رياضة
سلامي.. حكاية رجاوي "قيل عنه الكثير"
13/04/2021 - 11:09
يونس الخراشي
تبدأ الأحلام الكبيرة برعشة صغيرة. ثم يلزمها وقت ومثابرة لتصبح حقيقة ملموسة. وأحيانا تنتهي بسرعة، حيث كنا نرجو أن يطول زمنها. وهذا ما وقع بالضبط مع جمال سلامي. فحينما فاجأته رعشة وهو يتابع مباراة للرجاء، صبيا، وحضنته أمه لتطمئن عليه وتهدئ روعه، تراءى له طيفه، في البعيد القريب، لاعبا كبيرا بقميص "الشياطين الخضر". وتراءى له أكثر من ذلك بكثير، لكنه لم يتصور أن رحلته مدربا للرجاء ستكون قصيرة.
نعم، كان حلما فقط. ففي مرة من المرات، وكان جمال، الولد الحالم والجدي والمثابر في آن، يستعد للذهاب إلى التداريب، إذا به يوصي أخاه بأن يسجل له حلقة من حلقات للرسوم المتحركة، حتى لا تفلت منه. فللتداريب قدسيتها، رغم ما فيها من تعب، وقسوة. وللخيال، متمثلا في "الكرتون"، وبطولات شخصياته، وما يستثيره من أحلام، قدسيته أيضا.
في البدء كانت جمعية الحليب
بينما ينخرط في فريق الأولمبيك البيضاوي لكرة القدم (جمعية الحليب)، ويثابر من أجل تحويل الحلم إلى حقيقة، راحت الأم تدعوه إلى الاهتمام بدراسته أكثر من غيرها، وإن أمكنه الانقطاع عن لعب الكرة فذلك أحسن، فيما كان الوالد يشتري له "الكوضاص" اللائق، ويشجعه على التداريب، بل يتابعه أحيانا، ويحثه على الأداء الجيد مع فريقه.
"كنا نتدرب مرات في "تيران السلك"، وأخرى في ملعب "فيليب"، وغيرها في ملعب الإنارة"، يقول سلامي، ثم يواصل الحديث عن بداياته: "كنت أعشق الرجاء. لا أعرف سببا لذلك الحب، فكل ما أذكره أن الوالد كان يأخذني معه وأخي إلى ملعب "الأب جيكو" لنتابع بعض مباريات الفريق الأخضر. وحاولت اللعب مع صغاره، غير أن بعد المسافة بين مقر السكنى بدرب ميلا وملعب "وازيس" (مقر الفريق) حال بيني وبين حلمي".
ولأنه كان مصمما على أن يذهب إلى حلمه حتى النهاية، فقد وافق على العرض الذي قدمه له الراحل محمد الشاذلي، أحد أول المؤطرين الذين فتحوا له باب اللعب، لينضم إلى صغار جمعية الحليب، في موسم 83/84، قبل أن يبرز علو كعبه وهو يطلب للعب مع فئة الفتيان في مناسبتين، حيث سيصبح محط انتباه المعنيين بإيجاد الخلف في "مشتل الصغار".
"كنا، في مرة قد لعبنا في رفع ستار مباراة بين فريقنا واتحاد طنجة، وخسرنا بهدفين لصفر، ونحن في فئة الشبان، فوجئت بالمدرب محمد العماري، وهو برفقة المسير الكبير عبداللطيف العسكي، يدخلان علينا مستودع الملابس، ليحيوننا واحدا واحدا، ويقولون لنا: "كنتم هائلين، وأداؤكم كان ممتازا. نحن لا نريد منكم الفوز، بقدر ما نريد منكم اللعب الجيد"، يقول سلامي، ثم يختم:"كان لتلك الكلمات مفعول السحر، وقوت عزيمتي كي أواصل".
داخل الأسرة لم يكن قد فصل في مستقبل سلامي بعد. فهذا الشاب، الذي يقبل على دارسته بنباهة، ويحصل على أولى النقط وأعلاها، لا يصح أن يُترك لنفسه كي يقرر في شأن مصيري. ومن ثم، كان طبيعيا أن يستمر الجدل، ليحسمه هو بنفسه في الأخير، باختياره الجمع بين الاثنين. فقد ظل يلعب للأولمبيك البيضاوي، بحرص من مسؤوليه، وظل يدرس بجدية إلى أن حصل على الباكالوريا علوم رياضية (أول مباراة مع كبار الأولمبيك البيضاوي تحت قيادة البرازيلي بول مينديز، عن موسم 1990/1991).
القدر لا فكاك منه. يقول سعيد رزكي، أحد اللاعبين السابقين للأولمبيك في فترة عنفوانه، وأحد من عايشوا بدايات سلامي : "هناك أشياء تقع ويصعب تفسيرها. ففي مرة، وكنا نحن كبار الأولمبيك البيضاوي نستعد لمواجهة أولمبيك خريبكة، وطلب منا المدرب العماري الذهاب إلى الملعب مبكرا، إذا بباب مستودع الملابس يستعصي علينا. كان الباب غير مغلق، ولكن كلما دفعناه استعصى. وحين استرق أحدنا النظر، اكتشف بأن اللاعبين الشباب، الذين سبقونا بمباراة رفع الستار، كانوا يصلون جماعة خلف إمامهم الذي هو جمال سلامي".
اللاعب المتخلق
يتوقف رزكي ليجلو صوته، ويعطي كلماته قوتها، ثم يواصل: "سلامي، الذي عايشت بدايته، نموذج للاعب المتخلق، صاحب الشخصية المتوازنة. لقد نجح لأنه صاحب خلق رفيع، فأحبه الجميع، وصارت له مكانته الأساسية"، ثم يقول: "من ذلك اليوم، انتبه العماري، رحمه الله، إلى أن سلامي ومن معه سيكون لهم مكانهم في الفريق. وبالفعل، فقد نجح سلامي، وأغلب من كانوا معه، وضمنهم عبداللطيف جريندو ومصطفى مستودع".
هكذا، وبينما راح الأولمبيك البيضاوي يتعملق، ويربح الألقاب وطنيا وحتى عربيا، كان اللاعب سلامي قد صار واحدا من أقطابه. ففي مواسم متقاربة جدا سيحصل هذا الفريق على لقب البطولة وكأس العرش وكأس العرب بالسعودية وأخرى بقطر (فاز بالكأس العربية بدبي سنة 1991، وفي جدة سنة 1993، وفي الدوحة سنة 1994، وفاز بكأس العرش ضد الجيش سنة 1993، عن موسم 1990، وضد الرجاء سنة 1994، عن موسم 1992). وفي تلك الأثناء سينادى على اللاعب الهادئ إلى صفوف المنتخب الوطني، ليوضع المسار الدراسي على الهامش، وبدون أي اعتراض.
حدث في تلك الأثناء أن ضل الوالد طريقه بفعل متابعته، عبر مذياع السيارة، لمباراة الأولمبيك البيضاوي ضد الرجاء عن كأس العرش، وكان ابنه أحد أبطالها. غير أن الولد لم يضل طريقه، بل تابع مسيرته بهدوئه وإصراره المعهودين منذ كان صبيا يرفض الشغب، ويرفض معه أي عقاب لأي من أخوته، حتى إن اقتضى الأمر تصديه للوالد أو الوالدة، ليصبح هو الضحية في نهاية المطاف.
في موسم 95/96 سيتحقق حلم آخر من أحلام سلامي، إذ سيدمج فريقه الأولمبيك في فريقه المعشوق الرجاء الرياضي. ليبدأ رحلة أخرى في مسيرته الكروية، مع ثلة من النجوم، محفوفا بجماهير حاشدة، لم يكن يتوفر عليها فريقه الأول. وستتاح له الفرصة ليربح البطولات على وقع هدير من التشجيعات، وبرفقة لاعبين لهم وزن من ذهب. سيكتب التاريخ بالأخضر (ظل يلعب مع الرجاء ثلاث سنوات، فاز خلالها بالبطولة سنوات 1996، و1997، و1998، وفاز بالكأس سنة 1996، وبعصبة الأبطال سنة 1997).
"كان الترحيب كبيرا للغاية، وبدأت مسيرة جديدة مع لاعبين لهم باع طويل"، يقول جمال وهو يحكي عن تلك المرحلة المترعة بالأشياء الجميلة، والتي ستفتح له أبواب أخرى نحو رعشات متجددة، وأحلام متواترة، إذ سيلعب للمنتخب الوطني الأول (شارك في مونديال 1998 بقيادة هنري ميشال، إذ لعب مكان يوسف شيبو في مباراة المغرب واسكتلندا)، ثم سينطلق نحو عالم الاحتراف. وكانت البداية هذه المرة من بيشكطاش التركي، وبقصة مثيرة للغاية.
وتلك قصة أخرى. فقد كان المدرب الويلزي جون طوشاك يجلس في المنصة ليتابع أحد المدافعين المتألقين من الوداد الرياضي، في وقت كان جمال يرفض الاستجابة لمدرب الرجاء باللعب في موقع الدفاع. وحين كان الحكم يعلن نهاية المباراة، إذا بطوشاك يغير رأيه، ويقرر بأن اللاعب الذي يصلح لما جاء من أجله هو سلامي. فقد وافق الأخير أن يلعب مباراته تلك، استجابة لطلب ملح من رئيس الفريق (بلغ مع بشيكطاش الوصافة سنتي 1999 و2000).
هل كان سلامي لاعبا من الكبار؟ يقول جعفر عاطفي، المدرب، والصديق، إن سلامي كان دائما متطورا في أدائه، ويوضح:"أعرفه عن قرب، وهذا يتيح لي أن أتحدث عنه في جميع المراحل التي قطعها مع الكرة، لاعبا ومدربا. فأثناء اللعب، كان جمال يلعب في وسط الميدان، وبانضباط كبير، ما أتاح له القدرة على أن يمتلك رؤية للملعب وينجح، سواء مع الأولمبيك أو الرجاء أو بشيكطاش أو بعد عودته إلى البطولة".
ويؤكد سعيد رزكي هذا الكلام، ثم يضيف إليه شيئا مهما: "رغم أن سلامي بدأ في وقت كان الأولمبيك مترعا بنجوم في وسط الملعب، ثم انتقل إلى الرجاء في وقت كان لديه لاعبين مهرة في المركز نفسه، إلا أن التزامه الخلقي وانضباطه التكتيكي ساعداه على ضمان موقعه لدى كل المدربين. ولعل من عايشوه يعرفون أنه نادرا ما كان يحصل على إنذار، وحين يحصل عليه تجده غاضبا وكأنه ارتكب جرما".
ويمضي يوسف الشاني، وهو إعلامي مختص في شؤون الرجاء الرياضي، وكان قريبا من سلامي لفترة طويلة، في السياق نفسه ليقول: "في مرة من المرات، كنت شاهدا على واقعة إنسانية جميلة. فقد اختار مدرب الرجاء أن يحتفظ بسلامي وزميل له في الاحتياط، غير أن الأخير لم يتقبل ذلك. وما كان من جمال سوى أن يقول له:"لا يجدر بك أن تغضب وتقلق، فأنت لاعب كبير، ومكانتك محفوظة، ويوسف روسي لاعب شاب، ويتعين علينا أن نمهد له الطريق مثلما ساعدنا غيرنا ومهدوا لنا الطريق. وإلا لم يكن أحدنا ليصل إلى ما وصلنا له اليوم"، وهذا ما جعله باستمرار محبوبا، وحاضرا".
تجسير الفجوات بين المتخاصمين
كذلك كان جمال دائما. من همومه اليومية تجسير الفجوات بين المتخاصمين، ولم شمل المتجافين، والبحث عن مناطق مشتركة يجتمع فيها الفرقاء، وكأنه منذور لرسالة أكبر من معشوقته كرة القدم، أو لكأن الكرة بالنسبة إليه ذريعة للوصول إلى غايات أخرى. "الجماهير تعشق اللاعبين، ومن واجبنا نحن المدربون أن نحسن التعاطي مع هؤلاء، كي يتصرفوا بسلوك قويم، فيكون تأثيرهم في الجمهور طيبا"، يقول سلامي، ثم يؤكد: "العلاقة بين الإنسان وربه هي المبتدأ والمنتهى، والكرة لعب تنافسية، ولكن داخل الملعب فقط، أما بعيدا عنه فنحن جميعا بشر، يتعين علينا أن نحب بعضنا، ونتعامل مع بعضنا بالطب من القول والفعل".
حينما أسندت إلى سلامي، الذي غادر ميدان اللعب في سن الثلاثة وثلاثين عاما تقريبا، مهمة تدريب المنتخب الوطني للاعبين المحليين سنة 2016، بعد أن عبر من تجارب متعددة في قيادة فرق مغربية، بل وعبر من تجربة مثيرة مع المنتخب الأول، ضمن ما اصطلح عليه بالتركيبة الرباعية، كان ذلك إيذانا بدخوله منطقة جديدة من جنة أحلامه. وإذا به يجند لذلك الحلم كل طاقاته ومعارفه، ومقومات شخصيته، المتميزة على الخصوص بالإصرار.
يقول أحد المقربين عايشه في تلك الفترة:"كان يستيقظ في الرابعة من صباح كل يوم، ليبدأ العمل. والعجيب أنه يظل يعمل بجدية وهدوء وتفان حتى ينتهي الجميع، ويعد تقاريره بانضباط كبير. ثم ينطلق نحو عوالمه الخاصة، حيث الشاي الضروري، والقراءة، ومتابعة الأخبار، ومعرفة الجديد في عالم الكرة على المستوى العالمي".
ويؤكد سعيد رزكي الكلام، بالقول: "انتقل سلامي إلى التدريب بسلاسة، لأنه كان يمتلك رؤية تكتيكية شاملة، ولديه حس الانضباط، فضلا عن أنه منقب ممتاز جدا. يختار اللاعبين بعناية فائقة. ولاحظ معي أنه لم يمر من فريق إلا وخلف للمدربين الذين جاؤوا بعده جيشا من اللاعبين الممتازين، الذين عمروا طويلا وبأداء جيد".
اشتغل مساعدا لمدرب الرجاء ألكسندر مولدوفان، مثلما اشتغل مساعدا للفرنسي إيف شاي. ودرب حسنية أكادير، والدفاع الجديدي، فيما عدت تجربته مع الفتح الرياضي، من 2010 إلى 2012، واحدة من أفضل فترات إعادة بناء الفريق. أما وهو يلتحق بالعارضة التقنية للرجاء مدربا، فقد أثبت بالفعل جدارته، وأظهر بصمته. والنتائج تحكي.
يقول جعفر عطيفي:"إنه شخصية تحب التطور. وفضلا عن أنه يمتلك مؤهلات أكاديمية عالية، وهو رجل يحب تتبع الأحداث، ويقرأ كثيرا، فإنك تجده باستمرار يتواصل ليعرف المزيد، ويسارع إلى التكوين أينما كان. ولعلكم لاحظتم أنه خلف بصمة في حسنية أكادير والدفاع الجديدي والفتح الرباطي، وفاز مع منتخب المحليين بالشان، وأعاد الرجاء إلى السكة الصحيحة".
سلامي المولود بتاريخ 6 أكتوبر 1970، هو رب أسرة، وأب لأربعة أبناء. غير أنه يعتبر كل اللاعبين أبناءه. ولذلك، فهو لا يمل يوصيهم ببر الوالدين، وبخاصة بر الأم. ويحثهم على حسن الخلق. ورغم أن نظرته النافذة، وصمته الطويل، مثل نسر، يعطيان الانطباع بأنه شخص يميل إلى الصرامة أكثر من ميله إلى الليونة، إلا أنه لم يكن يوما كذلك، سواء لاعبا أو وهو يصبح من بين أبرز المدربين في البطولة المغربية.
يقول رزكي: "جمال شخص لطيف ومحبوب. وهو دائما في خدمة الآخرين، ويمد لهم يد العون". ويؤيده الشاني، بالقول:"لم يمر جمال من مكان إلا وجعل له فيه أناس يحبونه ويحترمونه، لأنه شخص يجيد الإنصات، وأكثر من ذلك يعرف كيف يتصرف ليساعد الآخرين".
الطفل الذي يعود إلى حضن الأم
في واقع الأمر، لم تتغير ملامح سلامي كثيرا. فتدوير صوره من شبابه إلى اليوم يوحي إليك بأنه ما يزال ذلك الطفل الذي يعود، كل يوم، إلى حضن الأم، لتدفئه وتهدئ من روعه، وتشفي غليله بدعوات تبعث في نفسه الأمل وتغذيها بالطمأنينة. فكأن الحبل السري بينهما لم ينقطع أبدا. فحتى حين تسأله :"ماذا يمثل بالنسبة إليك تدريب الرجاء التي عشقتها من صباك؟". يكون رده طفوليا حالما، ومترعا بواجب البرور بالأم. يقول لك: "لا شك أنه حلم. غير أنك حين تذهب عند الوالدة، فلا يصح أن يكون مكوثك معها خاطفا. ولا يصح أن تأتيها بيدين فارغتين. فالمكوث مع الأم يقتضي وقتا طويلا، وأن تقدم لها أغلى ما عندك. والرجاء بمثابة الوالدة عندي".
هل قلت بداية إن ما نرجوه قد لا يبقى معنا طويلا؟ وذلك ما حدث مع سلامي، الذي لم يكتب له المكوث مع "أمه الرجاء" مطولا. كيف حدث ذلك؟ ولم حدث ذلك؟ هو بنفسه لا يدري. يقول:"كل النتائج كانت في صالحنا. وهناك شباب صاعد. وهناك عمل ينتظرنا، ونح في القمة"، ثم يستدرك: "ولكن الرجاء فريقي الذي أحببته دائما، ولا أملك أن أضعه في ورطة. هذا مستحيل. لقد قررت الذهاب، ما دام ذهابي هو الحل الذي يقترحه البعض. أريد أن يبقى الفريق شامخا".
لكل بداية نهاية. نعم. ولكن النهايات تكون أحيانا مؤلمة، وغير مفهومة، وتحتاج وقتا طويلا كي تتضح حقيقتها. وتجربة سلامي مع الرجاء من هذا القبيل. سيقال عنها كلام كثير، بتناقضات مثيرة. ثم تتحول إلى شيء في الذاكرة...
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة