مجتمع
الذكرى الـ25 لعيد العرش.. مبادرات ملكية لحماية الأسرة وتحقيق استقرارها
30/07/2024 - 09:41
مراد كراخي
تعتبر الذكرى الـ25 لعيد العرش مناسبة للوقوف على مبادرات جلالة الملك في مجال حماية الأسرة وتحقيق صلاحها واستقرارها، وفي هذا الإطار تستعد المملكة لاتخاذ خطوة جديدة في إصلاح مدونة الأسرة، وفق رؤية أمير المؤمنين، في أفق إعادة تحديد معالم مجتمع منسجم مع التطورات والتغيرات.
ويوم 28 يونيو 2024، أصدر أمير المؤمنين توجيهاته السامية للمجلس العلمي الأعلى، قصد دراسة المسائل الواردة في بعض مقترحات الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة، استنادا إلى مبادئ وأحكام الدين الإسلامي الحنيف، ومقاصده السمحة، ورفع فتوى بشأنها للنظر السامي لجلالته.
وجاءت هذه الإحالة، بعد انتهاء الهيئة المكلفة بمراجعة المدونة من مهامها داخل الأجل المحدد لها، ورفع مقترحاتها إلى النظر المولوي السامي، الذي اقتضى، بالنظر لتعلق بعض المقترحات بنصوص دينية، إحالة الأمر إلى المجلس العلمي الأعلى، الذي جعل منه الفصل 41 من الدستور، الجهة الوحيدة المؤهلة لإصدار الفتاوى التي تعتمد رسميا.
مدونة جديدة للأسرة في 2024
مكّن اعتماد المغرب لمدونة جديدة للأسرة سنة 2004 من تحقيق تقدم ملموس في مجال حقوق المرأة، مقارنة مع ما كان عليه الأمر في السابق، حيث كان لهذه المدونة أثر إيجابي ساهم في تطوير العقليات في مجال المساواة بين النساء والرجال.
وأدخلت هذه المدونة، عند اعتمادها، تغييرا كبيرا على مقتضيات "قانون الأحوال الشخصية"، والذي كان يبيح للرجل بتعدد الزوجات دون اشتراط موافقة روجته، كما كان حق المرأة في الطلاق مقيدا، إذ لم يكن مسموحا لها بالزواج دون موافقة الوصي.
ورفعت المدونة من الحد الأدنى لسن زواج النساء إلى 18 عاما عوض 15 عاما، لكن المادة 20 منها منحت للقاضي الحق في الموافقة على زواج القاصر في بعض الحالات، وألغت شرط موافقة الوصي القانوني على زواج المرأة، كما وضعت قيودا على تعدد الزوجات، ووسّعت حقوق المرأة في طلب الطلاق.
وبعد مرور حوالي 20 سنة على اعتماد هذا النص القانوني، ظهر أنه يتضمن عددا من النقائص. وهذا ما أكده جلالة الملك في خطاب عيد العرش، يوم 30 يوليوز 2022، حيث قال: "وإذا كانت مدونة الأسرة قد شكلت قفزة إلى الأمام، فإنها أصبحت غير كافية؛ لأن التجربة أبانت أن هناك عدة عوائق، تقف أمام استكمال هذه المسيرة، وتحول دون تحقيق أهدافها".
مدونة للأسرة وليست للمرأة أو للرجل
شدد جلالة الملك، في خطاب عيد العرش لسنة 2022، على ضرورة النهوض بوضعية المرأة وفسح آفاق الارتقاء أمامها، وإعطائها المكانة التي تستحقها، معتبرا أن مدونة الأسرة التي شكلت قفزة إلى الأمام عند اعتمادها سنة 2004، أصبحت غير كافية، "لأن التجربة أبانت أن هناك عدة عوائق، تقف أمام استكمال هذه المسيرة، وتحول دون تحقيق أهدافها".
ومن بين هذه العوائق، التي جاءت في خطاب جلالة الملك، عدم تطبيق المدونة بشكل صحيح لأسباب سوسيولوجية متعددة، "لاسيما أن فئة من الموظفين ورجال العدالة، مازالوا يعتقدون أن هذه المدونة خاصة بالنساء".
و"الواقع أن مدونة الأسرة، ليست مدونة للرجل، كما أنها ليست خاصة بالمرأة"؛ يقول جلالته في خطابه السامي، "وإنما هي مدونة للأسرة كلها. فالمدونة تقوم على التوازن، لأنها تعطي للمرأة حقوقها، وتعطي للرجل حقوقه، وتراعي مصلحة الأطفال"، يضيف جلالة الملك.
وشدد جلالة الملك على ضرورة التزام الجميع بالتطبيق الصحيح والكامل، لمقتضياتها القانونية، "كما يتعين تجاوز الاختلالات والسلبيات، التي أبانت عنها التجربة ومراجعة بعض البنود، التي تم الانحراف بها عن أهدافها، إذا اقتضى الحال ذلك"، وفق ما جاء في نص الخطاب.
وفي هذا الإطار، قال صاحب الجلالة: "وبصفتي أمير المؤمنين، وكما قلت في خطاب تقديم المدونة أمام البرلمان، فإنني لن أحل ما حرم الله، ولن أحرم ما أحل الله، لاسيما في المسائل التي تؤطرها نصوص قرآنية قطعية"، مشددا جلالته على ضرورة أن يتم هذا التعديل في إطار مقاصد الشريعة الإسلامية، وخصوصيات المجتمع المغربي، مع اعتماد الاعتدال والاجتهاد المنفتح، والتشاور والحوار، وإشراك جميع المؤسسات والفعاليات المعنية.
إشراك الجميع
خلال شهر شتنبر من السنة الماضية وجّه أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس، رسالة إلى رئيس الحكومة، من أجل العمل على ورش إعادة النظر في مدونة الأسرة، مع إسناد جلالته الإشراف العملي على إعداد هذا الإصلاح بشكل جماعي ومشترك، لكل من وزارة العدل والمجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة.
وبلغ عدد جلسات الاستماع التي خصصتها الهيئة المكلفة بمراجعة مدونة الأسرة للفعاليات المعنية بهذه المدونة أزيد من 130 جلسة؛ تم خلال هذه الاستماع لعدد من الجمعيات والأحزاب السياسية و12 هيئة مهنية و8 هيئات مهنية تعنى بمدونة الأسرة و13 مركز بحثي وخبراء مهتمين بجمعيات الأسرة، كما تم تنظيم لقاءات أخرى مع خبراء في إطار الاستعانة بأفكارهم وآرائهم، لا سيما في المجال الفقهي، وتم كذلك اعتماد عنوان إلكتروني لاستقبال المقترحات.
وجاءت الرسالة الملكية مواكبة لتطلعات الهيئات الحقوقية النسائية، في أفق تحيين الآليات والتشريعات الوطنية للنهوض بوضعية المرأة، وفق خديجة الروكاني، الفاعلة الحقوقية والمحامية بهيئة الدار البيضاء، التي أشارت في تصريح سابق لـSNRTnews، إلى أن الوقت قد حان لإجراء تغيير جدري على مستوى مدونة الأسرة والالتزام بتطبيق مقتضياتها.
وأوضحت الفاعلة الحقوقية أن إصلاح مدونة الأسرة يجب أن يهتم بإجراء تغيير جذري على مستوى الأسس التقليدية التي بنيت عليها؛ من قبيل المساواة في الزواج على مستوى الولاية على الأبناء، وكيفية تحديد النفقة بعد الطلاق، داعية إلى توسيع أدوار مؤسسة المساعدة الاجتماعية في هذا السياق.
وأضافت أن مسطرة الطلاق والتطليق تستوجب كذلك إعادة النظر بشكل جذري، لأن الكثير من الصيغ أصبحت متجاوزة، مثل الطلاق بالخلع، والطلاق الرجعي، والتطليق للغيبة، والتطليق للعيب، والتطليق للإيلاء والهجر...، داعية، في المقابل، إلى الاكتفاء بنوعين من الطلاق هما: الطلاق الاتفاقي، والطلاق بطلب من أحد الزوجين.
مطالب ملحة
أكدت خديجة هناء العمراني، رئيسة جمعية "ولادي"، والمحامية بهيئة الدارالبيضاء، أن رسالة جلالة الملك فتحت النقاش حول إعادة النظر في بعض مضامين مدونة الأسرة، التي تشوبها مجموعة من العيوب، مما يجعل بعض موادها "غير دستورية"، خصوصا مسألة إسقاط حضانة الأبناء عن المرأة في حالة الزواج، دون إسقاطها عن الرجل في نفس الحالة.
وأبرزت العمراني في تصريح سابق لـSNRTnews، أن هذه النقطة في مدونة الأسرة لا تتماشى مع المضامين التي جاء بها دستور 2011، والذي ينص الفصل 19 منه على أن الرجل والمرأة يتمتعان على قدم المساواة بالحقوق والحريات المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، وكذا في الاتفاقيات والمواثيق الدولية، التي صادق عليها المغرب.
وأكدت رئيسة جمعية "ولادي" أن مراجعة المادتين 173 و175 المتعلقتين بـ"شروط الحاضن" و"زواج الأم الحاضنة" تبقى مسألة ملحة خلال الفترة القادمة، بشكل يراعي عدم حرمان الطفل سواء من الأب أو الأم رغم طلاقهما.
وتابعت أن مسألة زواج القاصرات تبقى بدورها من النقاط ذات الأولوية القصوى التي يجب مراجعتها، مبرزة أنه يتعين حصر السن الأدنى للزواج في 18 سنة وإلغاء خاصية السلطة التقديرية، مبرزة أن ذلك غير كاف حيث أن العديد من الأشخاص يتحايلون على القانون عبر اللجوء إلى زواج "الفاتحة"، مما يتطلب وضع مساطر تجرّم الآباء في هذه الحالة.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
الأنشطة الملكية