اقتصاد
الخط السككي "LGV".. محطة جديدة في مسار المغرب نحو النقل النظيف
27/04/2025 - 22:02
خولة ازنيزني
يواصل المغرب ترسيخ مكانته كدولة إفريقية رائدة في مجال الانتقال الطاقي المستدام، من خلال تنويع مصادر الطاقة والرفع من حصة الطاقات المتجددة، بما يضمن أمنه الطاقي ويحمي بيئته ويواكب التحديات المناخية العالمية.
وقد ترجم هذا التوجه إلى مشاريع عملاقة، مثل محطة "نور" بورزازات للطاقة الشمسية، ومزارع الرياح الممتدة من طرفاية إلى تطوان، والرهان المتزايد على الهيدروجين الأخضر، بهدف تجاوز 52% من إنتاج الكهرباء من مصادر متجددة بحلول سنة 2030.
هذا الخيار الاستراتيجي لم يقتصر على قطاع إنتاج الطاقة فقط، بل بدأ ينعكس تدريجيا على مختلف القطاعات المرتبطة بالحياة اليومية، وفي مقدمتها قطاع النقل. فبعد تجربة "البراق"، يستعد المغرب لمرحلة جديدة في مشروعه الطموح نحو نقل سككي نظيف، بإطلاق خط LGV جديد يربط القنيطرة بمراكش على مسافة تناهز 430 كيلومترا، في إطار رؤية شاملة لربط الشمال بالجنوب، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز الاستدامة البيئية.
يعد الخط الجديد، الذي يمر عبر محطات كبرى مثل الدار البيضاء والرباط، ثاني تجربة من نوعها بعد قطار "البراق" الفائق السرعة الرابط بين طنجة والدار البيضاء، والذي يشتغل بالكهرباء النظيفة منذ سنة 2022، حيث يؤكد المكتب الوطني للسكك الحديدية أن هذا المشروع سيعتمد بدوره على الكهرباء المولدة من مصادر نظيفة، ضمن استراتيجية تروم تقليص البصمة الكربونية للنقل السككي، وتوفير بدائل تنقل أكثر استدامة. ويأتي هذا التوسع ليعزز الطموحات البيئية للمكتب الوطني للسكك الحديدية، في ظل تسجيله متوسطا لانبعاثات غازات دفيئة أقل بـ25 إلى 30% مقارنة بوسائل النقل الأخرى.
نقل نظيف بأهداف دقيقة
بحسب معطيات المكتب الوطني للسكك الحديدية، فإن تشغيل الخط الرابط بين الدار البيضاء وطنجة بالكهرباء النظيفة ساهم وحده في تقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بحوالي 50 ألف طن سنويا. ومع تعميم استعمال الطاقة الخضراء على باقي الخطوط الكهربائية، يُتوقع أن يصل حجم الانخفاض في الانبعاثات إلى 120 ألف طن سنويا، أي ما يعادل زراعة 8 ملايين شجرة أو سحب 40 ألف سيارة من الطرق.
واعتمد المكتب على مصادر متجددة لتغذية شبكة القطارات، من ضمنها محطات إنتاج الطاقة الشمسية والريحية. وهي خطوة تندرج ضمن مخطط "ONCF Éco-mobilité"، الذي يهدف إلى تحقيق الحياد الكربوني بحلول 2030، خاصة في ظل ارتفاع الطلب على التنقل المستدام والضغط المتزايد على البنيات التحتية التقليدية.
في هذا السياق، يتحدث الخبير الطاقي محمد بوحميدي عن كيفية مساهمة الاستثمار في السكك الحديدية النظيفة في تعزيز استقلال البلاد طاقيا؛ إذ يجمع بين تسريع وتيرة التنمية وتقليص التبعية الطاقية، في وقت يسعى فيه المغرب إلى أن يصبح مركزا إقليميا لإنتاج وتصدير الطاقات المتجددة، خاصة الهيدروجين الأخضر، وترسيخ موقعه كأول بلد إفريقي يعتمد بالكامل على الطاقة الخضراء في تشغيل شبكة القطارات الكهربائية.
وقال بوحميدي، في تصريح لـSNRTnews: "إن مشروع الخط السككي الجديد الذي سيربط القنيطرة بمراكش، على غرار خط البراق، لا يكتفي بتوفير وسيلة نقل عصرية وسريعة، بل يعد كذلك خطوة استراتيجية في مسار النقل منخفض الكربون، بفضل اشتغاله بالطاقة النظيفة، واعتماد تقنيات حديثة، واقتناء قطارات صديقة للبيئة، مع معدل إدماج صناعي محلي يرتكز على معايير الاستدامة".
وأشار إلى توجه المغرب نحو تقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري، خاصة في قطاع الطاقة الريحية، حيث شهد زيادة هائلة في القدرة المركبة، التي ارتفعت من 1.898 غيغاواط في 2023 إلى 2.368 غيغاواط في 2024.
وأكد بوحميدي أن المغرب يواجه تحديات طاقية مهمة، موضحا: "نواجه حاليا صعوبة في تخزين الطاقة المتجددة بسبب تكلفتها العالية، لكننا بدأنا في تعزيز قدراتنا على التخزين عبر مشاريع مثل الهيدروجين الأخضر، الذي يمكن تخزينه واستخدامه في الأوقات التي تكون فيها الطاقة المتجددة فائضة، ما سيساعد في ضمان استمرارية تزويد الطاقة النظيفة في جميع الأوقات".
ويضيف: "ما يميز توجه النقل السككي هو الاستفادة من الطاقة المتجددة في تشغيل القطارات، لا سيما وأنها تعمل في الغالب خلال النهار، مما يتيح الاستفادة المباشرة من الشمس والرياح، باعتبارها متوفرة في المغرب ومن المصادر المثالية لتلبية احتياجات هذا القطاع. وفي هذا السياق، نلاحظ أن القطارات المغربية تُزود بالكهرباء بشكل كامل، وهذا يُعد خطوة هامة نحو تحقيق الاستدامة في قطاع النقل".
نحو حياد كربوني في قطاع النقل
من جهته، يرى أمين بنونة، خبير طاقي، أن المغرب أصبح من الدول السباقة في تبني الطاقات المتجددة كمحرك أساسي لتحقيق الاستقلال الطاقي وضمان أمن الطاقة. ويعود هذا التوجه، حسب رأيه، إلى الحاجة الملحة لتقليل الاعتماد على الطاقة الأحفورية، بعدما تجاوزت نسبة الاستيراد حوالي 90% من الاحتياجات الطاقية، وهو ما دفع المملكة إلى الاستثمار بشكل مكثف في الطاقات النظيفة.
ويفيد بنونة، في تصريحه لـSNRTnews، بأن قطاع الطاقة المتجددة يشكل نحو 26,4% من مزيج الكهرباء الوطني، مع طموح لرفع هذه النسبة إلى 52% بحلول عام 2030.
وفي ما يخص النقل السككي، يعكس "البُراق" رؤية المغرب في دمج الطاقات المتجددة في قطاع النقل، من خلال الاستفادة من الكهرباء المولدة من مصادر نظيفة. كما أن مشروع الخط فائق السرعة بين القنيطرة ومراكش يترجم فعليا هذا التحول. وأضاف: "نحن نعلم أن القطارات تستهلك كميات كبيرة من الكهرباء، وهذا يشكل تحديا من حيث توفير الطاقة المطلوبة بشكل مستدام، ولكن مع الاعتماد على الطاقات المتجددة يمكن تقليص الفاتورة الطاقية بشكل كبير".
ويفسر بنونة أن ما يُميز هذا التحول الطاقي هو سرعة وتيرة التنفيذ، وهو ما تجلى في الزيادة في قدرة طاقة الرياح من 1.898 غيغاواط في 2023 إلى 2.368 غيغاواط في 2024، إذ تضع هذه الزيادة المغرب في صدارة القارة الإفريقية، جنبا إلى جنب مع مصر، في مجال طاقة الرياح.
ويختم مشددا: "لقد قطعنا شوطا كبيرا في مجال الطاقة المتجددة، ونتوقع أن يستمر هذا التقدم بفضل المشاريع الكبرى التي يتم إنجازها، وهو ما يعكس التزام المغرب بتحقيق أهدافه البيئية الطموحة والمساهمة في تقليل الانبعاثات الكربونية على المستوى العالمي".
مقالات ذات صلة
سياسة
رياضة
اقتصاد
اقتصاد