خلفياتها، وسندها العلمي أو الخرافي، وهذا ما انكبت عليه العديد من الدراسات والأبحاث المصنفة في خانة العلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة، يقول بنزاكور.
وأوضح المتحدث ذاته أن ضرورة تكيف أفراد المجتمع المغربي مع الظروف الحياتية الجديدة، التي أفرزتها التحولات الناتجة عن الطابع الانتقالي الذي فرضه التغيير الاجتماعي الحاصل في المجتمع المغربي، ليس بالأمر السهل.
اضطرابات نفسية وسلوكية
اعتبر بنزاكور أن "هناك عدة مشاكل تطرح حتما، في هذا السياق، تترجم عن طريق اضطرابات نفسية وسلوكية، وإخفاقات حياتية تعزى، مع الأسف، إلى حالات المس والسحر والعين في غالب الأحيان، حتى صار يُعتقد أن كل من برأسه صداع أو من في عينه احمرار فهو ممسوس، ومن في بطنه وجع فهو مسحور، ومن فشل في مشروع ما فمرده إلى العين… ومن هنا يفهم السبب الرئيسي الدافع بنسبة كثيرة من الناس في المجتمع المغربي إلى التماس العلاج بـ'الرقية'".
فـ"الدراسات والأبحاث التي اشتغلت على الممارسات العلاجية التقليدية، أفضت إلى أن المرض والشفاء ليسا في حقيقتهما إلا تصورا ذهنيا، وأن الأسباب المادية، التي يتصور الطب الحديث على أنها تحدث بالمرض، ما هي في الحقيقة إلا نتيجة عرضية للتصور الذهني الذي يتبناه المريض حول ذاته. وما من إنسان يملك في داخله اعتقادا نحو موضوع ما، إلا ونرى هذا الاعتقاد أو هذا الموضوع، يصبح عنده ضرورة تعلو على الحياة نفسها"، يقول المتحدث ذاته.
ويشرح بنزاكور أنه "بقدر ما يتوفر هذا الشعور في نفس أي إنسان، بقدر ما يؤثر عليه هذا الموضوع تأثيرا عجيبا، فإذا استعرضنا قضية حدوث الشفاء في مجرد زيارة ضريح من الأضرحة، أو سماع تعويذة من التعاويذ التي تستخدم في 'الرقية'، يتضح أن عملية الشفاء لم تحدث بالوسيلة المستعملة في العلاج بحد ذاتها، وإنما حدثت عن طريق تأثير الاعتقاد بالوسيلة، وانعكاسه على الداخل فيحدث الشفاء المطلوب بطريقة لا إرادية وهذا ما يعرف أيضا في التجارب المخبرية بـ'البلاسيبو' (placebo)".
التعاويذ العلاجية
وتحت ضغط ما يسمى بأ"التسليم" (بالدارجة المغربية)، وتعني من الناحية النفسية الاقتناع بالقوة الخارقة لهذا الدجال التي قد تصل بالمرأة إلى أن تسلم حتى جسدها له، وبما أن "الدجال" يدّعي التدين، وهو يمارس الدين كوسيلة للاحتراف من قبيل تقمص الشخصية على مستوى الخطاب والكلام واللحية، فإن المرأة "الضحية" تقتنع بقدرته في علاج ما تعاني منه، حسب تحليل الباحث في علم الاجتماع.
واعتبر المتحدث ذاته أن كل الفئات الاجتماعية بالمغرب، على اختلافها، عرضة لتأثير الفكر الخرافي.
وأبرز أن مشاكل الأمراض العقلية في المغرب متعددة، وأساسها المفهوم الخاطئ لمسألة قصد المريض للطبيب النفسي، فكثير من الناس ما زالوا يعتقدون أن الأمراض النفسية العقلية تصدر عن مس من الجن أو السحر أو الشيطان، وهذه كلها معتقدات تجعل المغرب يحتل أدنى الدرجات من حيث التصنيف العالمي بالنسبة إلى الوعي الصحي.
ومن الناحية النفسية العلمية، دلالة التعاويذ العلاجية التي يستعملها المعالجون التقليديون، ومن ضمنهم "الرقاة"، هي عملية تفريج للمكبوتات المتراكمة في اللاوعي، والتي تنخر جسد المريض.
ويصبح هذا التفريج ممكنا من خلال جو تلاوة تلك "الرقى" والتعاويذ العلاجية الإيحائية التي تصد مشاعر الإثم المسؤولة عن كبت الرغبات والنزوات، ويحل المعالج "الراقي" بسلطته محل الأنا الأعلى للمريض من خلال عملية سيطرة نفسية عليه، وهذا هو رأي المحلل النفسي المعروف الدكتور مصطفى حجازي، كما سطر ذلك في مؤلفه المرجعي: "الإنسان المقهور".
فراغ قانوني
وعلى الرغم من التقدم العلمي المحرز، سواء بالنسبة للعلوم الطبية الدقيقة أو بالنسبة للتحليل النفسي وباقي فروع العلوم الإنسانية والاجتماعية، في تفسير ظاهرة اللجوء إلى "الرقية" أو غيرها من الظواهر الأخرى المستعملة في التماس العلاج للأمراض النفسية والعضوية، فيبقى الإقبال على هذه الممارسات المفعمة بتجليات متعددة من الجهل والتخلف لافتا للانتباه في المجتمع المغربي في مختلف الأوساط، بنسب مختلفة، بما في ذلك الفئات التي نالت حظا وافرا من التعلم أو الفئة التي يجوز أن تنعت بـ"الصفوة" وسط المجتمع.
واعتبارا لذلك، فإن التنامي المضطرد لظاهرة التماس العلاج بـ"الرقية" يسائل الكل هل مرده إلى جهل أو قصور في اهتمام أفراد المجتمع المغربي بالصحة النفسية المرتكزة على ضوابط العلم الحديث، أم أن الأمر يعود إلى الفراغ القانوني الذي يساعد على الانتشار المتسارع، ودون رادع، لـ "مهن" أصبحت تشكل منافسا حقيقيا لبعض التخصصات الطبية والعلاجية المنظمة والمقننة، أم أن المسألة مرتبطة بقصور أو فهم مغلوط لمقاصد الشريعة الإسلامية السمحة. فكل هذه المسببات وغيرها تدعو إلى فتح نقاش مسؤول علمي رزين يفضي إلى الحفاظ على الصحة الجسدية والنفسية لمختلف فئات المجتمع المغربي، على حد تعبير بنزاكور.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع