مجتمع
من قطرات نقية إلى مكعبات متلألئة .. هكذا يتم إنتاج الثلج بالمغرب
14/08/2025 - 18:52
وئام فراج | حمزة باموداخل أحد المصانع الحديثة لإنتاج الثلج الغذائي بالدار البيضاء، تتحرك الآلات في إيقاع منظم لتصنع البرودة وسط حرارة الطلب المتزايد في فصل الصيف. هنا يتم تحويل الماء إلى منتج استراتيجي لا غنى عنه في الأسواق المغربية، سواء في المطاعم والفنادق أو في محلات بيع السمك أو بالمراكز التجارية.
تنطلق رحلة صناعة الثلج من خزانات ضخمة للمياه، حيث تخضع كل قطرة لعمليات تنقية متعددة المراحل. يتم ترشيح الماء لإزالة الشوائب، ثم تعقيمه للتخلص من البكتيريا وفق معايير السلامة الغذائية. الهدف هو ضمان نقاء تام، لأن جودة الثلج تبدأ من جودة الماء نفسه، وفق ما أكده عمر بياض، مورد وصاحب شركة لإنتاج وتوزيع الثلج.
برودة لا تنقطع
بعد التنقية، يوجه الماء نحو آلات تبريد صناعية تعمل بدرجات حرارة منخفضة جدا، يضيف بياض، في تصريح لـSNRTnews، ليتم بعد ذلك تحويله إلى أشكال متعددة من الثلج؛ من بينها مكعبات صغيرة للمشروبات والمطاعم، ورقائق الجليد المخصصة لتبريد الأسماك في الأسواق والموانئ.
يُخزن الثلج في درجات حرارة تتراوح بين ناقص 10 وناقص 18 درجة للحفاظ على جودته، قبل أن ينقل في شاحنات مبردة. يوضح بياض أن أي تأخير أو انقطاع كهربائي قد يتسبب في خسائر فادحة، لأن الثلج الذائب لا يمكن إعادة تجميده دون إعادة مسار التنقية من جديد، مضيفا أنهم أحيانا يعيدون استغلال الثلج المذاب لتسريع الإنتاج بماء بارد.
يشهد سوق الثلج انتعاشا ملحوظا خلال فصل الصيف بالنظر لتزايد الطلب، ويؤكد بياض أن الإقبال على هذا السوق يتضاعف ست مرات مقارنة بالأيام العادية، لهذا يعتبره مهنيو القطاع الموسم المثالي لتحقيق أكبر نسبة من المبيعات.
ثلاثة أنواع ومراقبة مستمرة
ينتج هذا المصنع ثلاثة أنواع من الثلج الأساسية وهي الثلج الغذائي ورقائق الثلج والثلج الجاف.
ويصل معدل الإنتاج اليومي من الثلج الغذائي الموجه للمطاعم والمقاهي والفنادق ومموني الحفلات، داخل هذا المصنع، إلى 10 أطنان، ويتم بيعه بثمن يتراوح ما بين 4 و6 دراهم للكيلوغرام الواحد.
أما رقائق الثلج (Glace écaille) المخصصة للحفاظ على طراوة السمك، يقول بياض، تحظى بأكبر معدل إنتاج يصل إلى 40 طن يوميا، بسعر يتراوح بين 500 و600 درهم للطن، مشيرا إلى أنها موجهة خصوصا لسوق السمك الهراويين وميناء الصيد البحري بالدار البيضاء.
فيما يتم إنتاج "الثلج الجاف" (Glace carbonique)، المخصص لنقل الأدوية واللقاحات ولتزيين الحفلات والمهرجانات، حسب الطلب، بكمية لا تتجاوز 200 كلغ يوميا، وبسعر يتراوح بين 80 و100 درهم للكيلوغرام. ويشير بياض إلى أنه أغلى أنواع الثلج التي يتم إنتاجها بالنظر لكونه لا يعتمد على الماء، بل على الغاز الغذائي CO₂ الذي يتم ضغطه ليتحول من الغاز إلى سائل.
ويؤكد صاحب ومسير المصنع أن عملية الإنتاج تخضع لمراقبة مستمرة من طرف مختبر خاص يقوم كل أسبوع بأخذ عينة من الماء لفحصه والحرص على احترامه معايير السلامة الصحية والجودة.
"هنا، لا مجال لأي تهاون في الحفاظ على البرودة. يتم تخزين الثلج داخل غرف تبريد عملاقة بدرجات حرارة ثابتة تمنع ذوبانه، مع مراقبة مستمرة للرطوبة والنظافة"، يقول بياض.
سباق مع الزمن
من باب المصنع، تنطلق شاحنات مبردة لتوزيع المنتج على مختلف نقاط البيع. عامل الوقت حاسم هنا، فكل دقيقة مهمة للحفاظ على سلامة الثلج ونقائه حتى يصل للمستهلك النهائي. عملية يشرف عليها إبراهيم أفوناس مسؤول عن سيرورة إنتاج الثلج بالمصنع، واليد اليمنى لعمر بياض.
"العمل في صناعة الثلج شاق جدا.. يقوم العمال بجمع وحمل الثلج بأنفسهم ليلا نهارا لتلبية حاجيات السوق"، يقول إبراهيم في تصريح لـSNRTnews، مضيفا أن الفترة النهارية تخصص لتلبية حاجيات المراكز التجارية ومحلات المثلجات والمطاعم والفنادق وغيرها فيما يكمن الجهد المضاعف في العمل الليلي الذي تتم فيه تلبية حاجيات سوق السمك بالدار البيضاء.
وسط هذا المشهد البارد، تظل أيادي العمال دافئة بالجهد والتفاني. يلخص ذلك إبراهيم، الذي يعمل وسط درجات حرارة تحت الصفر، بالقول: "في البرد تكون المشقة مضاعفة، لكننا نعرف أن كل مكعب يصل للمستهلك هو ثمرة عملنا".
سوق واعد رغم التحديات
رغم أن سوق الثلج في المغرب يشهد طلبا يفوق العرض، خاصة في موسم الصيف، إلا أن عمر بياض يشير إلى وجود تحديات مازالت تواجه الموردين خصوصا أصحاب المقاولات الناشئة؛ على رأسها كلفة الاستثمار العالية، وغلاء معدات العمل، وندرة التقنيين المؤهلين، فضلا عن احتكار بيع الثلج داخل أسواق السمك.
وأكد بياض أن الاحتكار يحد من ولوج عدد من الموردين إلى سوق السمك، داعيا الجهات الوصية على القطاع إلى الحصول على بعض الرخص التي تمكن من تيسير الولوج إلى هذه الأسواق لتلبية الطلب المتزايد على الثلج في السوق المغربية.
بين قطرات ماء نقية وآلات تبريد صاخبة، تنسج صناعة الثلج الغذائي في المغرب مسارا دقيقا، فهي ليست مجرد تجميد للماء، بل منظومة متكاملة تبدأ من قطرة ماء نقية وتنتهي بمكعبات ورقائق تبرد حياة المغاربة وتنعش أسواقهم.
مقالات ذات صلة
مجتمع
اقتصاد
عالم
اقتصاد