اقتصاد
أين وصل مشروع تكوين مخزون استراتيجي للقمح في المغرب؟
11/12/2025 - 11:11
وئام فراج
حذر مجلس المنافسة، في رأيه المتعلق بـ"السير التنافسي لسوق المطاحن بالمغرب"، من عدم توفير مخزون استراتيجي من الحبوب ما يجعل السوق الوطنية أكثر عرضة للاختلال في حالات ندرة العرض أو الاضطرابات الدولية. فما الهدف من هذا المخزون؟ وما الذي يعيق إنشاءه؟
في خضم توالي سنوات الجفاف، واشتداد التقلبات الجيوسياسية، وتزايد هشاشة سلاسل التوريد الدولية، تبرز أهمية توفير المخزون الاستراتيجي من الحبوب باعتباره أحد مفاتيح الأمن الغذائي والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
مهمة استراتيجية بلا سند تنظيمي مكتمل
في هذا الصدد، أكد مجلس المنافسة أن المكتب الوطني المهني للحبوب والقطاني يضطلع بدور مركزي في تدبير المخزون الاحتياطي وضبط سوق الحبوب وتأمين استمرارية الإمدادات، غير أن هذه المهام تظل منقوصة الفعالية بسبب غياب الإطار التنظيمي الواجب لتفعيلها. "فرغم أن القانون رقم 12.94 أسند للمكتب مسؤولية تشكيل المخزون الاحتياطي، لم يصدر إلى اليوم القرار التطبيقي الذي يحدد كيفيات إنشائه، ومستويات تخزينه، وأنماط تمويله".
وحذر المجلس من أن هذا الفراغ القانوني يحول دون أي تدبير استباقي للمخزون، ويجعل السوق الوطنية أكثر عرضة للاختلال في حالات ندرة العرض أو الاضطرابات الدولية، داعيا إلى التعجيل بإصدار القرار التنظيمي كشرط أساسي لتأمين الإمدادات وتقوية قدرة البلاد على الصمود أمام الأزمات.
اعتماد هيكلي على الواردات
يربط رأي المجلس هذا الخلل بسياق أوسع يتسم بتفاقم الاعتماد البنيوي للمغرب على واردات الحبوب، في ظل تقلبات حادة تعرفها الأسواق العالمية، وإكراهات مناخية داخلية تتجدد كل سنة. ويعتبر المجلس أن هذا المعطى يفرض اعتماد رؤية واضحة ومحددة بشأن قدرة البلاد على تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي المستدام.
وينبغي أن يتيح هذا التحديد، وفق معطيات المجلس، هيكلة الخيارات الاستراتيجية المستقبلية في مجال التنمية الفلاحية وتدبير الموارد المائية وتأمين الإمدادات.
وفي هذا الصدد، يشدد الرأي على أن تعزيز التخزين الاستراتيجي لم يعد خيارا ظرفيا، بل ضرورة هيكلية، تستدعي رفع الطاقات التخزينية إلى مستويات تتجاوز الحاجيات التشغيلية اليومية، بما يسمح بتكوين مخزونات أمان قادرة على امتصاص الصدمات الكبرى، سواء ذات طابع مناخي أو جيوسياسي.
ويؤكد مجلس المنافسة أن إرساء مخزون استراتيجي فعلي للحبوب من شأنه أن يوفر حماية مزدوجة؛ تتجلى في حماية السوق الوطنية من تقلبات الأسعار الدولية، وحماية المنتج المحلي عبر توفير منفذ مستقر لتصريف الإنتاج الوطني.
وأوصى، في هذا الإطار، بإنشاء صندوق خاص لتمويل المخزون الاحتياطي، يعتمد على موارد الميزانية العامة والدعم القطاعي، إلى جانب مساهمات خاصة في إطار شراكات بين القطاعين العام والخاص.
ما الذي يعيق إحداثه؟
من جهته، اعتبر رئيس الجامعة الوطنية للمطاحن مولاي عبد القادر العلوي، أن جائحة كورونا كانت لحظة اختبار حقيقية لمنظومة الأمن الغذائي، بعدما أدت اضطرابات النقل والأسواق العالمية إلى إبراز الحاجة الملحة لمخزون استراتيجي من الحبوب.
وأوضح أن مهنيي القطاع استشعروا منذ سنة 2020 ضرورة إرساء هذا المخزون تحسبا لأزمات مستقبلية، مذكرا بأن العالم اليوم يشهد تحولات متسارعة تفرض الاستعداد الدائم.
وأشار العلوي، في تصريح لـSNRTnews، إلى أن عدم استقرار الإنتاج الوطني، بفعل توالي سنوات الجفاف، يستدعي استثمارات كبيرة في البنيات التحتية للتخزين، غير أن هذه الاستثمارات تصطدم بغياب التحفيزات، "إذ لا تستفيد مشاريع التخزين من مقتضيات ميثاق الاستثمار، الذي يربط الدعم بتشغيل عدد لا يقل عن 50 عاملا، إلا أن التقنيات المعتمدة في هذه العملية لا تحتاج إلى عدد كبير من العمال".
وسجل رئيس الجامعة أن "مشاريع صوامع التخزين تواجه أيضا صعوبات مرتبطة بغلاء العقار، وبمقتضيات التعمير داخل المناطق الصناعية، حيث تفرض قيودا على علو البنايات، في حين تتطلب الصوامع على الأقل 14 مترا من العلو".
وأضاف أن دراسة متكاملة حول الموضوع أنجزها المهنيون قبل سنتين، وتم وضعها هذا السنة لدى وزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، "لا تزال دون مخرجات عملية".
ويرى أن توفير المخزون الاستراتيجي من الحبوب سيجعل المستوردين يشترون القمح فقط عند تراجع الأسعار في السوق العالمية، واللجوء إليه عند ارتفاعها، وذلك بهدف ضمان الاستقرار سواء على مستوى الأسعار أو التموين.
اختلال المنافسة ورهان التحديث
وفي قراءته لتقرير مجلس المنافسة، اعتبر العلوي أن التشخيص كان منصفا للقطاع، خاصة في ما يتعلق باختلالات المنافسة بين المطاحن، في سياق يستمر فيه دعم القمح اللين بشكل يحد من التطور الطبيعي للسوق.
وأكد أن تحديث القطاع يقتضي ضمان تكافؤ الفرص بين الفاعلين، وتجاوز الفوارق الجهوية، واعتماد توزيع عادل لمنشآت الطحن والتخزين.
وخلص العلوي إلى أن المغرب يتوفر حاليا على مخزون احتياطي من القمح اللين يتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر، مشيرا، في المقابل إلى أن هذا المخزون يظل متمركزا لدى فاعلين محددين يتوفرون على إمكانات مالية وبنيات تخزينية، في حين يبقى باقي المتدخلين خارج المنظومة.
ودعا إلى إحداث منصات جهوية للتخزين، قريبة من مناطق الإنتاج وتحترم معايير السلامة الصحية، وتحد من الضياع، بما يشكل رافعة حقيقية لدعم الفلاح، تنفيذا للتوجيهات الملكية السامية المتعلقة بتعزيز الأمن الغذائي الوطني.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد