اقتصاد
الطاقة النووية.. خيار استراتيجي لتعزيز السيادة الطاقية بالمغرب
12/03/2026 - 09:47
مراد كراخي
جدد المغرب، خلال القمة الدولية الثانية حول الطاقة النووية المنعقدة بباريس، تأكيده على ضرورة إدماج الطاقة النووية المدنية ضمن المزيج الطاقي الوطني. ويأتي هذا التوجه في سياق عالمي يفرض تحولا عميقا في المنظومات الطاقية والبحث عن حلول منخفضة الكربون، من بينها الطاقة النووية.
وقد شهدت الطاقة النووية تحولا كبيرا، إذ انتقلت من الاستخدامات العسكرية إلى التطبيقات المدنية، لتصبح اليوم أحد المكونات الرئيسية في المزيج الطاقي العالمي، بفضل التطور التكنولوجي وتزايد الحاجة إلى مصادر طاقة مستقرة وقليلة الانبعاثات.
وأشار رئيس الحكومة، في كلمته خلال القمة الدولية الثانية للطاقة النووية، إلى أن حقول الفوسفاط في المغرب تزخر بكميات مهمة من اليورانيوم الطبيعي، معتبرا أن هذا المعطى "يمنح بلادنا بعدا استراتيجيا إضافيا في النقاش الدائر حول الطاقة النووية المدنية".
وكان المغرب من بين 27 دولة، وقعت، بمناسبة القمة الدولية الثانية حول الطاقة النووية، التي نظمت أول أمس الثلاثاء بباريس، على إعلان بشأن تمويل الطاقة النووية، حيث وأكد الموقعون أنهم يعترفون "بأهمية تعبئة تمويل كاف ومتوقع ومتنوع لمشاريع الطاقة النووية".
ويتطلع الموقعون على الإعلان إلى تعبئة مزيج من آليات التمويل التي تجمع بين القطاع العام والمؤسسات المالية الدولية وهيئات ائتمان الصادرات والمستثمرين من القطاع الخاص، إضافة إلى أدوات مالية مبتكرة وأطر تنظيمية مناسبة للأصول، حسب ما نقلته وكالة المغرب العربي للانباء.
ويواصل المغرب في الوقت ذاته تعزيز استثماراته في الطاقات المتجددة، التي تمثل حاليا نحو 46 في المائة من القدرة الكهربائية الوطنية، مع هدف بلوغ 52 في المائة بحلول سنة 2030.
خيار استراتيجي
أكد مدير المعهد الملكي للدراسات الاستراتيجية، محمد توفيق مولين، خلال يوم دراسي عقد في أبريل الماضي أن الطاقة النووية المدنية يمكن أن تشكل خيارا استراتيجيا للمغرب لتعزيز سيادته الطاقية ودعم انتقاله نحو اقتصاد منخفض الكربون، في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها المشهد الطاقي العالمي.
وأوضح مولين أن الطلب المتزايد على الكهرباء يتطلب مصادر طاقة مستقرة وموثوقة ومنخفضة الانبعاثات، ما يجعل الطاقة النووية خيارا مكملا للطاقات المتجددة وليس بديلا عنها. كما يمكن أن يساهم إدماجها في تعزيز الأمن الطاقي وتقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، فضلا عن دعم مشاريع استراتيجية واعدة مثل تطوير صناعة الهيدروجين الأخضر.
وسبق أن وقّع المركز الوطني للطاقة والعلوم والتقنيات النووية والوكالة الدولية للطاقة الذرية اتفاقيتي شراكة. تتعلق الأولى بالتجديد الثاني للفترة 2025-2029، للاعتراف بالمركز كمركز دولي متعاون في استخدام التقنيات النووية والنظائر المشعة في مجالات إدارة الموارد المائية وحماية البيئة والتطبيقات الصناعية، بينما تهم الاتفاقية الثانية تطوير المهارات والقدرات في مجالات الأمان الإشعاعي وأمن النقل والنفايات المشعة والأمن النووي.
تنويع مصادر الطاقة
يرى إدريس زجلي، أستاذ التعليم العالي والخبير في مجال الطاقة، أن المغرب راهن على استخدام الطاقة النووية في التطبيقات المدنية منذ ثمانينيات القرن الماضي.
وأوضح زجلي، في تصريح لـSNRTnews، أن المملكة تتجه في السنوات الأخيرة إلى توسيع خياراتها الطاقية من خلال دراسة إدماج الطاقة النووية المدنية ضمن المزيج الطاقي الوطني، بهدف تعزيز الأمن الطاقي ومواكبة التحولات العالمية في مجال الطاقات منخفضة الكربون، متوقعا أن يحقق هذا التوجه مكاسب اقتصادية وبيئية وتقنية مهمة.
وأورد أن المغرب يعتمد بشكل كبير على استيراد مصادر الطاقة الأحفورية لتلبية احتياجاته، ما يجعله عرضة لتقلبات الأسعار في الأسواق الدولية. ومن شأن إدماج الطاقة النووية أن يساهم في تنويع مصادر الطاقة وتقليص الاعتماد على الواردات الطاقية، خاصة في ظل الطلب المتزايد على الكهرباء نتيجة النمو الاقتصادي والتوسع الصناعي.
كما توفر الطاقة النووية، وفق المتحدث ذاته، قدرة إنتاجية مستقرة على مدار الساعة، بخلاف بعض الطاقات المتجددة المرتبطة بالظروف المناخية مثل الرياح أو أشعة الشمس، ما يساهم في ضمان استمرارية الإمدادات الكهربائية ودعم استقرار الشبكة الوطنية.
انعكاسات اقتصادية وصناعية واعدة
لا يقتصر دور الطاقة النووية المدنية على إنتاج الكهرباء، بل يمتد إلى مجالات متعددة مثل الطب والزراعة وإدارة الموارد المائية والصناعة. ويشكل التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية فرصة مهمة لتعزيز نقل المعرفة وبناء القدرات الوطنية في التقنيات النووية.
وأشار زجلي إلى أن التطور الصناعي الذي يشهده المغرب، خاصة في قطاعات مثل صناعة السيارات ومكونات ومحركات الطائرات، يتطلب موارد طاقية كبيرة، معتبرا أن إدماج الطاقة النووية يمكن أن يساهم في خفض تكاليف الإنتاج وتعزيز تنافسية الصناعة المغربية على المستوى العالمي.
ويرى أن توجه المغرب نحو إنجاز محطات لتحلية مياه البحر لمواجهة الإجهاد المائي يتطلب موارد طاقية كبيرة، وهو ما قد يجعل الطاقة النووية خيارا فعالا لتقليص تكاليف إنتاج المياه المحلاة.
وتوقع أن يساهم تطوير برنامج نووي مدني في جذب استثمارات مهمة في مجالات الهندسة والطاقة والتكنولوجيا، إضافة إلى خلق فرص شغل جديدة في مجالات البحث والتكوين والتشغيل والصيانة، فضلا عن تطوير صناعات محلية مرتبطة بسلاسل القيمة الخاصة بالتكنولوجيا النووية.
ويراهن المغرب على بناء مزيج طاقي متوازن يجمع بين الطاقات المتجددة والغاز الطبيعي وربما الطاقة النووية مستقبلا، بهدف ضمان استقرار المنظومة الطاقية الوطنية وتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء، خاصة في ظل المشاريع الصناعية الكبرى والتحول نحو الاقتصاد الأخضر.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
سياسة
تكنولوجيا
سياسة