مجتمع
لماذا ظهرت أسراب الجراد بالأقاليم الجنوبية؟
18/02/2026 - 14:48
خولة ازنيزني
شهدت الأقاليم الجنوبية للمملكة، خلال الأسابيع الأخيرة، رصد تحركات لأسراب الجراد الصحراوي بعدد من المناطق الممتدة من طانطان إلى العيون وبوجدور والداخلة، عبر الشريط الصحراوي الممتد من شمال موريتانيا نحو جنوب المغرب.
ووفق تقييمات حديثة صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة، فقد تم تسجيل تراجع نسبي في أعداد اليرقات والأسراب الصغيرة على طول الشريط الممتد من شمال موريتانيا إلى جنوب المغرب، مقابل ارتفاع في أعداد الجراد البالغ غير الناضج، مع رصد مجموعات بالغة ناضجة استأنفت دورة التكاثر خلال الأسابيع الأخيرة.
وكانت المنظمة قد حذرت من نشاط إقليمي متزايد للجراد الصحراوي انطلق من موريتانيا، مع احتمال امتداد تأثيره إلى مناطق زراعية داخل المغرب إذا لم يتم تطويق بؤر التكاثر مبكرا.
وضع متحكم فيه
في هذا السياق، أكد المدير الجهوي للفلاحة بجهة العيون الساقية الحمراء، عبد الرحمن العمري، أنه تم رصد أسراب من الجراد بعدد من المناطق الجنوبية، غير أنها تبقى في وضعية عادية ومتحكم فيها، مشددا على أنه لا يمكن الحديث في الوقت الراهن عن أفواج كبيرة أو عن تهديد مباشر للزراعة.
وأوضح العمري، في تصريح لـSNRTnews أن السلطات المحلية، بتنسيق مع المركز الوطني لمكافحة الجراد، كثفت عمليات المسح والاستكشاف والمكافحة بالمناطق الجنوبية، مستهدفة أساسا مجموعات الجراد البالغ، إضافة إلى اليرقات في مراحلها المتقدمة، حيث شملت عمليات المكافحة مساحات تمت معالجتها بواسطة الرش الجوي، إلى جانب تدخلات أرضية دقيقة.
وأضاف المسؤول ذاته أن المركز الوطني لمكافحة الجراد يلعب دورا محوريا في تدبير الوضع من خلال دعمه الفني واللوجستيكي، حيث جرى تسخير فرق ميدانية مدعومة بمعدات حديثة تشمل مركبات مزودة بآلات رش دقيقة ومخزونا كافيا من المبيدات المعتمدة، كما تم اعتماد تقنيات الرصد بالأقمار الصناعية وتحليل المعطيات المناخية، خاصة ما يتعلق بالأمطار والرطوبة والغطاء النباتي، إلى جانب دوريات استطلاع تجوب المناطق الصحراوية والحدودية بشكل منتظم.
عوامل مناخية مساعدة
من جهتها، أوضحت خديجة بولاراش، خبيرة في المجال البيئي وعضو في منظمة الأغذية والزراعة، أن الظروف المناخية الحالية لعبت دورا أساسيا في ظهور هذه الأسراب، مشيرة إلى أن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المناطق الصحراوية مؤخرا ساهمت في خلق تربة رطبة ملائمة لفقس البيض، إلى جانب نمو الأعشاب التي تمثل غذاء مفضلا للجراد.
وأبرزت بولاراش، في تصريحها لـSNRTnews، أن الجراد الصحراوي يتحرك بشكل موسمي بين مناطق تكاثره التقليدية في جنوب الصحراء، خاصة في مناطق من مالي وإثيوبيا، قبل أن يتجه نحو السواحل الأطلسية، وقد يتجاوزها في فترات الانتشار الكثيف نحو الشمال، بل ويصل أحيانا إلى مناطق البحر الأبيض المتوسط.
وأشارت إلى أن المنظمة أبلغت عن وجود مجموعات غير ناضجة وأسراب بالغة، مع توقع ظهور جيل ثالث من التكاثر نتيجة استمرار الظروف الملائمة، ما يعني إمكانية تضاعف الأعداد إذا لم يتم التدخل في الوقت المناسب.
وشددت بولاراش على أهمية اعتماد استراتيجيات استباقية، خاصة في مرحلة الحوريات (الجراد غير البالغ)، لأن القضاء عليها قبل تحولها إلى أسراب طائرة يقلل بشكل كبير من مخاطر الاجتياح. كما دعت إلى تعزيز التنسيق مع البلدان المجاورة لاحتواء بؤر التكاثر في مناطقها الأصلية قبل انتقالها شمالا.
ووفقا للفاو، يتميز الجراد الصحراوي بقدرته التدميرية الكبيرة، إذ يستهلك ما يعادل وزنه من الغذاء يوميا، كما أن أسراب الجراد قد تضم حتى 80 مليون جرادة في الكيلومتر المربع الواحد، وهو عدد قادر على استهلاك كمية غذائية تكفي لإطعام 35 ألف شخص.
وتشير الخبيرة إلى أن المغرب ليس غريبا عن هجمات الجراد الصحراوي، إذ يعد من الدول التي واجهت هذه الظاهرة الطبيعية التي تكررت عبر العقود الماضية، خصوصا في سنوات الجفاف في الثمانينيات والتسعينيات، حينما تسببت أسراب الجراد في تدمير مساحات واسعة من المحاصيل الزراعية، مما انعكس بشكل مباشر على الإنتاج الزراعي الوطني والأمن الغذائي.
دينامية مناخية وتحول طوري
من جانبه، اعتبر الخبير البيئي ورئيس جمعية المنارات الإيكولوجية من أجل التنمية والمناخ، مصطفى بنرامل، أن التحركات الحالية لأسراب الجراد ليست حدثا معزولا، بل نتيجة تفاعل بيئي مركب بين المناخ والتربة والغطاء النباتي وحركة الرياح.
وأوضح بنرامل تصريحه لـSNRTnews، أن ما يجري يتعلق بدينامية تكاثر متسارعة انطلقت من مناطق جنوب الصحراء، قبل أن يمتد إلى الشريط الساحلي للمغرب.
وأرجع ذلك إلى أمطار غير معتادة في جنوب الصحراء ساهمت في رفع نسبة الرطوبة داخل التربة الرملية، ما خلق بيئة خصبة لوضع البيض ونمو اليرقات، إلى جانب تحسن الغطاء النباتي الذي وفر شروط تغذية ملائمة.
كما لعبت التيارات الهوائية الجنوبية والجنوبية الشرقية، خاصة خلال فترات الانتقال الموسمي، دورا حاسما في توجيه حركة الأسراب من العمق الإفريقي نحو الجنوب المغربي.
وأشار إلى أن الجراد الصحراوي، المعروف علميا باسم Schistocerca gregaria، يتميز بظاهرة التحول الطوري، حيث ينتقل من طور انعزالي إلى طور تجمعي عندما ترتفع كثافته في البيئة، وفي هذا الطور، يتغير سلوكه ولونه ويصبح أكثر ميلا للتجمع، ما يؤدي إلى تشكل أسراب قد تضم ما بين 40 و80 مليون جرادة في الكيلومتر المربع الواحد.
كما أن الأنثى الواحدة تضع ما بين 80 و120 بيضة في الدفعة الواحدة، ويمكن أن تتكرر العملية عدة مرات خلال الموسم إذا توفرت الرطوبة، فيما تستغرق دورة الحياة الكاملة حوالي ثلاثة أشهر في الظروف الملائمة.
أما من حيث الحركة، فيمكن للسرب أن يقطع ما بين 80 و150 كيلومترا في اليوم مستفيدا من التيارات الهوائية.
وأضاف أن هذا الانتقال تحكمه خرائط الضغط الجوي واتجاهات الرياح في طبقات الجو المتوسطة، ما يفسر رصد الجراد في مدن مثل الداخلة والعيون وبوجدور خلال فترات زمنية متقاربة، باعتبارها نقاط استقبال طبيعية بحكم موقعها الجغرافي على مسار الرياح الجنوبية. وبذلك، فإن الوضعية تعكس تفاعلا بين دينامية الغلاف الجوي، ووفرة الغطاء النباتي بعد الأمطار، والقدرة البيولوجية العالية للجراد على الاستجابة السريعة للمتغيرات المناخية.
هل يشكل تهديدا للفلاحة؟
يرى بنرامل أن مستوى الخطورة يرتبط بحجم الأسراب ومدة بقائها في المناطق الزراعية، ففي المناطق الصحراوية ذات النشاط الفلاحي المحدود، غالبا ما يقتصر الأثر على المراعي والنباتات الطبيعية، غير أن انتقال الأسراب إلى مناطق فلاحية كبرى مثل سوس قد يرفع من حجم الخسائر المحتملة، خاصة بالنسبة للزراعات الربيعية.
ومع ذلك، يشدد الخبير على أن المغرب راكم خبرة مهمة في مجال الرصد والمكافحة، سواء عبر فرق التدخل الأرضي أو من خلال الرش الجوي، ما يعزز القدرة على احتواء الوضع قبل تحوله إلى موجة غزو واسعة النطاق.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
إفريقيا
مجتمع