مجتمع
عندما يشتكي"الكراب"من انصراف الناس عن قربته
03/11/2020 - 11:30
سارة مصباح
"يصاوب الله"، تلك لازمة ظل يرددها بعد أن اضطرته أولى الأمطار التي هطلت بالدار البيضاء، في الفترة الأخيرة، إلى الاحتماء منها تحت قوس باب مراكش بوسط المدينة.
لف "محمد اﻠكراب"، الخمسيني، نفسه بكيس بلاستيكي، وبدأ يستعد لمغادرة المكان على الساعة الثالثة بعد الزوال. فقد أنهت الأمطار يوم عمله، هو الذي اعتاد على التجوال لساعات في الشوارع والأزقة، عله يحصل على دراهم مقابل شربة ماء.
بالكاد يحصل على ما يقيم به أوده. هو يعتبر أن الناس لم يعودوا يلتفتون لـ"اﻠكراب" الذي كانوا يتعاملون معه في السابق بالكثير من العرفان، لأنه يروي عطشهم.
يقارن بين الأمس واليوم "حين كان الناس يعتبرون ما يبذلون من مال من أجل شربة ماء أجرا استحقه "اﻠكراب"، بينما يراه الكثيرون اليوم نوعا من التدويرة".
يتحسر "محمد" على أيام مضت مستعملا عبارة "فين أيام زمان". كان يقصد أيام بداياته في هذا العمل، حين كان يقف أمام أفخم فنادق الدار البيضاء لاستقبال حافلات السياح الأجانب الذين يهرعون لالتقاط الصور التذكارية معه.
كانوا يؤخذون بلباسه الأحمر وقبعه الملونة. ذلك زمن ولّى. فقد أصبحت ألوان زيه اليوم باهتة جراء التجول المستمر تحت أشعة الشمس الحارة والتقلبات الجوية، وهو يبحث عن العطشى ليروي ظمأهم.
يؤكد من واقع تجربته اليومية أن "من الناس من يعتبرون 'تكرابت' مجرد وسيلة غير مباشرة للتسول، وهناك من لا ينتبه لوجودها في حياتنا"، هو يرفض هذه الطريقة في التعاطي مع تلك المهنة، التي يراها جزءا من التراث المغربي الأصيل.
يقف بلباسه الأحمر وقربته، ويحكي، بالكثير من الشموخ، عندما يستدعي ذكرياته مع هذه المهنة، التي ورثها عن أبيه، الذي علمه أصولها قبل خمسة وثلاثين عاما. يتحدث بالكثير من الفخر عن والده، الذي علمه كيف يحصل على قوت يومه بإرواء عطش الناس.
يقول إنه يسعى، عبر ما يحصل عليه من التجوال بقربته في الشوارع، تربية أبنائه الخمسة. فلا يتعدى ذلك الدخل اليومي 90 درهما في أحسن الأحوال، تلك حصيلة يوم من التجوال برفقة قربته في الشوارع والساحات.
غير أنه يشعر بالكثير من العرفان تجاه من يسعون إلى تقديم يد المساعدة، من منطلق إدراكهم للصعوبات التي يواجهها.
يشير إلى بعض أصحاب المحلات التجارية بباب مراكش، الذين يقدمون له بعض المال في الأعياد والمناسبات الدينية، بل إن بعض باعة الفواكه والخضر لا يبخلون عليه بما يعرضونه مجانا.
يستحضر واقع الحال والجائحة التي فاقمت وضعه الهش، فقد انصرف الناس عنه، حيث دفعتهم التدابير الاحترازية والتباعد، إلى هجر قربته، بل إن منهم من يرى فيه خطرا محدقا.
لكن بالرغم من كل ما يتعرض له محمد من مضايقات وتهميش في ظل ظروف اقتصادية مزرية، يظهر شعوره بالرضا، ويضيف: "أنا المعيل الوحيد لأسرتي، وبيع الماء مصدر رزقي الوحيد الذي لا يمكنني التخلي عنه أو استبداله بعمل آخر".
يرفض "محمد" اقتداء أبنائه به، كما فعل هو سيرا على نهج والده، ويعبر عن أمله في أن يتعلم أبناؤه ويحصلوا على وظيفة، تجنبهم ما يعانيه وتحفظ لهم ماء وجوههم.