مجتمع
بناء المهارات أم بحث سريع عن الإجابات؟.. أساتذة يرصدون تأثير الذكاء الاصطناعي على علاقة التلميذ بالمعرفة
11/03/2026 - 10:19
خولة ازنيزني
لم يعد المشهد داخل الفصول الدراسية كما كان سابقا، فبعد أن كان التلميذ يعتمد أساسا على ما يقدمه الأستاذ داخل القسم، ويقضي وقتا في البحث بين الكتب والمراجع أو على صفحات الإنترنت لفهم درس صعب أو تحليل نص أدبي أو منهجية فلسفية، أصبح اليوم قادرا على الحصول على الشرح والحلول في ثوان معدودة.
يكفي أن يطرح سؤالا على إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي حتى يتلقى إجابة مفصلة أو ملخصا شاملا، وهو ما أدخل الخوارزميات بشكل غير مباشر إلى قلب التعليم.
هذا التحول السريع في طرق الوصول إلى المعرفة يفتح نقاشا داخل الأوساط التربوية حول تأثير الذكاء الاصطناعي على التحصيل الدراسي للتلاميذ، خاصة في الامتحانات الإشهادية، كما يطرح تساؤلات حول مستقبل المدرسة ودور الأستاذ في زمن أصبحت فيه المعرفة متاحة بضغطة زر.
بين التخوف والفرصة
يرى أستاذ الفلسفة في التعليم الثانوي عادل مزوز، أن النقاش حول الذكاء الاصطناعي في التعليم ينقسم إلى اتجاهين رئيسيين، فهناك من يعتبر أن هذه الأدوات تهدد المدرسة لأنها قد تجعل الآلة تفكر بدلا من التلميذ وتقلص دور الأستاذ، بينما يرى فريق آخر أنها وسيلة يمكن أن ترفع من كفاءة المتعلم وتقلص الفوارق المعرفية بين التلاميذ، فضلا عن تقديم دعم بيداغوجي للطاقم التربوي في تنظيم التعلمات.
ويؤكد مزوز، في تصريح لـSNRTnews، أن مادة الفلسفة لها خصوصية في هذا السياق، لأن التفكير الفلسفي يقوم أساسا على النقد وطرح الأسئلة وإثارة الدهشة والشك.
ويوضح أن الاعتماد المفرط على الإجابات الجاهزة قد يضعف هذه الدينامية، لأن منطق الفلسفة لا يقوم على الوصول السريع إلى الجواب، بل على بناء التفكير عبر التساؤل والتحليل.
ويرى المتحدث أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في التكنولوجيا في حد ذاتها، بل في طبيعة النظام التعليمي، فإذا ظل التعليم قائما على الحفظ واسترجاع المعلومات، فقد تتحول أدوات الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة سهلة لتجاوز الجهد الفكري، أما إذا ركزت المدرسة على التحليل والنقاش وبناء الأفكار، فإن هذه التكنولوجيا قد تصبح وسيلة قوية لدعم التعلم.
كما يشكل انتشار الذكاء الاصطناعي تحديا لنظام الامتحانات التقليدي، إذ إن الاختبارات التي تعتمد أساسا على استرجاع المعلومات قد تفقد جزءا من قيمتها في زمن تستطيع فيه الخوارزميات تقديم الإجابات بسرعة.
تجارب دولية في إدماج الذكاء الاصطناعي
وأشار مزوز إلى أن بعض الأنظمة التعليمية في العالم بدأت العمل على طرق تقييم جديدة تركز على حل المشكلات والتفكير النقدي والعمل الجماعي، الى جانب توجه دول إلى إدماج الذكاء الاصطناعي داخل المنظومات التعليمية.
ففي الصين، على سبيل المثال، أصبح تعليم الذكاء الاصطناعي جزءا من البرامج الدراسية في مختلف المراحل، حيث يكتسب التلاميذ منذ سن مبكرة معارف أساسية حول هذه التقنيات وتطبيقاتها وأبعادها الأخلاقية.
أما في بعض مدارس الإمارات، فتُستخدم منصات تعليمية ذكية تحلل أداء الطلاب وتقترح محتوى تعليميا يتناسب مع مستوى كل متعلم، ما يسمح بتقديم دعم فردي للتلاميذ وتقليص الفجوات التعليمية بينهم.
كما تعتمد بعض المدارس في قطر أنظمة تدريس ذكية تراقب أداء التلاميذ وتحدد احتياجاتهم التعليمية، وهو ما يسمح بتوجيه الدعم التربوي بشكل أدق، ويجعل من الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة في العملية التعليمية.
صعوبة تقييم المستوى الحقيقي للتلاميذ
على مستوى الممارسة اليومية داخل الأقسام، يثير استعمال الذكاء الاصطناعي عددا من التحديات لدى الأستاذ، خاصة في ما يتعلق بتقييم مستوى التلاميذ الحقيقي.
في هذا السياق، يؤكد أستاذ مادة الرياضيات، معتز الإدريسي، أن الاعتماد المتزايد على هذه الأدوات يجعل من الصعب أحيانا معرفة ما إذا كان التلميذ قد فهم الدرس فعلا أم أنه اكتفى بالحصول على جواب جاهز.
ويضيف أن العملية التعليمية قد تتحول في بعض الحالات من بناء للمهارات إلى مجرد بحث سريع عن الإجابات، خاصة في المواد العلمية مثل الرياضيات حيث تكون النتيجة هي العنصر الأساسي في التقييم. ففي هذه الحالة يصعب على الأستاذ التأكد مما إذا كان التلميذ قد توصل إلى الحل اعتمادا على مهاراته أم بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي.
وأشار إلى أن عددا من التلاميذ يعتمدون على تطبيقات متخصصة في حل المسائل الرياضية، وهي أدوات تقدم الحلول خطوة بخطوة، الأمر الذي قد يؤثر على اكتساب المهارات الأساسية في المادة.
ويؤكد أن التلميذ في مرحلة التعلم ينبغي أن ينجز واجباته بنفسه أولا، ثم يمكنه الاستعانة بهذه الأدوات للمراجعة أو لطرح أسئلة إضافية، أو حتى للحصول على تمارين إضافية تتناسب مع مستواه، وهو ما قد يساعد على تعزيز الفهم دون الوقوع في التبعية الكاملة للتكنولوجيا.
كما يشدد على أن الأساتذة بدورهم في حاجة إلى تطوير مهاراتهم الرقمية، حتى يتمكنوا من تأطير استعمال هذه التقنيات داخل الفصل الدراسي وتوجيهها بشكل إيجابي.
الذكاء الاصطناعي في المواد الإنسانية
من جانبه، يؤكد عبد الكريم فريكي، أستاذ مادة الاجتماعيات في التعليم الثانوي التأهيلي، أن عددا من التلاميذ أصبحوا يستعملون أدوات الذكاء الاصطناعي في إنجاز الفروض المنزلية وإعداد العروض.
ويوضح أن هذه النماذج قادرة على إنتاج نصوص كاملة في وقت وجيز بفضل تقنيات التعلم العميق، وهو ما قد يجعل من الصعب في بعض الأحيان كشف الاعتماد عليها من خلال أدوات تقليدية.
ومع ذلك، يشير فريكي إلى أن الأستاذ الذي يمتلك خبرة في المادة يمكنه غالبا ملاحظة أن الإجابة مصدرها الذكاء الاصطناعي، خاصة عندما تكون عبارة عن معلومات عامة لا تعكس أسلوب التلميذ المعتاد في الكتابة.
ويرى أن الهدف من المدرسة لا يقتصر على الحصول على نقط جيدة أو التفوق على الآخرين، بل يتمثل أساسا في بناء مسار تعلمي ينتقل فيه المتعلم من مرحلة عدم الفهم إلى مرحلة الفهم، وهو ما يتطلب إشراكه في عملية التفكير والتحليل.
بين ضغط النجاح وبناء التفكير
في السياق نفسه، يرى طارق الرملي، الباحث في سوسيولوجيا المعرفة والخبير التربوي، أن انتشار الذكاء الاصطناعي في التعليم يطرح تساؤلات متعددة تتعلق بتأثير هذه البرمجيات على مستوى تحصيل التلاميذ وعلى طريقة تفكيرهم النقدي، إضافة إلى تأثيرها على أنظمة التقييم والامتحانات.
ويشير الرملي، في تصريح لـSNRTnews، إلى أن طريقة استعمال التلاميذ لهذه الأدوات ترتبط في كثير من الأحيان بمدى امتلاكهم للمهارات الرقمية اللازمة للتعامل معها، كما ترتبط أيضا بالضغط المرتبط بالنجاح والحصول على نقط جيدة.
ويوضح أنه وفق المقاربة السوسيولوجية، قد يلجأ بعض التلاميذ إلى هذه التقنيات ليس فقط بدافع الغش، بل نتيجة الضغط المرتبط بالنقط والشهادات والترتيب الدراسي، حيث تتحول برمجيات الذكاء الاصطناعي في نظرهم إلى وسيلة لتقليص مخاطر الفشل وتعزيز فرص النجاح.
وفي المقابل، يمكن لهذه الأدوات أن تؤدي دورا إيجابيا في التعلم، إذ يمكن استعمالها لشرح الدروس وتبسيط المفاهيم وتقديم تمارين إضافية تساعد التلاميذ، خاصة في المستويات الإشهادية، على ترسيخ المعارف الأساسية.
ويرى الرملي أن الأستاذ بدوره مطالب بمواكبة هذه التحولات وفهم طرق اشتغال هذه التقنيات، لأن إتقان المهارات الرقمية أصبح من متطلبات مجتمع المعرفة. غير أن هذه المهارات، حسب قوله، تظل غير كافية إذا لم تقترن بالتفكير النقدي وبالتأطير التربوي.
ويؤكد أن الاستعمال الإيجابي للذكاء الاصطناعي داخل المدرسة يبقى مشروطا بتأطير تربوي واضح من طرف الأساتذة، يحدد حدود استخدام هذه الأدوات ويوجهها لخدمة التعلم بدل أن تتحول إلى بديل عن التفكير.
ويخلص المتحدث إلى أن هذه التحولات التكنولوجية تفرض إعادة التفكير في منظومة التعليم، بما ينسجم مع متطلبات مجتمع المعرفة. فالتحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إدماج التكنولوجيا، بل في بناء إنسان قادر على التفكير النقدي والابتكار، من خلال منظومة قيم متماسكة وكفايات معرفية تتلاءم مع تحولات العصر، حيث تبدو القيمة الحقيقية للتعليم مرتبطة أكثر من أي وقت مضى بتعليم الإنسان كيف يفكر، وليس فقط ماذا يعرف.
مقالات ذات صلة
ذكاء اصطناعي
تكنولوجيا
مجتمع
تكنولوجيا