رياضة
فاخر .. عودة الجنرال إلى النزال
13/06/2021 - 14:51
صلاح الكومري
في منتصف الستينات من عمره، وقد تقوس ظهره قليلا، وغزا الشيب شعر رأسه، ورسم الزمن على وجهه "العبوس" أخاديد العمر، ما زال طموح امحمد فاخر متقدا، يعلنه "شابا" متحمسا، متعطشا لمزيد من التحديات، متطلعا لمزيد من الألقاب والبطولات، لا يعرف اليأس ولا القنوط، يحب أن يبقى "عسكريا" في حياته المهنية، فاخرا، ملتزما بشعار "حي على العمل".
كثيرون اعتقدوا أن قطار "سي امحمد" فاخر، في التدريب، وصل إلى محطته الأخيرة في مدينة أكادير وتعطل، حين انفصل عن فريقها الحسينة، وأنه أصبح عاجزا عن المواصلة بعدما حصد الكثير من الألقاب والبطولات "الملحمية"، لكن الرجل عاد، أخيرا، للقيادة من مدينة المحمدية، وتعاقد مع فريق شبابها المحلي، ليواصل المسير بحيوية ونشاط، كأنه في بداية الطريق، مؤكدا أنه اسم على مسمى، "فاخر" في العزم والطموح، و"جنرال" في القيادة، كما يلقبه البعض.
صارم محب للنكتة والهدوء
يظهر امحمد فاخر أكثر المدربين المغاربة تتويجا بالألقاب في المغرب، عبوسا وصارما أثناء أداء واجبه المهني، لكن الرجل، لمن يعرفه عن قرب، وفي حياته الشخصية، لا تفارق الابتسامة محياه، متسامح، سخي، كريم، محب للنكتة والدردشات الاجتماعية، بالموازاة مع ذلك، فهو مثقف. حرصه على مطالعة الكتب التاريخية والروايات، وقتما أتيحت له الفرصة، لا يقل عن حرصه الشديد على تطبيق خططه التكتيكية وإحراز الأهداف من أنصاف الفرص.
في هذا السياق، يقول عبد الكريم ميري كريمو، اللاعب الدولي السابق، لـSNRTnews: " "سي امحمد في الملعب وأثناء التداريب وفي المباريات، ليس هو سي امحمد الذي ألتقيه بين الفينة والأخرى. حين تجالسه، تكتشف شخصا آخر، محب للمزاح في هدوء، محب لعلاقات الصداقة، يقدر العلاقات الإنسانية مثلما يقدر العلاقات المهنية، وهو إنسان قبل أن يكون مدرب".
فضل فاخر الابتعاد عن صخب الدار البيضاء والاستقرار، مع عائلته الصغيرة، بضواحي المدينة، في منطقة هادئة في بوسكورة، حيث يختلي بنفسه وقتما أتيحت له الفرصة، ليعيد رسم خارطة طريق مستقبله المهني، وليجدد طموحه وشغفه المتقد، ونادرا ما يتجول في الأماكن العمومية، فالشهرة فرضت عليه الحذر في تحركاته تفاديا للاحتكاك مع محبي هذا الفريق أو ذاك، وأكثر من ذلك، فرضت عليه التضحية بالكثير من حريته الشخصية.
رجاوي في معقل الوداديين
أصبح فاخر لاعبا رجاويا بالصدفة، فهو ابن المدينة القديمة بالدار البيضاء، المعقل الرئيسي لأنصار الوداد الرياضي. فقد كان من المفروض أن يكون وداديا، لكن القدر قاده إلى مركب الوازيس، معقل الرجاء، وهو في الثانية عشر من عمره، حين اختاره الراحل الحاج عبد القادر جلال، من إحدى فرق الأحياء، للتدرب مع صغار النادي، حيث تدرج في جميع الفئات إلى أن بلغ الكبار، ليجد نفسه وسط نجوم الكرة المغربية سنوات السبعينيات، على غرار سعيد غاندي، والراحل مصطفى شكري، الملقب بـ"بيتشو".
وجد فاخر في بيتشو رفيقا قل نظيره، كان كل منهما يكمل الآخر، يسهران معا، يسافران معا، أحدها قصير القامة، والآخر طويل، حتى حين انتقل بيتشو إلى الوداد الرياضي سنة 1975، ظل الصديق الصدوق لسي امحمد، "كنا ثنائيا قل نظيره في الصداقة، لم تنقطع علاقتي به حتى حين رحل إلى الوداد، مع أنه كان مندفعا ومغامرا"، يقول في حوار سابق.
وداديان رسما طريق فاخر
شخصان ساهما في تكوين شخصية فاخر، وكلاهما من محبي الوداد الرياضي، الأول محمد الصحراوي، اللاعب الدولي السابق، نصحه بالتدرج في التدريب، والثاني يدعى سعد بوسلهام، كان مديرا لمطعم في حي بوركون بالدار البيضاء، ألهمه هواية قراءة الكتب.
يحكي امحمد فاخر أنه حين قرر ركوب قطار التدريب في بداية الثمانينات، كلفه مكتب الرجاء الرياضي، برئاسة عبد الله الفردوس، بتدريب الفريق الأول، وافق على المقترح دون نقاش. اعتقد أن الفرصة لا تعوض ليحجز لنفسه مكانا بين المدربين المغاربة وقتها، لكن حين التقى صديقه محمد الصحراوي في أمسية هادئة، غير رأيه تماما، وتراجع عن قراره.
يقول فاخر: "كنت دائما ألتقي محمد الصحراوي، وفي إحدى المرات نصحني بألا أدرب الفريق الأول مباشرة، قال لي إن الرجاء قد يرفعك إلى الأعلى، لكن قد تسقط بقوة ولن تقوم لك قائمة بعدها، لهذا أنصحك بالتدرج في التدريب، وأن تكون البداية من فئة الشبان"، مضيفا: "عملت بنصيحته، رفضت عرض المكتب وطلبت منهم تكليفي بتدريب الشبان".
وعن حبه قراءة الكتب، يحكي فاخر أنه حين كان مدربا لشبان الرجاء، في بداية الثمانينات، وكان، حينذاك، ميالا للسهر لأوقات متأخرة من الليل. تعرف على سعد بوسلهام، وهو مدير مطعم سابق في حي بوركون، من مدمني القراءة، فكان يهديه الكتب لقراءتها حتى تعلق بها؛ "بعد ذلك أصبحت أخصص أجري الشهري كله لشراء الكتب، ومع مرور السنوات، حين دربت الرجاء، وكنا نفوز على الوداد، كان أصدقائي الوداديون يقولون لي، على سبيل المزاح، إن سعد بوسلهام هو السبب".
التدريب بالتدرج
عمل "سي امحمد" بن عبد الله بنصالح بنصيحة صديقه محمد الصحراوي، تسلق سلم التدريب بهدوء بعدما ترك مهنته إطارا بنكيا متخصصا في برمجة المعلومات في بداية الثمانينات. باشر مساره التدريبي في فئة الشبان، ثم أصبح مؤطرا، ثم مديرا تقنيا، ثم مساعدا لمجموعة من المدربين تعاقبوا على الفريق، إلى أن قرر خوض مغامرة التدريب بعيدا عن القلعة الخضراء، وبالضبط في مدينة سطات، حيث قاد فريقها النهضة المحلي للصعود للقسم الأول، وبلوغ نهائي كأس العرش لموسم 1999/2000.
بعد تجربته مع النهضة السطاتية، اكتشف فاخر أن نصيحة صديقة محمد الصحراوي خولت له امتلاك رصيد معرفي في التدريب يسهل له قيادة الفرق بامتياز، فهام جوالا بين الأندية يحصد البطولات، إذ أنه فاز بلقب الدوري المحلي 5 مرات مع فرق حسنية أكادير، سنتي 2002 و20013، والجيش الملكي سنة 2005، والرجاء الرياضي مرتين سنتي 2011 و2013، كما فاز بكأس العرش 5 مرات أيضا، منها 3 مرات مع الجيش الملكي سنوات 2003، 2004 و2008، والرجاء الرياضي مرتين سنتي 1996 و2012، كما قاد الجيش الملكي إلى الفوز بكأس الكونفدرالية الإفريقية سنة 2005.
ضريبة النجاح
لم يكن فاخر ليحصد البطولات ويجري وراء أهدافه بحزم ما لم يقدم تضحيات كثيرة، خاصة في حياته الاجتماعية، إذ أنه، حسب ما قاله سابقا، فقد جزءا من حريته، "التي لا تقدر بثمن"، حسب تعبيره، ذلك أنه يقضي أوقاتا كثيرة بعيدا عن عائلته الصغيرة، ويسهر لساعات متأخرة من الليل في رسم الخطط وقراءة الخصوم، لدرجة أنه حين عاد من تجربة تدريبية مع فريق النجم الساحلي التونسي، والتقى أبناءه بعد شهور طويلة من الغياب، قالوا له: "تشرفنا بمعرفتك".
الالتزام بالمواعيد والحرص على تأدية الواجب، بمهنية واقتدار، والصرامة، من الصفات التي جعلت الجماهير تطلق على "سي امحمد" لقب "الجنرال"، ففي جميع محطاته التدريبية، كان يحرص على أن يكون أول الحاضرين وآخر المغادرين لملعب التداريب، لدرجة أنه حين عمل، لفترة وجيزة، مدربا للمنتخب الوطني الأول، سنة 2006، كان يفضل مباشرة عمله على الساعة السابعة صباحا، وفي أحد الأيام، التقى أحد المسؤولين في الجامعة الملكية المغربية، وقتذاك، فقال له، من باب المزاح، "أنت عسكري أكثر من العساكر".
محب للأكل
لا يملك فاخر أي عزيمة أو إرادة لإنقاص وزنه الزائد، ونادرا ما يمارس الرياضة، إذ أنه يضعف أمام الوجبات اللذيذة، فأحيانا، وبسبب كثرة الضغط وحرصه على ضبط كل صغيرة وكبيرة أثناء أداء مهامه، يضطر للسهر لساعات متأخرة من الليل، فلا يجد إلا الأكل ونيسا، يساعده على إزالة التوتر، إذ أنه بين الفينة والأخرى، يفتح الثلاجة ليخرج منها ما لذ وطاب، ويأكل بنهم حتى الشبع، ثم يعود لاستئناف عمله.
يقول "سي امحمد" في هذا السياق: "لا أخصص وقتا منتظما للأكل بسبب ضغط العمل، تجدني ليلا، مثلا، أذهب للثلاجة بين الفينة والأخرى، الأكل يساعدني على إزالة التوتر والضغط"، مشيرا إلى أنه يدرب اللاعبين، لكن لا يتدرب معهم، قائلا: "إذا كنت سأتدرب أيضا، فلن يكفيني الوقت لكي أدربهم وأشرح لهم خططي".
فاخر الاستثنائي
وهو يقود الحصص التدريبية لفريقه الحالي شباب المحمدية، يبدو فاخر، بجسمه المترهل وقامته القصيرة، ما زال متعطشا لمزيد من النجاحات والألقاب، مع أن له النصيب الأكبر منها، يظهر متحمسا، يريد الاستمرار بقوة، أكبر من السابق، متسلحا بخبرة 40 سنة في الميدان.
في هذا السياق، يقول ميري كريمو، لـSNRTnews، إن فاخر "لا ينظر إلى الوراء أبدا، يركز على التحديات التي تنظره"، موضحا: "قد تجده فاز بمباراة أو بطولة ما، وحين تلتقي به، لا يستعرض إنجازه للاحتفاء به، بل يحدثك عن التحديات التي تنتظره مستقبلا كأنه لم يحقق أي شيء"، مضيفا: "إنه مدرب استثنائي، حين ألتقي به أكتشف أنه يحمل الطموح نفسه الذي عرفته به أول مرة في بداية السبعينات، حين كما معا في منتخب الفتيان".
وهو على أبواب السبعين من عمره، وقد صار شيخا، ما زال في جعبة "سي امحمد" الكثير ليقدمه إلى الكرة المغربية، والكثير من الدروس ليقدمها إلى المدربين، أولئك الذين يبتعدون عن التدريب مع أول عقبة تواجههم، مازالت أمامه معارك ليست بالقليلة، ليؤكد أنه "جنرال" يجري وراء الألقاب والبطولات، مهما كانت العقبات.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة