رياضة
خاليلوزيتش.. مدرب دينه الصرامة
07/10/2020 - 21:34
يونس الخراشي
قلما شوهد وحيد خاليلوزيتش وهو يضحك. ولذلك مبررات، فهو رجل يدين بالصرامة. كما أن الحياة قست عليه حين ذهبت به إلى حد الموت والفقر وهو ينتظر منها العكس. ومع ذلك، فهو ليس بقلب من حجر، بقدر ما لديه عزيمة تفوق صلابة الحجر.
في مرة، قال وحيد، وهو يقبل على قيادة باريس سان جيرمان، نهاية التسعينات :"لا أقول إنني سأنجح. ولكني أثق في قوة عملي"، ثم زاد موضحا:"هناك شيفرة داخلية؛ سلوك جماعي على الكل أن ينضبط له، وهو الانتماء إلى المجموعة، وفخر المجموعة، وقيم المجموعة".
ولم يكن الرجل يقول ذلك فقط ليظهر أنه صارم، فينضبط له الجميع. بل كان الكلام يأتي متبوعا، باستمرار، بما يؤكده. فلمرات عاقب لاعبين من العيار الثقيل بسبب تأخرهم عن التداريب. ولمرات تخلى عن آخرين في وقت الحاجة إليهم، لأن سلوكهم بدا أنانيا ولا يحترم المجموعة.
وعلى طول مساره لاعبا ومدربا، شهد كثيرون ممن عايشوه بأنه يدين بالصرامة. فهو لم يتعلم الانضباط الشديد ممن دربوه، بل كان كذلك حتى هو لاعبا. وقال لويك أميس، أحد زملائه في نانط الفرنسي، مرة، إنه جاء إلى الفريق يحمل معه عشقه للدقة في كل شيء.
ولد خاليلوزيتش يوم 15 ماي 1952 ببلدة جابلانيكا بيوغسلافيا، وتحديدا بالجزء البوسني منها. تربى وسط أسرة عمالية، بمستوى عادي جدا. وبينما كان يحلم أن يصير تقنيا كبيرا، إذا به يقلد أخاه الذي كان يلعب لفريق صغير، ثم يصير لاعبا.
ولأنه مجبول على الانضباط، فقد كان يجلد نفسه في التداريب، ويحرص على أن يسعد مدربيه. وهكذا، فقد تألق مع فريقه الأول فليف موستار مهاجما، ثم رحل إلى نانط ليبلغ معه القمة، بحيث فاز معه بالبطولة سنة 1983. وأنهى مساره مع باريس سان جيرمان، في حدود 1987، لينطلق إلى التدريب من فريقه الأول.
فكما لو أنه عاد ليبدأ من نقطة الانطلاقة. وليرد دين فريقه الأول. ثم حمل معه تجربته الدولية الكبيرة، وحماسه التدريبي، ليفوز مع الرجاء الرياضي بلقب البطولة الإفريقية سنة 1987، وبطولة المغرب سنة 1998. ثم إلى ليل، وسطاد رين، وباريس سان جيرمان، وطرابزون سبور، واتحاد جدة أيضا.
وقبل أن يفوز خاليلوزيتش ببطولة كرواتيا مع دينامو زغرب، سنة 2011، درب منتخب كوت ديفوار وتأهل معه إلى مونديال 2010. ثم قضى أربع سنوات تقريبا مع المنتخب الجزائري، حيث تأهل معه هو الآخر إلى المونديال، بل وبلغ به الدور الثاني في دورة البرازيل 2014.
وعرج خاليلوزيتش على اليابان، ثم درب ناديه نانط الفرنسي. وإذا به يأتي هذه المرة إلى المغرب، حيث تعاقد مع الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم في غشت 2019، ليعوض زميله هيرفي رونار في قيادة أسود الأطلس نحو أفق جديد.
المسار الدولي لخاليلوزيتش لم يواز مساره مع الأندية التي لعب لها. فقد شارك في 15 مباراة فقط مع المنتخب اليوغوزلافي، أحرز فيها ثمانية أهداف. ومع ذلك، فبالنسبة إلى الذين يشدهم الحنين إلى ماضي البلد الموحد، فهو مسار ممتاز.
طبعا لم يكن كل شيء جميلا، وهادئا في حياة الرجل. ففي سنة 1993، وحين كان خاليلوزيتش يمني النفس بحياة جديدة بعد العودة إلى بلاده، إذا بالحرب الأهلية تندلع في يوغوزلافيا، فتشعل كل شيء من حوله. سيصيب نفسه، خطأ، برصاصة كادت ترديه قتيلا. وسيحرق بعضهم كل أشيائه الخاصة، فقط لأنه بوسني وهم ليسوا كذلك.
يقول مسترجعا تلك اللحظات المؤلمة:"لم أفهم أبدًا لماذا يأتي الأشخاص الذين تصادقهم يومًا ما لقتلك لأنك مسلم أو أرثوذكسي أو كاثوليكي. في عائلتي، كما هو الحال في جميع العائلات، كان الجميع مختلطًا. زوجتي كرواتية، والدة زوجي صربية. كان (ذلك التنوع) ثروتنا، وأصبح سببًا للحرب"، ثم يضيف بحرقة، وهو يصف حاله بعد أن فقد بيته، والمطعم، ومحلا لبيع الألبسة، ثم رحل إلى فرنسا حيث عاش أياما عصيبة، وأصيب بالاكتئاب:"لم أكن أعرف أن الحياة يمكن أن تكون قاسية للغاية. للمرة الأولى طلبت المساعدة. كنت وحدي بدون عمل. لم يساعدني أحد"، ويزيد:"عشت حياتين تقريبا. حتى 42 عامًا كان لدي كل شيء: المجد والثروة والجمال. كل التكريمات التي يمكن أن يحظى بها اللاعب. وفي لحظة فقدت كل شيء. لقد بدأت حياتي الثانية".
ولعل تلك الأحداث المؤلمة في حياة خاليلوزيتش كان لها وقعها الكبير على شخصيته. ففضلا عن أنه صارم، ويحب العمل المتقن، فقد جعلته الحرب، وجراحها، ورمادها، أكثر حرصا على ألا يضيع وقته في أشياء قد تسرق منه زمنا لا يقدر بثمن. ومن ذلك مثلا أنه "انكب خلال فترة الحجر الصحي على إعداد مؤلف تحت عنوان "كيف تصبح لاعبا في صفوف أسود الأطلس"، يرصد فيه الجوانب التي يتعين تطويرها في كرة القدم المغربية لبلوغ النجاعة، وتتوزع بين منظومة اللعب والتنشيط الدفاعي والهجومي وضربات الخطأ وحراسة المرمى والإعداد البدني والجوانب النفسية".
ومع أن ملامح خاليلوزيتش، بوجهه العبوس، على جسد ملاكم، تعطي الانطباع بأنه صارم جدا، بل وربما مستبد، ومزاجي، إلا أنه مجرد رجل يحرص على العمل الجماعي، ولا يغفر لمن يحيد عنه. فلشدة ما كان يحرص على الدقة والإتقان، فقد كان يوثق أحاديثه الخاصة مع اللاعبين، بحيث يذكرهم، حين يحتاج الأمر إلى ذلك، بما تعهدوا به سابقا من انضباط. وأكثر من ذلك، فقد ظل يشاركهم التداريب، كي يراقبهم، ويحفزهم.
وكأي إنسان يحب الحياة، مهما كانت قاسية، ويعرف أنها عابرة، بما أن المدرب يحمل معه حقيبته، فقد ظل خاليلوزيتش، البوسني الحامل للجنسية الفرنسية، قريبا من ماضيه مثلما حاضره، إذ لم يضيع فرصة إلا وعاد إلى مسقط رأسه في البوسنة، كي يصل الرحم، ويقدم المساعدة لمن يحتاجونها. فالصرامة ليست نقيضا للخير. أبدا، ليست نقيضا له.