مجتمع
هل أصبح العمل خارج التخصص خيارا اضطراريا لجيل الشهادات؟
10/10/2025 - 16:23
خولة ازنيزني
بعد سنوات من الدراسة والاجتهاد، والسعي نحو نيل شهادة جامعية تفتح آفاق المستقبل، يجد عدد من الشباب أنفسهم أمام واقع مغاير لما كانوا ينتظرونه، فالحصول على شهادة عليا لم يعد ضمانا للاشتغال في مجال التخصص.
بين محدودية المناصب وفرص العمل، يختار كثير من الخريجين مواجهة شبح البطالة بالاشتغال في مجالات بعيدة عن تكوينهم الأصلي، أو التوجه نحو تأسيس مشاريعهم الخاصة، بحثا عن مصدر دخل يضمن الأدنى من العيش الكريم.
بطالة حاملي الشهادات.. مفارقة سوق الشغل
يربط كمال حساني، أستاذ العلوم الاقتصادية بجامعة محمد الأول بوجدة، هذه الأزمة بخلل في المنظومة التعليمية نفسها، موضحا أن البطالة في المغرب هي في الأساس بطالة شباب، وأن الفئة الأكثر تضررا هم حاملو الشهادات العليا، بينما الفئات التي لا تتوفر على دبلومات تجد أحيانا فرصا أكبر للعمل.
ويقول حساني، في تصريحه لـSNRTnews، إن الخلل الرئيسي يكمن في غياب التوافق بين التكوين الجامعي وحاجيات سوق الشغل، إذ إن العديد من التخصصات الجامعية لا تواكب متطلبات السوق، مما يجعل آفاق خريجيها محدودة ويؤدي إلى تكدسهم في مجالات ضيقة.
ويضيف أن إصلاح هذا الواقع يتطلب إعادة النظر في أهداف المنظومة التعليمية، التي ما تزال تركز على تجميع المعارف أكثر من بناء المهارات، داعيا إلى تكوين جيل قادر على التفكير والابتكار وحل الإشكالات العملية بدل الاقتصار على التلقين، مشددا على ضرورة تقييم التخصصات الجامعية وحذف غير المنتجة منها.
ومن بين الإشكالات التي تعمق معضلة البطالة، بحسب حساني، التفاوتات الجهوية في توزيع فرص العمل، إذ تتركز معظم المناصب في المدن الكبرى مثل الدار البيضاء والرباط وطنجة، بينما تعاني مناطق أخرى من ضعف الاستثمار وفرص التشغيل، ما يدفع الشباب إلى الهجرة أو القبول بوظائف لا تمت لتكوينهم بصلة.
وتشير الإحصائيات إلى أن معدل البطالة بلغ في الربع الثاني من سنة 2025، 12,8% على المستوى الوطني، فيما وصلت النسبة إلى 35,8% بين الشباب المتراوحة أعمارهم ما بين 15 و24 سنة، و19% في صفوف حاملي الشهادات العليا، و19,9% لدى النساء، وفق معطيات المندوبية السامية للتخطيط.
هدر للكفاءات
من جهته، يرى المحلل الاقتصادي إدريس العيساوي أن خريجي الجامعات يعيشون وضعية “الضحية” داخل سوق الشغل المحلي، لأنهم رغم سنوات التكوين الأكاديمي، لا يجدون فرصا مهنية توازي تخصصاتهم، مضيفا أن الكثير منهم يضطرون إلى العمل في مهن مؤقتة كمراكز النداء أو الأعمال التجارية، وهو ما يشكل نوعا من هدر الكفاءات.
وأوضح العيساوي، في تصريحه لـSNRTnews، أن السبب الرئيسي لهذه الظاهرة هو اختلال التوازن بين العرض والطلب، إذ لا يوجد انسجام بين ما تنتجه الجامعات من تخصصات وبين حاجيات المقاولات، فضلا على أن غياب آليات فعالة للربط بين الكفاءات والوظائف يعمق الفجوة.
وأشار إلى أن اشتراط التجربة والمهارات الناعمة في التوظيف يُقصي العديد من الخريجين الجدد، الذين لم تتح لهم فرصة اكتسابها خلال مسارهم الجامعي، مما يدفعهم إلى قبول أي عمل متاح لتأمين احتياجاتهم اليومية، خاصة المنحدرين من أسر محدودة الدخل.
ويستحضر المتحدث المعطيات الرسمية التي تفيد أن عدد العاطلين بالمغرب يبلغ حوالي مليون و595 ألف شخص، فيما لا يتجاوز معدل التشغيل 37,9%، معتبرا أن البرامج الحكومية لم تنجح بعد في تحقيق إصلاحات فعالة في مجال التشغيل.
كما حذر من أن استمرار اشتغال الشباب في مجالات لا علاقة لها بتكوينهم قد يؤدي إلى تراجع الإنتاجية وجودة العمل على المدى المتوسط والبعيد.
بطالة بنَفس هيكلي
أما يوسف كراوي الفيلالي، رئيس المركز المغربي للحكامة والتسيير، فيصف الوضع الحالي بـ"التشغيل الهامشي"، أي اشتغال الشباب في وظائف مؤقتة أو غير مستقرة بدخل ضعيف.
ويؤكد الخبير الاقتصادي، في تصريحه لـSNRTnews، أن الكثير من الخريجين يجدون أنفسهم مجبرين على القبول بأجور زهيدة لتأمين عيشهم، في غياب رؤية اقتصادية قادرة على خلق فرص عمل قارة ومنتجة، مضيفا أن البطالة في المغرب مشكلة هيكلية تعكس هشاشة النسيج الاقتصادي.
ويعتبر الفيلالي أن السياسات الحكومية ما تزال تركز على تحفيز المقاولات دون ضمان مردودية فعلية، لأن القدرة التنافسية للمغرب في استقطاب الاستثمارات تعتمد على انخفاض كلفة اليد العاملة أكثر من جودة التشغيل، داعيا إلى توجيه الطاقات الشابة نحو المهن المستقبلية المرتبطة بالتحول الرقمي والصناعات التحويلية والطاقات المتجددة.
المقاولة الصغيرة.. حل مؤقت أم بديل فعلي؟
أمام صعوبة الولوج إلى سوق الشغل، يتجه عدد من الشباب نحو تأسيس مقاولاتهم الصغيرة كخيار بديل. غير أن هذا المسار، وفق عبد الله فركي، رئيس الكونفدرالية المغربية للمقاولات الصغيرة جدا والصغرى والمتوسطة، لا يخلو من التحديات، وأبرزها ضعف التكوين في مجال التسيير والمواكبة، وصعوبة التمويل، وعدم الإلمام بأساسيات إدارة المشاريع.
وأوضح فركي، في تصريحه لـSNRTnews، أن الكثير من الطلبة أصبحوا يؤمنون بأهمية ريادة الأعمال، إذ يبدأ بعضهم منذ الدراسة في بلورة أفكار مشاريعهم تفاديا لمواجهة البطالة بعد التخرج.
وأضاف أنه من المعتاد اليوم أن نجد حامل شهادة ماستر يعمل في مجال المقاولات أو التجارة الإلكترونية، وهو ما يعكس تحولا في ذهنية الشباب الذين يواكبون التطور التكنولوجي والمجتمعي في المغرب.
وأكد أن المقاولات الصغيرة تشكل وسيلة مهمة لاندماج الشباب في سوق العمل، مستشهدا بتجربة تركيا التي تعتمد على هذا النموذج، حيث تشغل المقاولات الصغيرة والمتوسطة حوالي 85% من اليد العاملة، وتحتل المرتبة الثالثة عالميا من حيث عدد شركات المقاولات الدولية بـ40 شركة.
وأشار فركي إلى أن دعم هذا النسيج المقاولاتي يمكن أن يشكل مدخلا حقيقيا لحل أزمة الشغل، موضحا أن خلق عشر مقاولات صغيرة قد يكون أكثر نجاعة من الاستثمار في خلق منصب واحد دائم، إذ تتيح كل مقاولة على الأقل أربعة مناصب شغل.
برامج حكومية وآفاق الإصلاح
وكانت الحكومة الحالية أكدت أن التشغيل يظل أولوية في ما تبقى من ولايتها، إذ خصصت في مشروع قانون المالية لسنة 2025 غلافا ماليا يقارب 15 مليار درهم، لخارطة طريق تهدف إلى خفض معدل البطالة إلى 9% بحلول 2030 وخلق 1,45 مليون منصب شغل جديد.
وترتكز خارطة الطريق على محاور تشمل تشجيع الاستثمار الخاص، وتحسين مناخ الأعمال، وتفعيل صندوق محمد السادس للاستثمار، إلى جانب مواصلة الاستثمار العمومي في البنيات التحتية، ودعم التشغيل في الوسط القروي، ومواكبة الاستراتيجيات القطاعية.
مقالات ذات صلة
سياسة
سياسة
مجتمع
سياسة