مجتمع
أي مسار لإصلاح المنظومة التعليمية بالمغرب لتحقيق الجودة والإنصاف؟
08/10/2025 - 23:13
خولة ازنيزني
رغم مرور عقود من الإصلاحات المتتالية، ما تزال المنظومة التعليمية في المغرب تراوح مكانها بين طموحات السياسات العمومية وتحديات الواقع، إذ لطالما كان التعليم موضوعا مركزيا في النقاش الوطني باعتباره رافعة للتنمية ومؤشرا على نجاعة الدولة في تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، غير أن تراكم الأزمات البنيوية وتعدد الإصلاحات غير المكتملة جعل القطاع يعيش وضعية مركبة تتقاطع فيها مظاهر الهدر المدرسي، وضعف الكفايات الأساسية، وتراجع جودة التعلمات، إلى جانب غياب انسجام بين مخرجات التعليم وحاجيات سوق الشغل. فما هي أهم الصعوبات التي ما تزال تعرقل تقدم هذا القطاع؟ وما الفرص المتاحة اليوم لتصحيح المسار وبناء مدرسة مغربية منفتحة وفعالة؟
يرى رشيد جرموني، أستاذ علم الاجتماع بجامعة مولاي إسماعيل بمكناس والباحث في سوسيولوجيا التربية، أن الوضعية الحالية لمنظومة التربية والتكوين تعرف أزمة حقيقية، رغم التحولات العميقة والإصلاحات الإدارية والقانونية التي عرفها القطاع.
ويؤكد جرموني، في تصريحه لـSNRTnews، أن التقارير الوطنية والدولية، ومن بينها تقارير المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، تكشف عن اختلالات واضحة في جودة التعلمات والمهارات، حيث لا يزال المغرب يتذيل الترتيب في المؤشرات الدولية الخاصة بالتربية والتكوين، مما يعكس هشاشة المنظومة وضعف مردودها الداخلي والخارجي.
ويضيف الأستاذ الجامعي والخبير التربوي أن من بين أبرز مظاهر الأزمة هي وجود تلاميذ لا يستطيعون قراءة نص بسيط أو إجراء عمليات حسابية أو إتقان اللغات، مشيرا إلى أن أزمة المخرجات التعليمية تتجلى أيضا في تفاقم البطالة في صفوف الخريجين، لأن المدرسة لم تعد قادرة على إنتاج كفاءات تواكب حاجيات الاقتصاد الوطني.
ويربط الباحث هذا الوضع بعدم ملاءمة المناهج الدراسية لسوق الشغل، وغياب تخصصات جديدة تواكب التحولات التكنولوجية والمعرفية، ما يجعل التعليم أقل إنتاجية وأبعد عن الواقع.
عقبات بنيوية تعيق الإصلاح
ويرى جرموني أن تعثر البرامج الإصلاحية، من الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، يعود إلى غياب الصبر واستمرارية الإصلاحات لمعاينة الثمار، وعدم وجود سياسة تربوية متكاملة وواضحة المعالم، مضيفا أن كل حكومة تأتي بمقاربتها الخاصة، مما يربك مسار الإصلاح ويعطل تحقيق نتائجه.
ويشير إلى أن العقبات الكبرى التي تواجه المنظومة تتمثل أساسا في المقاربات السياسية والتدبيرية التي جعلت هذا القطاع يعيش في دوامة لا متناهية في ثلاثة مستويات رئيسية:
أولها ضعف الاستثمار في العنصر البشري، إذ لا يمكن الحديث عن مدرسة فعالة دون أستاذ مؤهل ومدرب ومدعوم، باعتباره فاعل رئيسي في القطاع، كما أن تأهيل كفاءات وموارد بشرية ذات قدرات عالية يمكن الاستفادة منها في وضع خطط وبرامج وإستراتيجيات قابلة للتنفيذ على المستوى القريب والمتوسط والبعيد، بشكل يراعي خصوصيات الواقع التعليمي المغربي ويستفيد من تجارب الدول الرائدة في هذا المجال.
وثانيها التخبط في السياسات العمومية وتعدد المقاربات دون رؤية موحدة، وهو ما يبرز مع تغير الحقائب الوزارية، إذ تختلف مسارات البرامج الإصلاحية التي تظهر مع كل حكومة، ما قد يلغي برامج ويؤثر في الإصلاح.
أما الثالث فيتجلى في تعثر التدبير بين الموارد المالية والبشرية رغم أهمية الميزانيات المرصودة للقطاع، والتي أحيانا لا تبرز نتائجها على أرض الواقع.
ويؤكد جرموني أن الدول التي نجحت اقتصاديا، مثل كوريا الجنوبية أو فنلندا، جعلت من التعليم نقطة انطلاق لإقلاعها الاقتصادي والعلمي، مشيرا إلى أن المغرب لم ينجح بعد في تحقيق هذا الربط العضوي بين التعليم والتنمية.
كما توقف عند تأثيرات ملفات كبرى، مثل أزمة الأساتذة المتعاقدين وسنوات الجائحة، التي خلفت فراغا تعليميا أثر على جودة التعلمات وضياع فرص حقيقية للإصلاح.
من زاوية أخرى، يعتبر جرموني أن إشكالية لغة التدريس ما تزال مطروحة بقوة داخل المدرسة المغربية، إذ تخلق الازدواجية بين العربية والفرنسية والإنجليزية نوعا من الضبابية لدى المتعلمين، مؤكدا على ضرورة اعتماد مبدأ السيادة اللغوية مع الانفتاح على اللغات الحية.
كما شدد على أن المناهج الحالية تحتاج إلى تجديد شامل يأخذ بعين الاعتبار الجيل الرقمي وتطورات الذكاء الاصطناعي، داعيا إلى إصلاح تربوي قائم على البحث التدخلي لتصحيح مكامن الخلل بدل الإصلاحات الظرفية، لاسيما لتحقيق تكافؤ الفرص سوسيو مجاليا بين التلميذ في العالم الحضري والقروي الذي تشير معطيات المندوبية السامية للتخطيط إلى قلة حظوظه في جودة التعلم مقارنة مع التلميذ في مدرسة المدينة.
وفي رؤيته المستقبلية، يرى جرموني أن إصلاح التعليم في المغرب يجب أن ينطلق من تحديد فلسفة واضحة للإصلاح: “أي تعليم نريد؟ وأي مجتمع نسعى لبنائه؟”، مؤكدا أن المؤسسة التعليمية يجب أن تكون منفتحة ومندمجة في محيطها الاقتصادي والاجتماعي، وأن تربي جيلا فاعلا ومنتجا، لأن الإصلاح سيرورة جماعية لا يمكن أن تنجح إلا بانخراط الجميع.
تفاوتات مجالية
من جهته، يؤكد عبد الرحيم ليه السرغيني، الخبير التربوي، أن التعليم هو القاطرة الأولى لتقدم الأمم، لكنه يلاحظ أن جودة التعليم في المغرب ما تزال دون المستوى المطلوب.
ويستدل السرغيني، في تصريحه لـSNRTnews، بتقارير دولية مثل برنامج تقييم الطلاب الدولي PISA 2022، الذي أظهر أن التلاميذ المغاربة البالغين من العمر 15 سنة يسجلون نتائج ضعيفة في الرياضيات والقراءة والعلوم، حيث لا يتجاوز 18% منهم مستوى الكفايات الأساسية، وتقرير 2023 TIMSS الذي أظهر أداء ضعيفا في الرياضيات والعلوم، حيث تقهقر مستوى تلامذة المستوى الثامن بـ67 نقطة في العلوم ، مما يضع المغرب في أدنى الترتيبات عالميا، كما أكدت دراسات البنك الدولي ويونيسكو استمرار انخفاض مستويات الإنجاز في القراءة والكتابة، رغم بعض التحسن في الوصول إلى التعليم الأساسي، مع معدلات إكمال المرحلة الثانوية لا تتجاوز 65%.
ويضيف السرغيني أن حوالي 350 ألف تلميذ يغادرون المدرسة سنويا، ما يعمق ظاهرة الهدر المدرسي ويؤثر على المردودية العامة للمنظومة.
ويشير الخبير التربوي إلى أن التحولات الاجتماعية والاقتصادية في المغرب، مثل التحضر السريع الذي ارتفع من 55% إلى 64% بين 2004 و2024، والنمو الاقتصادي الذي زاد الصادرات ثلاثة أضعاف منذ 2001، أسهمت في تحسن نسب التسجيل في التعليم الأساسي إلى نحو 96%، إلا أن الفجوة بين المجالين الحضري والقروي ما تزال قائمة، حيث لا تتعدى سنوات الدراسة في القرى 8 سنوات وسط معدلات أمية مرتفعة، كما أثرت البطالة بين الشباب بنسبة 13,5% في سنة 2025 والفقر في تعزيز القطاع الخاص، حيث توسع التعليم الخصوصي الذي يستفيد منه 17% من التلاميذ المنتمين للطبقات المتوسطة والميسورة، ما يعمق التفاوتات الاجتماعية ويضع المدرسة العمومية في وضع حرج.
الرؤية الاستراتيجية.. طموح مؤجل
ويعتبر السرغيني أن الرؤية الاستراتيجية لإصلاح التعليم (2015-2030) كانت طموحة في أهدافها المتعلقة بالإنصاف والجودة، لكنها لم تُفعل بالشكل المطلوب، إذ لم تعقد اللجنة الوطنية لتتبع تنفيذها مما لا يساعد على وضع تقييم موضوعي ومفصل حول الانجازات والاخفاقات.
ويضيف أن تنفيذ الرؤية أحرز تقدما جزئيا في بعض المجالات، مثل تعميم التعليم الأولي وإطلاق خارطة طريق 2022-2026، لإعادة الهيكلة، لكنه لم يحقق بعد التغيير الجوهري المنتظر بسبب "تراجع المتابعة والتقييم والمساءلة، وضعف التنسيق بين الفاعلين".
ويرى الخبير أن استمرار الأعطاب نفسها لعقود يعكس غياب وضع الأستاذ في قلب الإصلاح، وعدم الاستثمار الكافي في تكوينه وتحفيزه، إضافة إلى سوء الإدارة، والفساد، وضعف إدماج التعليم الرقمي، مما أدى إلى اكتظاظ الأقسام وتراجع الانضباط وتزايد العنف المدرسي.
أي مستقبل للمدرسة المغربية؟
في ظل هذه التحديات، يحذر الخبير التربوي من أن استمرار تنامي التعليم الخصوصي على حساب العمومي قد يقود إلى نظام تعليمي متعدد السرعات، يكرس الفوارق الطبقية ويهدد مبدأ تكافؤ الفرص، لكنه يرى أن الفرصة لا تزال قائمة إذا ما توافرت إرادة سياسية صادقة لتفعيل الرؤية الاستراتيجية، مع نظام حقيقي للمساءلة والجودة.
ويؤكد أن الإصلاح لن يتحقق إلا بتعبئة وطنية شاملة تضع الأستاذ في مركز العملية التعليمية، وتمنحه المكانة المادية والمعنوية التي يستحقها، مع تعزيز اللامركزية والمشاركة المحلية عبر جمعيات الآباء والمجتمع المدني.
كما يدعو إلى تقييم موضوعي لتجربة "مدارس الريادة" قبل تعميم أي نموذج جديد، مع إعطاء المكانة الأولى للغة العربية في البرامج التعليمية دون إقصاء اللغات الأجنبية، والتركيز على القيم والمهارات الحياتية والتعليم الرقمي، وربط التعليم بالتكوين المهني لخلق فرص عمل للشباب.
مقالات ذات صلة
مجتمع
سياسة
مجتمع
مجتمع