اقتصاد
كل ما يجب معرفته عن إنتاج واستهلاك القمح بالمغرب
09/12/2025 - 21:38
وئام فراج
يشكل القمح، ولا سيما القمح اللين، ركيزة أساسية في المنظومة الغذائية بالمغرب، غير أن إنتاجه واستهلاكه يكشفان عن اختلالات بنيوية عميقة، سواء على مستوى الإنتاج، أو التوزيع، أو الاعتماد المتزايد على الواردات، وفق ما يبرزه رأي مجلس المنافسة حول "السير التنافسي لسوق المطاحن بالمغرب".
يتسم إنتاج الحبوب في المغرب بتقلبات "حادة"، إذ تراوح بين 20 و100 مليون قنطار خلال الفترة الممتدة من 2000 إلى 2023. ويُعزى هذا التذبذب، حسب رأي المجلس، إلى عوامل بنيوية وحكاماتية، على رأسها الاعتماد الكبير على الظروف المناخية، وضعف التقنيات الزراعية المعتمدة، إلى جانب محدودية استخدام البذور المختارة، وهو ما ينعكس سلبا على أداء القطاع.
هيمنة القمح اللين
على الرغم من تسجيل نمو في الإنتاج خلال بعض المواسم، يظل العرض الوطني غير كاف لتلبية الطلب المتزايد، خاصة في ظل التحديات التقنية والمناخية، وصعوبات تدبير الموارد الطبيعية، إضافة إلى الخيارات السياسية والحكامة التي ما تزال تعرقل جهود تحسين الإنتاجية وتعزيز الأمن الغذائي، وفق معطيات مجلس المنافسة.
من حيث توزيع المحاصيل، يهيمن القمح اللين بشكل واضح على البنية الزراعية، إذ يستحوذ على 44 في المائة من المساحات المزروعة بالحبوب، ويساهم بنحو 50 في المائة من الإنتاج الإجمالي.
في المقابل، تمثل الأراضي المزروعة بالشعير حوالي 35 في المائة، غير أن مساهمته في الإنتاج لا تتجاوز 28 في المائة. أما القمح الصلب، فيحتل المرتبة الثالثة بنسبة 21 في المائة من المساحة المزروعة، و23 في المائة من الإنتاج.
ويرتبط هذا الاختلال، حسب رأي مجلس المنافسة، بسياسة وطنية ركزت بشكل شبه حصري على القمح اللين، ما أدى إلى تقييد تنويع المحاصيل، وتعزيز الاعتماد على نوع واحد، على حساب الشعير والذرة، اللذين كانا في السابق جزءً من النظام الغذائي، قبل أن يتحولا أساسا إلى أعلاف حيوانية.
تصاعد الواردات
رغم المؤهلات الفلاحية التي تزخر بها المملكة، يظل المغرب مستوردا بنيويا للحبوب. ففي سنة 2023، بلغت واردات القمح اللين حوالي 47 مليون قنطار، فيما ارتفعت واردات القمح الصلب بنسبة 28 في المائة لتصل إلى 8,9 مليون قنطار في نهاية السنة.
ويؤكد رأي مجلس المنافسة، الصادر الاثنين 08 دجنبر 2025، أن هذا الاعتماد على الواردات يعود إلى الضغط الديموغرافي، والتوسع الحضري السريع، وارتفاع الاستهلاك المحلي.
كما يبرز الرأي تطورا بنيويا في الاعتماد على الاستيراد منذ الاستقلال، إذ ظل معدل الاعتماد على الواردات خلال الفترة 1961–1990 في حدود أقل من 50 في المائة، قبل أن يتخذ منحى تصاعديا ابتداءً من تسعينيات القرن الماضي، متجاوزا بشكل منتظم عتبة 50 في المائة، مع تسجيل ذروات قاربت 70 في المائة، خاصة خلال العقدين 2010 و2020.
استهلاك مرتفع
يُعد الاستهلاك المرتفع للقمح أحد أبرز ملامح النظام الغذائي المغربي. إذ يبلغ متوسط الاستهلاك السنوي للقمح أكثر من 200 كيلوغرام للفرد الواحد، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المتوسط العالمي، "وهو ما يفسر استمرار الاعتماد على الواردات رغم تراجع الوزن النسبي للحبوب في ميزانية الأسر".
في السياق ذاته، تراجعت حصة الحبوب ومشتقاتها من إجمالي النفقات الغذائية للأسر من 20,4 في المائة سنة 2001 إلى 12,5 في المائة سنة 2022. ومع ذلك، ارتفع متوسط إنفاق الفرد على الحبوب من 697,3 درهم إلى 985,87 درهم خلال الفترة نفسها، متأثرا أساسا بعامل التضخم. وتحتل الحبوب المرتبة الثانية في نفقات الغذاء لدى الأسر، بعد اللحوم.
وساهمت الصدمات الخارجية في "تعميق هشاشة منظومة القمح"، وفق رأي مجلس المنافسة، من بينها تعاقب سنوات الجفاف، وتداعيات جائحة كوفيد-19، والأزمة الغذائية العالمية. كما أدى إغلاق الممر التصديري الأوكراني إلى ارتفاع أسعار القمح والذرة في السوق الدولية، ما انعكس بشكل خاص على الدول المستوردة، ومن بينها المغرب، وتأثرت بذلك مختلف حلقات سلسلة القيمة، من الإنتاج إلى الاستهلاك.
هدر الأغذية
إلى جانب تحديات الإنتاج والاستهلاك، يبرز هدر الأغذية كعامل إضافي يفاقم اختلال التوازن. فوفق معطيات منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، يُهدر حوالي ثلث الأغذية المنتجة عالميا. وفي المغرب، تهدر كل أسرة في المتوسط 113 كيلوغراما من الأغذية سنويا؛ أي ما يعادل 12 في المائة من ميزانيتها الغذائية، ويشمل ذلك بالخصوص الحبوب والفواكه والخضر.
ويرى رأي مجلس المنافسة أن "السياسة الفلاحية، التي ساهمت خلال ثمانينيات القرن الماضي في تأمين التزود الوطني، لم تعد تواكب التحديات الراهنة، خاصة بعد موجتي ارتفاع الأسعار في 2007 و2022"، مشيرا إلى أنه "رغم الدور التنظيمي للمكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني، لا تزال اختلالات تدبيرية قائمة، من بينها ضعف التنسيق بين الفاعلين العموميين والخواص".
المخزون الاحتياطي
لمواجهة مختلف التحديات التي مازالت تواجه إنتاج واستهلاك القمح بالمغرب، أوصى المجلس بمراجعة سياسات دعم قطاع الحبوب، بشكل يتضمن تدابير تحفيزية لتعزيز الإنتاج الوطني عالي الجودة والمستدام، مشيرا إلى أن هذه التدابير يمكن أن تشمل تعزيز دعم الابتكار الفلاحي، وتكوين الفلاحين على الممارسات الفلاحية التي تتكيف مع تغير المناخ، ووضع آليات مالية للحد من المخاطر المرتبطة بالتقلبات المناخية.
كما يمكن، وفق المجلس، أن تشجع إصلاحات نظام الدعم نماذج مساعدة أكثر استهدافا، تركز على المنتجين الأكثر ضعفا والمناطق ذات الإمكانات الفلاحية الكبيرة، مشددا، في السياق ذاته، على ضرورة تحديد شروط إنشاء وتكوين وتمويل مخزونات الحبوب الاحتياطية، على النحو المنصوص عليه في القانون رقم 12.94.
وأكد أن إنشاء هذه المخزونات الاستراتيجية من شأنه أن يوفر حماية من تقلبات الأسعار الدولية من خلال ضمان احتياطيات كافية لمواجهة الاضطرابات المحتملة، وسوق للمنتجات الوطنية، من شأنه دعم الفلاحين المحليين والحد من تقلبات الأسعار بالنسبة للمستهلكين، فضلا عن إنشاء صندوق خاص لتمويل مخزون الحبوب الاحتياطي، يمول من الموارد العامة (الميزانية العامة للدولة والدعم المخصص للقطاع) ومن المساهمات الخاصة في إطار شراكات بين القطاعين العام والخاص.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد