فن وثقافة
فاطمة الكحولي.. من قيادة الشاحنات وسيارات الأجرة إلى صون رقصة الأفعى
08/07/2025 - 17:47
خولة ازنيزني | أيوب محي الدينعلى خشبة قصر البديع التاريخي بمراكش، امتزج عبق التاريخ بأصداء الموسيقى الشعبية، ومع انبلاج أضواء الخشبة، تعالت الإيقاعات الموسيقية معلنة دخول فرقة "ميزان هوارة"، بقيادة الفنانة فاطمة الكحولي، إحدى أبرز الأصوات النسائية في الفنون الشعبية، التي ساهمت في تقديم فن ميزان هوارة بلغة الجسد والصوت والإيقاع.
مرتدية زيها التقليدي الأصيل، شرعت الفنانة في أداء أول مواويلها، التي تنضح بحب الحياة وقيم التآزر الأسري والاجتماعي. رقصت على إيقاعات فرقتها، وأدت قفزاتها الشهيرة التي دأبت عليها منذ العشرينيات من عمرها، وهي التي جابت العالم لتعريف الجمهور برقصات هوارة.
تنوعت أغانيها بين العربية والأمازيغية، في تجسيد حي لتعدد الروافد الحضارية للثقافة المغربية، مقدمة عروضا غنية ومتماسكة رغم بساطة الآلات المصاحبة، وكأن كل تفصيلة فيها تتنفس من ذاكرة جماعية ضاربة في الزمن.
وفية لفن ترعرعت بين إيقاعاته منذ الطفولة، تكرس فاطمة الكحولي، من خلال حضورها في دورات المهرجان الوطني للفنون الشعبية، فكرة أن بعض الفنون تعيش بمن يحملها.
وتقول الفنانة المعروفة فنيا بـ"فاطمة الشلحة"، والتي راكمت تجربة فنية تزيد عن خمسين عاما متنقلة بين مهرجانات عالمية، إن "الفنان الشعبي يؤدي رقصاته في لحظة فرح صادق، ويحيك بخيوط دقيقة توازنا بين القول الجمالي والتعبير الجسدي، ليقدم لوحة ترضيه وترضي جمهوره".
وفي حديثها لـSNRTnews، تحدثت عن الخصوصية الفنية لفرقة "ميزان هوارة"، مبرزة أنها جاءت من عمق منطقة هوارة، محملة بتراث لا يروى فقط بالكلمات، بل يجسد بالحركات، والإيماءات، والإيقاعات.
خلال العرض، بدأت الفنانة بتأن مدروس في التمايل كما لو أنها تستحضر روح الأفعى من جوف الأرض، فجسدها المرن كان يلتف بدقة متناهية حول نفسه، منسجما مع إيقاع الدفوف، بينما تعالت الزغاريد من بين الجمهور، ممزوجة بتصفيق إيقاعي يشبه نبضا جماعيا، إذ لم يعد الجمهور مجرد متلق، بل صار شريكا في الطقس.
تداخلت الألحان مع وقع الأقدام على الخشبة، فبدت الحركات كأنها ترجمة جسدية لحكاية شعبية متجذرة في الذاكرة الشفوية لهوارة؛ وهي حكاية امرأة تواجه الأفعى، لا لتقتلها، بل لتروضها، فتغدو رمزا للقوة والصبر وتجاوز المخاطر.
لم تكن الرقصة استعراضا حركيا فحسب، بل كانت ترسيخا لجوهر الفن الشعبي المغربي، ونصا بصريا حيا يحكي دور النساء في الماضي، كحارسات للطقوس الجماعية وناقلات للذاكرة الحية، خارج الكتب والمتاحف، والمتمثلة في الجسد، والصوت، والحركة.
وأشارت، في هذا السياق، إلى أن الحفل الهواري ينبني على متوالية إيقاعية دقيقة، تتضمن عناصر مثل "التقصاد"، و"الخرطة"، و"المايا" و"الكلبة".
وأبرزت أن المرأة في قبيلة هوارة كانت تحظى بمكانة متميزة، أكثر من مثيلاتها في قبائل أخرى، ولذلك فهي تتصدر الرقصة وتتحكم في مجرياتها، باعتبارها بطلتها ومحورها.
وترجع فاطمة الكحولي تسمية "ميزان هوارة" إلى لفظ "المهاورين" أي "الناشطين"، في إشارة إلى التوازن الإيقاعي بين حركات الأرجل، والدف الصغير، وحركة الأيدي والجسد، ما يخلق توازنا وتناغما خاصا، يتجلى خصوصا حين يراقص الرجل المرأة في تناغم فني متقن.
ويتمثل عمق هذا اللون الفني أيضا في محافظته، مثل بقية الفنون الشعبية، على اللباس التقليدي للرجال والنساء، مؤكدة أن الأمر لا يتعلق بالشكل فحسب، بل بروح الزي ودلالته الثقافية.
أما رقصة الأفعى، وفق ما تحكيه الفنانة، فهي مستلهمة من حكاية شعبية تقول إن أفعى كانت تهاجم الحقول وتثير فزع النساء والأطفال، ما اضطر السكان إلى البحث عن حل عبر ترويضها، من خلال أحد "العيساويين"، الذي بدأ بمراقصتها بالبندير، إلى أن خلص القبيلة من خطرها بحركات موزونة ومتناغمة.
بين الفن وقيادة الشاحنات وسيارات الأجرة
ورغم أن فاطمة الكحولي تعد اليوم إحدى أبرز رموز فن هوارة، فإنها تؤكد أن طريقها لم يكن مفروشا بالورود، إذ مازالت تذكر بداية مشوارها الفني والمناهل التي شربت منها أصول هذا الفن الذي عشقته منذ نعومة أظافرها، بعد أن حضرت منطقة أولاد تايمة، وتعلمته خلال فترة الستينات، وعمرها لا يتجاوز 14 سنة، مع شيوخ الفن الهواري.
إلا أنها في إحدى مراحل حياتها، وبعد مرض زوجها، اضطرت إلى قيادة الشاحنات لمدة سنيتن، لتأمين قوت الأسرة واشتغلت في الطرق الرابطة بين أولاد برحيل، وتالوين، وتارودانت وأولاد تايمة.
كانت أيضا من أوائل النساء اللواتي قدن سيارات الأجرة في المغرب، قبل أن تقرر العودة إلى مجالها الحقيقي: وهو الفن، مقتنعة أن مكانها يوجد على منصات التظاهرات الثقافية.
أسست فاطمة الكحولي سنة 1982 فرقة "ميزان هوارة"، وسعت من خلالها إلى ترسيخ هذا الموروث لدى الأجيال الشابة، مقدمة عروضا داخل المغرب وخارجه، في بلدان مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وفرنسا، وألمانيا، وكندا، المكسيك، ودول عربية كسلطنة عمان، والإمارت العربية المتحدة.
ورغم أنها فكرت أكثر من مرة في الاعتزال، تقول إنها تعود في كل مرة بدافع داخلي قوي حين يُنادى عليها، معربة عن أملها في أن تُنقل هذه التجربة الفنية إلى الأجيال المقبلة، من خلال التكوين والتأطير.
كما عبرت عن امتنانها لهذا الفن، حيث ختمت حديثها قائلة: "الفن الهواري منحني الحب، وعرفني على بلدان وشخصيات، وأتاح لي الاطلاع على ثقافات متنوعة. إنه فن يرسخ الانتماء، ويغني الذاكرة الوطنية".
وختمت "فاطمة الشلحة" عرضها على خشبة قصر البديع، وهي تنحني احتراما للجمهور، لكنها تركت خلفها تأكيدا على عمق الفنون الشعبية المغربية، وأن رقصة الأفعى، بكل ما تحمله من رمزية، لا تزال تجد لها مكانا في القلب، وفي الذاكرة، وفي مستقبل فنون المغرب.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة