فن وثقافة
خريف التفاح: تكريم للراحلة نعيمة المشرقي وتأمل في الإرث الإنساني
03/12/2024 - 19:20
جمال الخنوسي
هو فيلم لعب به القدر بشكل غريب، حيث أصبحت مسيرته الفنية مرآة للتقلبات غير المتوقعة التي قد تطرأ على حياة الإنسان كما الأعمال السينمائية. "خريف التفاح"، الذي حصد الجائزة الكبرى في المهرجان الوطني للفيلم بطنجة في مارس 2020 وسط زخم انتشار الجائحة اللعينة، يستعيد اليوم مكانته المستحقة في الدورة الحادية والعشرين للمهرجان الدولي للفيلم بمراكش. هذا العرض ليس مجرد عودة إلى الأضواء، بل هو اعتراف مستحق بقيمته الفنية التي جعلته يتجاوز حدود الظرف ليظل ثابتًا كأحد الأعمال السينمائية المغربية البارزة.
ما يجعل "خريف التفاح" جديرًا بهذه اللحظة هو كونه تكريم عميق لروح الراحلة نعيمة المشرقي، إحدى أعمدة السينما المغربية، حيث يمثل هذا الفيلم آخر بصمة تركتها على الشاشة. بالإضافة إلى ذلك، فإن البنية السردية المتقنة، والصور الشعرية التي يتميز بها محمد مفتكر، والأداء القوي للمثلين: فاطمة خير، وسعد تسولي.. يمنح الفيلم قيمة فنية جديرة بالاهتمام.
تدور أحداث الفيلم في قرية صغيرة، حيث يبدو أن الحياة تسير وفق إيقاع الفصول، وتصبح شجرة تفاح قديمة محور السرد، حيث تنسج روابط خفية بين الشخصيات ومصائرهم. من خلال استعارات بصرية ورمزية دقيقة، يقدم الفيلم تأملاً حول دورة الحياة، والجذور العائلية، والأسرار المدفونة التي تعود إلى السطح.
وتتناول القصة مواضيع رئيسية مثل الإرث، ونقل القيم والصدمات، والمصالحة مع الماضي. شجرة التفاح، التي ترمز إلى الأرض الخصبة والذاكرة الجماعية في آنٍ واحد، تتحول إلى أداة قوية للتعبير عنما يتركه كل جيل للأجيال القادمة.
ويتميز محمد مفتكر بأسلوب إخراجي شاعري ومؤثر في هذا العمل. يُبرز الخريف بألوانه الدافئة وتناقضاته الهادئة، مما يخلق أجواءً حزينة تتماشى بشكل مثالي مع موضوعات الفيلم. كما اعطى اهتماما كبيرا بالتفاصيل في الديكور والأزياء، مما يرسخ الفيلم في الواقع المغربي مع الحفاظ على بُعد خيالي. فتبدو شجرة التفاح، التي تكاد تكون شخصية مستقلة بحد ذاتها، محورية في السرد، مع استخدام الإضاءة لتجعلها رمزًا ملموسًا للحياة والموت.
واستخدم مفتكر الكاميرا بأسلوب شبه شعري، حيث تم تشكيل كل لقطة بعناية لتوصيل إحساس معين. أما الإضاءة الطبيعية فهي السائدة، مما يضيف أصالة ملموسة إلى المشاهد، خاصة تلك التي تم تصويرها في الهواء الطلق عند شروق الشمس أو غروبها. حيث يتميز إيقاع الفيلم بالبطء المتعمد، ما يتماشى مع التأمل الخريفي الذي يشكل جوهره.
ومقارنة مع أفلامه الطويلة، براق (2010): فيلمه الطويل الأول الذي فاز بالجائزة الكبرى للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة، والجائزة الكبرى لمهرجان السينما الإفريقية في خريبكة، والجائزة الكبرى لمهرجان السينما والتلفزيون الإفريقي في واغادوغو ببوركينا فاسو. وجوق العميين (2015)، أو أفلامه القصيرة ظل الموت ورقصة الجنين ونشيد الجنازة أو آخر الشهر، يستمر مفتكر في استكشاف آليات الذاكرة والهوية، ولكن هذه المرة بنبرة شعرية أكثر تأملية.
"خريف التفاح" فيلم يتطلب استعدادًا لخوض تجربة شعرية، يثبت فيها محمد مفتكر مرة أخرى قدرته على الجمع بين الجمال والتراجيديا، من خلال استكشاف بصري وموضوعي غني. قد لا يروق هذا الفيلم أولئك الذين يبحثون عن إثارة سريعة أو سرد واضح وخطي، لكنه يكافئ المشاهدين المستعدين للانغماس في سحر الخريف واستيعاب الاستعارات الدقيقة. إنه عمل يجسد جمال السينما التي لا تكتفي بسرد قصة، بل تدعو إلى تأمل حقيقي في الكينونة والزمن.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة