اقتصاد
10 كلمات اقتحمت حياة المغاربة بسبب جائحة "كورونا"
04/01/2021 - 12:40
مهدي حبشي
لم تخلف جائحة "كورونا" آثاراً اقتصادية واجتماعية ونفسية فحسب، بل أطّرت النقاش العمومي وأغنته بمجموعة من المفاهيم التي توارت أو طواها النسيان في ما مضى.
هذه 10 مصطلحات لم تكد نقاشات عام 2020 تخلو من أحدها، بل إن الواقع الذي تعكسه فرض على السلطات العمومية إعادة النظر في العديد من توجهاتها السياسية، الاقتصادية والاجتماعية، حيث رامت محاصرة الخسائر عبر قرارات مسكونة بهاجس الإنعاش والتعافي.
الانكماش أو الركود الاقتصادي
جرت العادة أن يكون الحديث سنوياً عن نمو الاقتصاد، وأن تتبارى الحكومات في رفع نسب ذلك النمو، لكن جائحة كوفيد-19، وضعت الكثير من الدول، من بينها المغرب، أمام حالة "انكماش" اقتصادي.
ويعرف الانكماش الاقتصادي بتلك الحالة التي يحدث فيها تراجع في النشاط والإنتاج الاقتصاديين، يترجم بانخفاض في الناتج الداخلي الخام لفصلين على الأقل. ولا ينبغي الخلط بين الانكماش و"التباطؤ" الاقتصاديين، إذ إن الأخير يعني أن الاقتصاد مستمر في النمو لكن بإيقاع أضعف من السابق، في حين يتم التعبير عن الركود الاقتصادي بنسبة نمو سالبة. كما يختلفان عن بعضهما بكون الركود يكون غير متوقع ونتيجة عوامل خارجة عن إرادة الفاعلين الاقتصاديين، فيما يكون التباطؤ مخططاً له.
وتوقع بنك المغرب في منتصف دجنبر، أن ينكمش الاقتصادي المغربي في العام الحالي إلى 6,6 في المائة، قبل أن ينتعش بنسبة 4,7 في المائة في العام المقبل، مؤكدا على أن هذا السيناريو يبقى تحققه مرتهنا للتطورات المرتبطة بالتلقيح في المغرب والبلدان الشريكة له.
أما صندوق النقد الدولي فحصر توقعاته لانكماش الاقتصاد الوطني بين 6 و7 في المائة، وذلك بالنظر لآثار الجائحة من جهة، ومن جهة ثانية للجفاف الذي يعانيه المغرب ويرخي بظلاله على القطاع الفلاحي، الذي يمثل 14 في المائة من الناتج الداخلي الخام للبلاد.
التغطية الاجتماعية
أظهرت الجائحة مدى هشاشة شرائح واسعة من المجتمع المغربي، التي وجدت نفسها على حين غرة عاجزة عن توفير لقمة العيش. ما كشف عن ضرورة ملحة لتوفير تغطية اجتماعية لفائدتها. إذ دعا جلالة الملك محمد السادس في خطاب تاسع أكتوبر 2020، الموجه للبرلمانيين، إلى إطلاق مشروع كبير لتعميم التغطية الاجتماعية لجميع المغاربة.
وتروم التغطية الاجتماعية، على صعيد عالمي، التأمين ضد المخاطر التالية؛ على المستوى الصحي: المرض، العجز عن الشغل وحوادث الشغل. وعلى المستوى العائلي، التعويض عن الأطفال وعن الأمومة فالتأمين على الشيخوخة المتعلق عادة بنظام التقاعد. فضلاً عن تأمينات على السكن وعن فقدان الشغل ولفائدة الشرائح الأكثر هشاشة.
وكان المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قد كشف في تقرير له عام 2018، عن أن ثلثي السكان النشطين في المغرب لا يشملهم نظام التقاعد، وحوالي النصف لا يستفيدون من التغطية الصحية. كما أن غالبية السكان النشطين لا يستفيدون من تأمين اجتماعي خاص ضد حوادث الشغل والأمراض المهنية.
الحجر الصحي
أعادت جائحة "كورونا" تداول مصطلح "الحجر الصحي"، الذي يرتبط على نحو وثيق بالأمراض المُعدية. وهو إجراء يتمثل في عزل أشخاص، حيوانات أو حتى نباتات، طيلة مدة معينة، حال الارتياب في إصابتهم بأمراض معدية، قصد منعهم من تمرير العدوى.
ويطلق على هذا الإجراء باللغات اللاتينية مصطلح "Quarantaine"، وترجمتها الحرفية إلى العربية هي "أربعينية". والسبب في ذلك راجع للقرن الرابع عشر، لدى انتشار الطاعون الأسود في أوروبا، بحيث كانت السفن الوافدة على الموانئ الأوروبية ترسو مدة 40 يوماً قبل السماح لأطقمها بالخروج إلى المدن، وذلك للتحقق من عدم تفشي الوباء ضمن ذلك الطاقم وإمكانية نقله إلى سكان تلك المدن.
التضامن الاجتماعي
التضامن من القيم السامية للإنسانية، وهو مرتبط بكون البشر من أكثر الكائنات اجتماعية على ظهر البسيطة. ويشكل التضامن عصب المجتمعات من خلال دعم أفرادها بعضهم البعض، لكنه صار في الآونة الأخيرة موضع نقاش كبير، خصوصاً مع تسيد النظام الرأسمالي العالم منذ بضعة قرون، وبشكل أكبر منذ انتهاء الحرب الباردة، كونه نظاماً اجتماعياً واقتصاديا يعلي قيمة الفردانية على حساب التكافل الاجتماعي.
ويعتبر السوسيولوجي الفرنسي، إميل دوركايم، أن "التضامن الاجتماعي" هو الرابط الأخلاقي الذي يوحد عدة أفراد ينتمون لمجموعة واحدة، ويضمن اللحمة الاجتماعية، وأنه لا يمكن لمجتمع أن يستمر دون أن يعبر أفراده عن التضامن بعضهم مع بعض.
كرست الجائحة الحاجة إلى التضامن الاجتماعي حين بينت هشاشة شق كبير من المجتمع المغربي، وحاجته للدعم من الفئات التي تعيش في وضعية مالية مريحة. وهكذا كان من بين أولى القرارات التي اتخذت لدى تفشي الوباء في البلاد؛ إحداث "صندوق تدبير جائحة كورونا"، والذي شهد منذ الوهلة الأولى مساهمة ثلة من أثرياء المملكة والشركات والموظفين والأجراء... ما مكن من توفير دعم حيوي للفئات الفقيرة.
كما اتخذت الحكومة المغربية تدبيراً في قانون المالية لعام 2021، يروم فرض "مساهمة تضامنية" على أرباح الشركات بنسبة 2,5 في المائة لتلك التي يتأرجح صافي ربحها ما بين 5 و40 مليون درهم، وبنسبة 3,5 في المائة على التي تفوق أرباحها الصافية 40 مليون درهم. كما ستفرض بنسبة 1,5 في المائة على المداخيل المهنية والفلاحية والعقارية للأشخاص الذاتيين، وعلى دخول الأجور الدخول المعتبرة في حكمها.
الدولة الراعية
الجائحة أعادت النقاش حول مفاهيم اقتصادية كبرى، لعل من أبرزها مفهوم "الدولة الراعية"، الذي أخذ في الانحسار تدريجياً، لاسيما منذ خروج المعسكر الغربي الرأسمالي منتصراً في الحرب الباردة. والذي أخذ يفرض منذ ذلك الحين تصوراته الليبرالية في شكل الدولة، التي تروم منح الخواص اليد الطولى في توفير الخدمات الأساسية، واستقالة الدولة من دورها في "رعاية" شعبها اجتماعياً.
موجة من الخوصصة شهدها العالم منذ ذلك الحين، ولم يشذ المغرب عن القاعدة، زحف "رأس المال" لم يتوقف حتى غدا يناضل للاستحواذ على آخر معاقل الدولة الخدماتية والمجسدة في الصحة والتعليم. لاسيما وأن المنظر الليبرالي آدم سميث؛ اعتبر أن الدولة يفترض ألا تتدخل في السوق، وأن تبقى خدماتها محصورة في الأمن وحماية الحدود.
لكن الخبراء يجمعون على أن هذه الأزمة أماطت اللثام عن الحاجة الملحة للخدمات العمومية، خاصة على مستوى القطاع الصحي الذي انتصب في جبهة المعركة ضد الجائحة. كما أعادت بعض السلوكات غير المواطِنة التي تم رصدها النظر في دور المدرسة العمومية في تأطير المواطنين.
المديونية
فاقم تراجع نمو الناتج الإجمالي الخام جراء الأزمة لجوء الدول للاقتراض، إذ أفادت تقارير بأن مستويات الديون في اقتصادات جد متقدمة سترتفع، كما هو الشأن بالنسبة للاقتصاد الإيطالي والياباني والبريطاني، اللذين توقعت وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني، أن يرتفع دينها بنحو 25 نقطة مئوية مقارنة بالناتج الداخلي الخام لكل منها. بينما ستسجل الولايات المتحدة وفرنسا وإسبانيا وكندا ونيوزيلندا قفزة بنحو 20 نقطة.
ولجأ المغرب إلى الاستدانة من السوق الدولية، حيث عمد إلى السحب من خط الوقاية والسيولة بقيمة 3 ملايير دولار، الذي كان أتاحه له صندوق النقد الدولي من أجل مواجهة الصدمات الناجمة عن الأزمة الخارجية، وطرح سندات بقيمة مليار يورو في السوق الدولي وأخرى بقيمة ثلاثة ملايير دولار.
واعتبر وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، محمد بنشعبون، أنه بالنظر للأثر السلبي المزدوج لتراجع النمو وارتفاع عجز الموازنة، فمن الطبيعي أن يرتفع دين الخزانة.
فيما طمأن والي بنك المغرب، عبد اللطيف الجواهري، إلى أن مستوى الدين بالمغرب مازال في حدود معقولة، وأن المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أوصت بعدم كبح الإنفاق العمومي في ظل أزمة "كورونا".
التعويض عن فقدان الشغل
التعويض عن فقدان الشغل أحد العناصر الأساسية في نظام الحماية الاجتماعية. ويعرف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي التعويض عن فقدان الشغل بكونه ذلك الإجراء الذي "يهدف إلى مرافقة الأجير الذي فقد عمله بشكل لا إرادي وانخرط في بحث جدي عن عمل جديد، حيث يضمن له تعويضا لفترة يمكن أن تصل إلى 6 أشهر. خلال هذه الفترة، يجب على الأجير أن يخضع لبرنامج إعادة التأهيل، إذا ما استدعى الأمر ذلك، من أجل إعادة إدماجه في سوق الشغل".
لكن آلية التعويض عن فقدان الشغل الجاري بها العمل في المغرب لم تكن تشمل عدداً كافياً من الذين يفقدون عملهم بسبب الشروط المكرهة التي يفترض توفيرها بالنسبة للراغب في الاستفادة من ذلك التعويض، وهو ما دفع الحكومة إلى الاتجاه نحو تليين شروط الاستفادة من التعويض عن فقدان الشغل، خصوصاً أن الأزمة الصحية تسببت في لجوء شركات على نحو متزايد لتسريح العمال.
إنعاش الاقتصاد
لم يسلم أي اقتصاد عالمي من فاتورة الجائحة والإغلاق الذي فرضته، ما فرض على القوى العمومية في كل الدول المتأثرة نهج سياسة (إنعاش الاقتصاد). وهي مجموعة من التدابير على مستوى السياسة الاقتصادية تروم تحفيز الاقتصاد في مرحلة الأزمة.
وعادة ما يكون رفع الإنفاق العمومي فوق المعدلات الاعتيادية عصب سياسة الإنعاش الاقتصادي، كما يمكن أن تتسم هذه الأخيرة بخفض قيمة بعض الضرائب أو إعفاء قطاعات منها... ما يتسبب عادة في تدهور الموازنة العامة.
وكان جلالة الملك، محمد السادس أعلن في خطابه الموجه للبرلمانيين في تاسع أكتوبر 2020، عن إطلاق خطة لإنعاش الاقتصاد الوطني بقيمة 120 مليار درهم، هدفها دعم القطاعات الإنتاجية، خصوصاً المقاولات الصغيرة والمتوسطة، ورفع قدرتها على الاستثمار وخلق فرص الشغل والحفاظ على مصادر الدخل.
وينتظر أن يتوزع مبلغ خطة الإنعاش الاقتصادي بين 75 مليار درهم على شكل قروض بنكية مضمونة، و45 ستضخ في صندوق محمد السادس للاستثمار، وهو الصندوق الذي سترصد له الحكومة 15 مليار درهم عبر الميزانية العامة للدولة.
ضمانة القروض
يُقصد بضمان القرض في المجال الاقتصادي، تعهد طرف ضامن بسداد قرض عن المقترض إذا ما تخلف أو عجز عن الدفع.
ويلعب "صندوق الضمان المركزي" هذا الدور في المغرب، كونه مؤسسة حكومية في حكم المؤسسات البنكية، دورها تحفيز المبادرة الخاصة عبر تشجيع خلق المقاولات وتطويرها و تحديثها. إذ يسمح الضمان الذي يقدمه الصندوق بالتغلب على عائق التمويل، عبر مواجهة النقص الحاصل في الضمانات، وذلك من خلال تقاسم المخاطر التي يتحملها البنك.
وكانت القروض المضمونة من بين القرارات التي اتخذتها السلطات العمومية من أجل الحد من الخسائر التي لحقت بالاقتصاد وإنعاشه بعد الحجر الصحي، فقد تم تعليق استيفاء ديون مستحقة، وأطلقت قروضا مضمونة من قبل صندوق الضمان المركزي في إطار ضمان "أوكسجين"، وانخرطت في تمويل المقاولات، في إطار "ضمان إقلاع" و"إقلاع المقاولات الصغيرة جدا".
هاجس الرقمنة
أدت الأزمة الصحية إلى دعوة المواطنين لتفعيل مبدأ "التباعد الاجتماعي" وخفض مستوى اللقاءات المباشرة إلى درجات دنيا درءً لتفشي الوباء. وهو ما منح مِصداقية قصوى للرقمنة أو "التحول الرقمي"، باعتبارها ضامنة لاستمرارية مجموعة من القطاعات الاقتصادية والخدمات الاجتماعية عن بعد، ودون الحاجة لوقوع اتصال جسدي مباشر بين أطراف العملية.
"التعليم عن بعد"، "العمل عن بعد" وغيرها مجموعة من الإجراءات التي فرضت اللجوء للتقنيات الرقمية الحديثة للاستعاضة عن الحضور الجسدي، فصار لزاماً على صناع القرار التفكير جدياً في الدفع بالرقمنة إلى الأمام.
وشدد محمد بنشعبون، وزير الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة، في حديث سابق على التحول الرقمي بالإدارات العمومية، واستغلال تكنولوجيا المعلومات والاتصال بغية رفع أداء المرفق العام والارتقاء به وتحسين جودة الخدمات العمومية وتقريبها من المواطن. كما ألحقت الحكومة التحول الرقمي بأولويات مشروع قانون المالية التعديلي، بحيث تراهن عليه لجذب المزيد من الاستثمارات الخارجية.
واعتبر رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، من جهته أن التحول الرقمي بات ضرورة قصوى وليس فقط اختيارا لتحقيق التنمية والالتحاق بركب الدول الصاعدة.
مقالات ذات صلة
مجتمع
اقتصاد
الأنشطة الملكية