رياضة
حكيمي.. خُلق ليكون بطلا
02/05/2021 - 19:53
صلاح الكومريحين كان المنتخب الوطني المغربي يخوض نهائي كأس إفريقيا للأمم سنة 2004، أمام نظيره التونسي، كان أشرف حكيمي، بطل الدوري الإيطالي مع فريقه "إنتر ميلان"، يجلس دافئا في حضن والدته، لا يتجاوز السادسة من عمره، يتابع المباراة مع عائلته باهتمام، ويتفاعل مع محاولات "وليدات الزاكي"، وبين الفينة والأخرى يطلق لخياله الطفولي العنان، ويرى نفسه واحدا من هؤلاء "الأسود" الذين يجرون أمامه، ويحبسون أنفاس أزيد من 36 مليون مغربي.
كما هو شأن باقي المغاربة، بكى أشرف حكيمي لخسارة "الأسود" نهائي كأس إفريقيا. أًصابته حرقة الهزيمة رغم حداثة سنه، ورغم نشأته في بيئة بعيدة جغرافيا ومختلفة ثقافيا واجتماعيا عن المغرب، لكن انتماءه الروحي لوطنه وأصوله، كان يسري في دمه بالفطرة.
التألق مع الإنتر
منذ انتقاله إلى إنتر ميلان، في 02 يوليوز 2020، أكد حكيمي أنه واحد من أفضل اللاعبين في العالم في مركزه (جناح أيمن)، إذ كان له فضل كبير في تتويج فريقه بلقب الدوري، للمرة الأولى منذ سنة 2010، ويحظى بثقة مدربه الإيطالي أنتونيو كونتي، وصار محط متابعة دقيقة من أندية إنجليزية كبيرة.
وما فتئ كونتي ينوه بأشرف حكيمي، وبالتزامه واجتهاده في التداريب، وحرصه على العمل أكثر. يقول كونتي، في هذا السياق: "لاعبون مثل حكيمي، يعملون بجد، ويطبقون التعليمات، وبالتالي يتعلمون الدروس، هناك مجموعة من اللاعبين المتحمسين والمستعدين للقتال من أجل الفريق. حكيمي هو مثال واحد من بين هؤلاء اللاعبين، في السابق، كان يهاجم وينسى الدفاع، لذلك أبقيته في الاحتياط لبضع مباريات، لكنه الآن تعلم الدرس جيدا".
من رحم المعاناة
ازداد حكيمي في 4 نونبر 1998 في العاصمة الاسبانية مدريد. وحين قرر والده إلحاقه بالفئات الصغرى لريال مدريد، وهو لا يتجاوز السابعة من عمره (سنة 2006)، كان من طموحاته خلافة جيل "وليدات الزاكي"، وأن يكون يوما ما مكان مروان الشماخ وجواد الزايري ويوسف حجي ونور الدين النيبت، وكل من هؤلاء كان قدوة بالنسبة إليه وهو يلعب في صغار أكاديمية الفريق الملكي.
على غرار كثير من اللاعبين البارزين، لم يولد حكيمي وفي فمه ملعقة من ذهب، بل قاسى الحرمان والعوز في طفولته، فوالده المنحدر من مدينة واد زم، ووالدته المتحدرة من القصر الكبير، هاجرا إلى إسبانيا أواخر الثمانينات من القرن الماضي بحثا عن لقمة عيش، وناضلا من أجل توفير عيش كريم لأبنائهم الثلاثة، نبيل، الابن البكر، أشرف، الابن الأوسط، ووداد، آخر العنقود، إذ أن والدته كانت تشتغل منظفة في المنازل، ووالده بائعا متجولا في مدينة خيتافي، جنوب العاصمة مدريد.
يقول حكيمي، الذي تبلغ قيمته السوقية حاليا 50 مليون أورو، متحدثا عن طفولته: "والديّ وصلا إسبانيا عندما كانا في عز الشباب، سنهما كان يناهز العشرين عاما، أمي كانت تعمل منظفة في المنازل، وأبي كان بائعا متجولا، هكذا كانا يعملان من أجل حياة أفضل.. واجهنا الكثير من الصعاب، نأكل لحد ما، لم نكن نطلب من والدينا الكثير، كانا يحاولان شراء أحذية رياضية لي، وكانا يقومان بكل ما في استطاعتهما لتوفير احتياجاتي واخوتي".
خلافا لمجموعة من اللاعبين المغاربة مزدوجي الجنسية، لم يسبق لأشرف حكيمي أن حمل ألوال أي فئة من المنتخبات الإسبانية، فقد كان هدفه واضحا أمامه منذ الطفولة، اللعب تحت الراية المغربية، لهذا لبى الواجب الوطني من أول نداء وجه له، وخاض أول مباراة مع "الأسود" في 11 أكتوبر 2016، أمام المنتخب الكندي، تحت قيادة المدرب الفرنسي هيرفي رونار، مع أنه سبق أن لعب، قبل ذلك، للمنتخب الوطني لأقل من 20 سنة والمنتخب الأولمبي.
اللعب مع الكبار
أواخر شهر شتنبر من سنة 2017 كان حكيمي على موعد مع أول خطوة له في عالم الكبار، فقبل مباراة ريال مريد أمام ضيفه إسبانيول، في 1 أكتوبر، تلقى اتصالا من الفرنسي زين الدين زيدان، مدرب الفريق، سأله أين أنت، أجاب، مع أصدقائي، قال له: "جهز نفسك، أريدك ضمن التشكيلة الرسمية أمام إسبانيول".
يقول حكيمي عن تلك اللحظة: "لن أنساها أبدا، كنت مع أصدقائي، فتلقيت اتصالا من زيدان قال لي: ماذا تفعل، يجب أن أتحدث معك، أخبرني أن اللاعب كاربخال يعاني إصابة ولا يستطيع اللعب، وأنه سيستدعيني للمشاركة مع الفريق في التشكيلة الرسمية أمام إسبانيول، لم أصدق الأمر، كدت أطير من الفرح، اتصلت بوالدي لأخبرهما بهذا المستجد، في تلك الليلة، لم أستطع النوم".
بعد هذه المباراة، اعتبر كثيرون أن زيدان غامر وأشرك أشرف حيكيمي، فرد عليهم المدرب الفرنسي قائلا في تصريح صحفي: "إنه لاعب شجاع، ماذا تحتاج لكي تلعب في المستوى العالي؟ تحتاج أن تكون شجاعا ومجتهدا، وحكيمي يجتهد كثيرا لكي يكون هنا".
توج حكيمي مع ريال مدريد بخمسة ألقاب، كأس السوبر الإسباني، كأس السوبر الأوروبي، كأس العالم للأندية، دوري أبطال أوروبا، وكأس الملك، وفي كل مرة كان يحمل فيها كأس أحد هذه البطولات، كان يظهر متلحفا بالعلم المغربي، تعبيرا منه عن تشبثه بوطنيته وأصوله.
اللعب مع "الأسود"
شارك حكيمي مع المنتخب الوطني في نهائيات كأس العالم "مونديال 2018"، وكان، وقتها، أصغر لاعب في تاريخ "الأسود" يشارك في هذه التظاهرة، وثالث أًصغر لاعب مشارك في البطولة، ما خول له التتويج بجائزة أحسن لاعب إفريقي شاب للسنة ذاتها، فقد قدم أداء طيبا جعل العديد من الأندية الأوروبية تطلب التعاقد معه، اختار منها فريق "بروسيا دورتموند" الألماني، إذ لعب لموسمين، وتوج معه بلقب الكأس الممتازة، وفي فترة الانتقالات الصيفية الأخيرة، شد الرحل نحو إيطاليا للعب مع إنتر ميلان.
منذ 11 أكتوبر 2016، حين خاض أول مباراة له مع "الأسود" أمام المنتخب الكندي، إلى غاية مشاركته، أخيرا، مع العناصر الوطنية في مباراتين أمام موريتانيا وبوروندي، في 26 و30 مارس، خاض حكيمي مع المنتخب الوطني ما مجموعه 34 مباراة، أحرز خلالها 07 أهداف، ويعتبر من بين العناصر المهمة في تشكيلة "الأسود".
يقول وحيد خاليلوزيتش: "حين أرى انطلاقات أشرف حكيمي، وسرعته في أرضية الملعب، أعتقد أن اللاعبين الممارسين في البطولة المغربية يمارسون رياضة أخرى غير كرة القدم"، مضيفا: "إنه لاعب رائع جدا، يمكنه اللعب في أعلى مستوى، في أي دوري في العالم ومع أي فريق، كما أنه لاعب شاب، وبإمكانه التطور أكثر".
يعتبر أشرف حكيمي، حاليا، واحدا من أفضل 5 أجنحة في العالم، بل إن كريستيان فييري، اللاعب الدولي الإيطالي السابق، اعتبره، أخيرا، أفضل ظهير أيمن في العالم، وقال عنه: "حين أنظر لانطلاقاته وطريقه اختراقه لدفاعات الخصوم، أتأكد أنه الأفضل".
المسار ما زال طويلا
وهو في الثانية والعشرين من عمره، استطاع حكيمي، عن جدارة واستحقاق، تحقيق حلم الطفولة بأن يكون خليفة مروان الشماخ وجواد الزاييري في تشكيلة "الأسود"، وحقق الكثير من الإنجازات، وأمامه طريق طويل وممهد لمواصلة التألق والتحليق في أعلى مستوى، متسلحا بالشجاعة والاجتهاد، فرغم بعض الصعاب التي تواجهه أحيانا، خاصة من الذين يحاولون عرقلة مساره، إلا أنه لا يعير ذلك اهتماما، يحافظ على هدوئه وبرودة أعصابه ويواصل المسير منتصف القامة، مرفوع الهامة.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة