مجتمع
مندوبية التخطيط: تحولات سكانية هيكلية تقتضي إعادة النظر في السياسات العمومية
29/09/2025 - 15:02
وئام فراج
كشفت المندوبية السامية للتخطيط عن تحولات عميقة يشهدها المغرب، تفرض تحديات هيكلية، وتفتح في الوقت نفسه آفاقا لتفعيل النموذج التنموي الجديد. وتهم هذه التحولات بالأساس تباطؤ معدلات الخصوبة، وارتفاع أمد الحياة، وتسارع وتيرة التمدن، وتقلص حجم الأسر.
وقدمت المندوبية، في تقرير حديث حول "الدينامية الديموغرافية وانعكاساتها على السياسات العمومية"، قراءة أولية لأبرز الانعكاسات المترتبة عن الدينامية الديموغرافية الراهنة. وترتكز هذه القراءة على معطيات الإحصاء العام للسكان والسكنى 2024، مدعومة بإسقاطات سكانية تمتد إلى أفق سنة 2040.
تراجع معدل الخصوبة
وتهدف هذه القراءة، التي تأتي انسجاما مع التوجهات الملكية السامية الواردة في خطاب عيد العرش الأخير، إلى تسليط الضوء على التغيرات الديمغرافية الراهنة، مشيرة إلى أن التراجع المستمر في الخصوبة، وشيخوخة الساكنة، وتسارع التمدن وإعادة تشكل البنيات الأسرية كلها عوامل تستدعي إعادة النظر في السياسات العمومية، خاصة في ميادين الصحة والتعليم والتشغيل والسكن والحماية الاجتماعية والتهيئة المجالية.
وحسب معطيات التقرير، تراجع معدل الخصوبة من 7,2 أطفال لكل امرأة سنة 1960 إلى 1,97 طفل سنة 2024، في حين ارتفع معدل أمد الحياة من 47 سنة إلى 76,4 سنة خلال الفترة نفسها.
ويعزى ذلك إلى تطور التعليم، وتزايد استعمال وسائل منع الحمل، وتأخر سن الزواج، فضلا عن تحسن ظروف العيش والتقدم الصحي.
كما أبرزت المندوبية السامية للتخطيط أن عدد سكان المغرب ارتفع من 11,6 مليون نسمة سنة 1960 إلى 36,8 مليون نسمة سنة 2024، ومن المتوقع أن يبلغ حوالي 40,5 مليون نسمة في أفق 2040.
ورغم هذا الارتفاع، يشير التقرير إلى تباطؤ النمو الديموغرافي، حيث تراجع المعدل من 2,6 في المائة في السبعينيات إلى 0,85 في المائة حاليا، ومن المرتقب أن ينخفض إلى 0,6 في المائة في أفق 2040.
انقلاب تدريجي في هرم الأعمار
أكدت المندوبية أن هذا الانتقال الديمغرافي يفضي إلى تحول عميق في البنية العمرية للسكان، يتمثل في انقلاب تدريجي لهرم الأعمار، ويتجسد ذلك، وفق معطيات التقرير، في الارتفاع النسبي لعدد السكان في سن العمل مقارنة بالفئات المعالة مثل الأطفال والمسنين، مما يخلق إمكانية لتحقيق نمو اقتصادي.
وتشير الإسقاطات الديمغرافية أن فئة الشباب دون 15 سنة ستتراجع من 9,76 مليون (26,5%) سنة 2024 إلى 7,8 ملايين (19,2%) سنة 2040. أما كبار السن (60 سنة فأكثر)، فسيرتفع عددهم من 5 ملايين (13,8%) إلى 7,9 ملايين (19,5%)، بزيادة تناهز 58%.
وفي المقابل، سترتفع الفئة النشيطة (15–59 سنة) من 22,1 مليون إلى 24,8 مليون، ما يفتح ما يُعرف بـ"نافذة الفرصة الديموغرافية"، وهي فترة مؤقتة قد تنتهي حوالي 2038، تستوجب استثمارها في تعزيز التعليم والتشغيل.
تمدن متسارع وتحديات مجالية
من جهة أخرى، بلغ معدل التمدن، وفق معطيات المندوبية، 62,8 في المائة سنة 2024، ومن المرتقب أن يصل إلى 69,2 في المائة سنة 2040، حيث سيرتفع عدد سكان المدن من 23,6 مليون إلى 28 مليون نسمة، مقابل انخفاض سكان القرى من 13,7 مليون إلى 12,4 مليون. هذا التحول يفرض، وفق التقرير، سياسات ترابية متكاملة للحد من الفوارق المجالية وتفادي "مغرب بسرعتين".
وتوقفت المندوبية في تقريرها عند النمو المستمر لعدد الأسر المغربية، بحيث بلغ هذا العدد 9,26 مليون أسرة سنة 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى 12,3 مليون سنة 2040 (+32,5%). كما سيتقلص الحجم المتوسط للأسرة من 3,9 أفراد إلى 3,3.
ويعكس تقلص حجم الأسر تطور السلوكيات العائلية، مثل تزايد النزعة الفردانية، وارتفاع عدد العزاب وانخفاض عدد الأطفال في الأسرة الواحدة. كما ساهم التمدن وأسلوب العيش الحضري في تشجيع تكوين أسر صغيرة الحجم.
وذهبت المندوبية، في تقريرها، إلى أن تطور الأسر يطرح تحديات كبرى على مستوى إنتاج السكن وتجهيز الأسر بالوسائل الضرورية، بحيث يقدر التقرير الحاجة إلى 3 ملايين وحدة سكنية إضافية بحلول 2040، فضلا عن ضرورة القضاء على السكن غير اللائق.
وترى المندوبية أنه بات من الضروري وضع استراتيجيات تهدف ليس فقط إلى زيادة عرض السكن اللائق بل أيضا تحسين جودة السكن القائم وضمان حلول مناسبة للفئات الهشة.
رؤية تنموية
وعلى مستوى الهجرة، يشير التقرير إلى أن أكثر من 5 ملايين مغربي يقيمون بالخارج (14% من السكان)، فيما عاد منذ مطلع الألفية نحو 188 ألف مهاجر، أغلبهم من أوروبا.
كما أصبح المغرب بلد استقبال، حيث استقر به 148 ألف أجنبي سنة 2024، أغلبهم من إفريقيا جنوب الصحراء، بزيادة 76 في المائة مقارنة مع 2014.
وخلصت المندوبية السامية للتخطيط إلى أن هذه التحولات يمكن أن تشكل رافعة استراتيجية إذا ما جرى استباقها ضمن رؤية تنموية متكاملة، مشددة على ضرورة إصلاح أنظمة التقاعد والتغطية الصحية لمواكبة الشيخوخة، والاستثمار في التعليم والتشغيل لاستغلال نافذة الفرصة الديموغرافية.
كما أكدت على أهمية التخطيط الحضري المتوازن لتقليص الفوارق بين المدن والقرى، وتعزيز السكن اللائق وتلبية الطلب المتزايد للأسر، فضلا عن بلورة سياسة وطنية للهجرة تراعي الإدماج الاجتماعي والاقتصادي.
وتقتضي التطورات الديمغرافية الحالية بالضرورة، حسب التقرير، تعزيز الرأسمال البشري وتشجيع نمو اقتصادي شامل ومنصف، مع العمل على تقوية التماسك الاجتماعي والمجالي، مؤكدا أن الإدماج المنهجي للمتغير الديمغرافي أصبح أمرا لا غنى عنه في صياغة السياسات العمومية وتقييمها.
مقالات ذات صلة
مجتمع
عالم
مجتمع
اقتصاد