مجتمع
التسول الإلكتروني .. احتيال مقنع بثوب الإنسانية
03/07/2025 - 22:31
مراد كراخي
تحول مشهد التسول في المغرب، خلال السنوات الأخيرة، من ظاهرة اجتماعية تقليدية إلى مجال خصب لأساليب احتيالية جديدة، اتخذت من الفضاء الرقمي ساحة مفتوحة للنصب واستغلال تعاطف المواطنين. فلم يعد المتسول يكتفي بالجلوس على الأرصفة أو الوقوف عند إشارات المرور، بل أصبح ينشط بكثافة على منصات التواصل الاجتماعي.
ومع الانتشار الواسع للهواتف الذكية ومواقع التواصل، برز نوع جديد من "المتسولين الرقميين" الذين يعرضون حالات مفترضة من خلال منشورات وفيديوهات، غالبا ما تتضمن صور أطفال مرضى أو أشخاص في أوضاع مأساوية، مرفقة بأرقام هواتف أو حسابات بنكية. وتقوم بعض هذه الصفحات بجمع التبرعات دون أي إطار قانوني، ودون التحقق من صحة الحالات المعروضة.
وفي هذا السياق، كشف وزير العدل، عبد اللطيف وهبي، خلال جلسة الأسئلة الشفهية بمجلس النواب يوم الاثنين 30 يونيو 2025، أنه في سنة 2020، تمت إحالة 6128 قضية تتعلق بالتسول على أنظار محاكم المملكة، أدين فيها 6525 شخصا.
وأوضح الوزير أن التسول على مواقع التواصل الاجتماعي لا يختلف عن التسول في الشارع العام، فكلاهما سلوك يعاقب عليه القانون، مؤكدا أن الخطورة تكمن في اقتران التسول الرقمي بجريمة النصب، من خلال تقديم بيانات ومعطيات كاذبة للحصول على المال.
تطور ماكر للاحتيال
يرى نبيل الصافي، الباحث في علم الاجتماع، أن ظاهرة التسول تشهد تحولا وانتشارا ملحوظا في ظل هيمنة الإنترنت، حيث لم يعد المتسول بحاجة إلى الاتصال المباشر مع الناس، مما سهل التلاعب بمشاعرهم عبر فبركة قصص إنسانية واستغلال منصات التواصل لجني الأموال.
وأكد الصافي، في تصريح لـSNRTnews، أن المقلق في الأمر أن العديد من هذه المنشورات يديرها محترفون في النصب، يستخدمون صورا مسروقة من الإنترنت، أو يختلقون روايات زائفة عن أمراض نادرة أو عمليات مستعجلة.
وأشار إلى أن المحتالين يعتمدون على رسائل مفبركة، وصور مؤثرة، وحسابات مزيفة تنشر قصصا حزينة عبر مواقع التواصل وتطبيقات التراسل الفوري، ما يدفع الضحايا إلى تقديم تبرعات مالية، معتقدين أنهم يساهمون في مساعدة أشخاص في أوضاع حرجة، بينما تذهب الأموال في الواقع إلى جيوب المحتالين.
وسجل الصافي أن العديد من المواطنين يعانون من ضعف "الوعي الرقمي"، مما يجعلهم فريسة سهلة لمثل هذه الأساليب، خاصة حين يتم توظيف الدين أو القيم التضامنية لجعل التسول الرقمي يبدو وكأنه "عمل خيري".
ولمواجهة هذه الظاهرة، شدد المتحدث على أن الوعي الفردي يشكل خط الدفاع الأول، مبرزا أهمية إدراك أن التعاطف الإنساني لا يجب أن يتحول إلى دعم مالي عشوائي.
كما دعا إلى الإبلاغ عن أي محتوى مشبوه يطلب التبرعات، وتجنب مشاركة أو إعادة نشر القصص غير الموثقة، تفاديا للمساهمة، عن غير قصد، في جرائم النصب الرقمي.
ماذا يقول القانون؟
قال ياسين عسيلة، المحامي بهيئة الدار البيضاء، أن القانون المغربي يجرم التسول، حيث يعاقب بالحبس من شهر إلى ستة أشهر كل من اعتاد التسول رغم قدرته على العمل أو كسب العيش بوسائل مشروعة، فيما يعاقب من يستخدم الأطفال في التسول بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين.
وأوضح عسيلة، في تصريح لـSNRTnews، أنه في ظل التداخل المتزايد بين التكنولوجيا ومختلف مظاهر الحياة، لم تعد ظاهرة التسول حكرا على الشوارع والأرصفة، بل انتقلت، بكل مكر ودهاء، إلى الفضاء الرقمي، حيث يستخدم "المتسول الجديد" القصص الإنسانية وسيلة للربح، والضغط النفسي والعاطفي أداة للابتزاز.
وأشار إلى أن القانون الجنائي المغربي يتضمن أحكاما زجرية لتجريم التسول، خاصة إذا اقترن بالاحتيال أو استغلال الأطفال، لكنه تأسس على تصورات تقليدية. أما المتسول الرقمي، فلا يحتاج سوى إلى هاتف وحساب على منصة اجتماعية.
وتابع أن الفصل 540 من القانون الجنائي يجرم النصب القائم على الاحتيال وتزييف الوقائع، وهو كاف، نظريا، لتجريم هذه الظاهرة، لكن الإشكال يكمن في أدوات الإثبات الرقمي، ومدى فعالية أجهزة الرقابة.
ويشير هذا الفصل إلى أنه "يعد مرتكبا لجريمة النصب، ويعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من 500 درهم إلى 5 آلاف درهم، من استعمل الاحتيال ليوقع شخصا في الغلط بتأكيدات خادعة أو إخفاء وقائع صحيحة أو استغلال ماكر لخطأ وقع فيه غيره ويدفعه بذلك إلى أعمال تمس مصالحه أو مصالح الغير المادية بقصد الحصول على منفعة مالية له أو لشخص آخر".
ويرى المتحدث ذاته أن الوضع الراهن يتطلب مراجعة المنظومة القانونية لتشمل الأساليب المستجدة، مثل إنشاء شخصيات وهمية باستخدام الذكاء الاصطناعي، أو اللجوء إلى العملات الرقمية في التحويلات، مع ضرورة تعزيز آليات الرقابة الرقمية، وتطوير أدوات للرصد التلقائي باستخدام الذكاء الاصطناعي لرصد الحسابات المشبوهة.
مقالات ذات صلة
تكنولوجيا
تكنولوجيا
مجتمع
مجتمع