فن وثقافة
أفلام الأوسكار: "سينرز" لريان كوغلر.. سينما الشر المطلق
08/02/2026 - 20:27
محمد باكريم
هل يُعد فيلم Sinners مجرد قصة رعب عابرة، أم أنه المِرآة التي تعكس شروخ الخيال المجتمعي الأمريكي في لحظة تحوله الأكثر حرجاً؟ إنه يستدعي قراءة تغوص في أعماق العمل المرشح لـ 16 جائزة أوسكار، لتتجاوز بريق الشاشة وتُفكك شيفرة 'مصاص الدماء' ليس ككائن أسطوري، بل كاستعارة سينمائية حارقة عن الاستغلال والتاريخ الذي يرفض أن يوارى الثرى.
أرى أن طبيعة الفيلم الفرجوية لا تلغي إمكانية التحليل السينيفيلي، للتساؤل مثلا: كيف استطاع رايان كوغلر تحويل 'الفزع' إلى لغة سياسية واجتماعية تشرح قلق الهوية والانقسام في أمريكا اليوم. انه برنامج قراءة نقدية مغايرة، تضع 'الخطيئة' و'الخوف' تحت مجهر السوسيولوجيا السينمائية بل والسياسية.
لا انكر بأن الاهتمام بالفيلم يأتي أيضا من ضغط الحدث الراهن سينمائيا، أقصد ليلة الأوسكار القادمة (18 مارس)، لقد دخل الفيلم تاريخ الأكاديمية من أوسع أبوابه بعد إعلان الترشيحات في يناير 2026 إذ حصل الفيلم على 16 ترشيحاً، ليصبح الفيلم الأكثر ترشيحاً في تاريخ الأوسكار، متفوقاً على أفلام أسطورية مثل «تيتانيك" الذي حصد 14 ترشيحاً...ويأتي الاهتمام بفيلم "سينرز" – المخطئون ، هناك من يترجم ب "الخطاة" وربما "الضالون" اصح اذا اردنا احترام البعد الديني من زاويتنا-– أيضا بل أساسا من كون المخرج له تصور متكامل يتجاوز مفهوم "حرفي سينمائي" الى صاحب فكرة. ولا أتردد في تصنيفه فيما نسميه "يسار هوليود". في هذه المساهمة أود الإشارة الى مستويات ثلاث من المقاربة:
- سينما النوع -الرعب/الفزع كتعبير عن حالة مجتمعية
- شبكة الشخصيات التي أفرزت الشخصية المحور التي تفتح الحكاية وتختمها، الشاب "سامي"
- هل نحن بصدد تنويعة لما يمكن ان نسميه "سينما الشر المطلق"
فعلا، أنا لست من عشاق النوع ولكن اهتم بأفلام الفزع لأنني اعتبرها بمثابة "العلبة السوداء" لمجتمعات العصر السينمائي. إنها تحمل خبايا المسكوت عنه أو المتخفي في ثنايا الذاكرة الجماعية. وخاصة في البلد (أمريكا) الذي جعل من السينما التعبير الفني الأول والأبرز عن المتخيل الجماعي.
ومقاربة فيلم "المخطئون" من زاوية "خيال الرعب" وعلاقته بالمجتمع الأمريكي يذهب بنا إلى ما هو أبعد من مجرد قصة عن مصاصي دماء؛ فالفيلم في جوهره يعكس القلق الوجودي والتحولات الاجتماعية العميقة التي تعيشها الولايات المتحدة في الوقت الراهن. وتاريخيا يمكن التذكير أن هذا النوع يزدهر في مراحل الشدة. أو ابان الحرب الباردة حيث كانت أفلام الرعب تحيل بطريقة استعارية إلى "الخطر الأحمر".
في الخيال المجتمعي الأمريكي، لطالما كان "الوحش" يرمز للآخر أو للتهديد الداخلي. في فيلم كوغلر، لا يمثل مصاصو الدماء مجرد كائنات ليلية، بل يرمزون إلى "الأنظمة التي تتغذى على دماء الضعفاء". اختيار حقبة الثلاثينيات (زمن الكساد العظيم والتمييز العنصري) يربط بين وحشية "الظاهرة" ووحشية "النظام الاجتماعي". الفيلم يوحي بأن التاريخ الأمريكي ليس مجرد أحداث مضت، بل هو "كيان حي" يعود "ليمتص" طاقة الأجيال الجديدة.
استخدام شخصيتي التوأم (الذي يلعبهما بشكل بارع مايكل بي جوردان) يرمز إلى الانقسام الداخلي في الذات الأمريكية. فكرة "الخاطئ "مقابل "المخلص"، أو "المقاتل" مقابل "المسالم"، تعكس حالة الاستقطاب الحاد في الخيال الجمعي الأمريكي، حيث يرى كل طرف في الآخر "وحشاً" يهدد وجوده. بهذا المعنى، يمكن القول بان الفيلم يزكي فرضيتنا حيث يمكن قراءته كمرآة للمجتمع الأمريكي، حيث يُستخدم "الرعب" كأداة لتفريغ الصدمات التاريخية ومواجهة المخاوف الحالية من التفكك أو فقدان السيطرة.
في أفلام الرعب التقليدية، يمثل "مصاص الدماء" الشر المطلق؛ فهو كائن يتغذى على الحياة، لا يمكن التفاوض معه، ووجوده بحد ذاته يمثل نقداً للوجود الإنساني. إذا نظرنا إلى الكائنات في" المخطئون" من هذا المنظور، فهي تجسد الشر المطلق في صورته "المفترسة"—الشر الذي لا يمتلك أجندة سياسية، بل يمتلك فقط "جوعاً" لا ينتهي.
هنا تكمن عبقرية كوغلر. في الفيلم، يختلط رعب "مصاصي الدماء" برعب "العنصرية الممنهجة" في الجنوب الأمريكي (عصابة ك.ك.ك). بالنسبة للضحايا في تلك الحقبة، لم تكن العنصرية مجرد "سلوك سيء"، بل كانت شراً مطلقاً وكلي القدرة يلاحقهم في كل تفاصيل حياتهم. الفيلم يطرح تساؤلاً ذكياً: من هو الأكثر رعباً؟ الكائن الذي يقتلك ليتغذى، أم النظام الذي يقتلك لأنه يرى أنك لا تستحق الحياة؟ هنا يصبح الشر المطلق متجسداً في "الإنسان" وليس في "المسخ".
إننا أمام منظومة اجتماعية غير منسجمة تعيد انتاجها السينما عبر استعارة حارقة لنظام اجتماعي وتاريخي (عمال القطن السود في الميسيسبي خلال الثلاثينيات) يمتص دماء المهمشين لضمان بقائه.
في هذا السياق، يمثل الشاب "سامي" وقصة مغادرته ورفضه التنازل عن قيثارته مقابل العودة لأحضان الأب (السلطة أو الحماية الزائفة) أبعاداً عميقة في مواجهة الشر. القيثارة كـ "درع" وليس مجرد آلة. الموسيقى كفعل وجودي: رفض سامي التنازل عن قيثارته هو رفض لبيع روحه. القيثارة هنا هي "صوت التفرد" في وجه قطيع يسيطر عليه الشر أو الخطيئة.
وتحضر موسيقى البلوز التي ولدت تاريخياً من المعاناة والألم لتقول بأن الفن هو الوسيلة الوحيدة لتسمية الشر ومواجهته، بدلاً من إنكاره أو الاختباء منه خلف سلطة "الأب".
سامي يمثل "البطل التراجيدي" الذي يدرك أن المواجهة مع الشر المطلق لا تُكسب دائماً بالسلاح، بل بالحفاظ على ما يجعله إنساناً. القيثارة هي سلاحه، والبلوز هو صلاته، والمشهد الجميل للمغادرة هي صرخته الرافضة لأن يكون جزءاً من "جنس الخطاة".
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة