فن وثقافة
في يومه العالمي.. هل تعكس الثقافة المسرحية في المغرب مكانته كأب للفنون؟
27/03/2026 - 23:22
خولة ازنيزني
قبل أكثر من مئة عام، شهدت مدينة طنجة ولادة تجربة فنية جديدة سنة 1907، حين ارتفعت على خشبة مسرح "سيرفينتاس" أصوات ممثلين آمنوا بفنهم وحملوا شعلة المسرح من جيل إلى جيل. منذ تلك اللحظة، بدأ المسرح المغربي رحلته الطويلة والمتنوعة، بين مسرح الحلقة، ومسرح سلطان طلبة، ومسرح البساط، وصولا إلى مسرح سيدي الكتفي، كل منها شكل نقطة انطلاق لمسار ثقافي وفني واجتماعي غني عرفه المغرب.
لم يكن المسرح مجرد عرض أو وسيلة للتسلية، بل منصة للإبداع والإلهام، وصياغة الأسئلة الكبرى عن المجتمع، والحب، والهوية، وتشكيل الوعي المجتمعي، كمساحة للتجريب الجمالي والفكري، تربط بين الفنان والجمهور في حوار مباشر.
ومع مرور الزمن، عرف المسرح تحولات عديدة، مواكبا تغيرات المغرب والعالم، محافظا في الوقت نفسه على عمقه الروحي وهويته الفنية، ومع حلول يوم المسرح العالمي، الذي يصادف الـ27 من مارس، تتجدد الفرصة للاحتفاء بهذا الفن العريق، والتأمل في تحولات المسرح وتحدياته، وطرح تساؤلات حول مدى استمرار ثقافة المسرح لدى الجمهور المغربي.
مسرح اليوم ليس مسرح الأمس
يرى الكاتب المسرحي عبد الكريم برشيد أن المسرح المغربي يعيش مرحلة تحديات طبيعية وفترات انتقالية، خاصة أمام المنافسة التي تفرضها التحولات التكنولوجية ووسائل الترفيه الحديثة، لا سيما منصات التواصل الاجتماعي، التي أعادت تشكيل علاقة الجمهور بالمسرح، مؤثرة على الإقبال الجماهيري وطبيعة التفاعل بين المتفرج والنص المسرحي.
ويضيف رائد "الاحتفالية"، في تصريحه لـSNRTnews، أن مسرح اليوم ليس مسرح الأمس، لكن روح المسرح ومساره الوجودي مستقر، ويؤكد أن هذا التحول الطبيعي، إلى جانب التغييرات التي شهدها المغرب، يستدعي من المسرحيين تجديد التقنيات، توسيع المضامين، وتعميق الأسئلة الفكرية والجمالية، مع الاحتفاظ بالهوية الفنية للمسرح المغربي دون الخروج عن أصله.
ويشير الكاتب إلى أن الشغف المسرحي، الذي كان يوما ما مكثفا مثل الشغف بكرة القدم أو الموسيقى اليوم، يمر بمرحلة ركود، موضحا أن ثقافة المسرح في المغرب تتنافس مع تقاليد وارتباطات ثقافية أخرى، مثل الموسم الثقافي التقليدي، إضافة إلى الفرجة السينمائية والموسيقية.
ورغم ذلك، يضيف برشيد، فإن المسرح المغربي يواصل تطوره، مع صحوة وتجديد وابتكار، ما بين انتكاسات تنظيمية وإبداعية، لكنه يتميز بالصمود والمقاومة ليظل حاضرًا في المشهد الثقافي والفني المغربي.
ويؤكد برشيد أن المشهد المسرحي اليوم غني ومتنوع، مع وجود تيارات تراثية وأصولية، وحداثية وتجريبية، وحتى عروض تجارية تستهدف الترفيه الخالص، ومع ذلك، يرى أن روح الإبداع والسؤال الفكري لم تعد بالقوة نفسها التي كانت عليها في الماضي، وهو أمر طبيعي في ظل تغير السياق التاريخي والاجتماعي والسياسي.
ويضيف أن المسرح المغربي ظل على الدوام ضمير المجتمع، سواء عبر تقديم الفرجة أو من خلال نقل الرسائل الفكرية والوجدانية، مؤكدا أن كل فعل إبداعي هو رسالة تُبعث للجمهور، تماما كما هي طبيعة اللغة والفن والرقص، داعيا إلى إدراك قيمة هذه الرسائل وتأثيرها على المستوى الجمالي والفكري.
تطور رغم التحديات
من جانبه، يؤكد المخرج المسرحي والأستاذ بالمعهد العالي للفن المسرحي والتنشيط الثقافي، محمود الشاهدي، أن المسرح المغربي يعرف حضورا قويا على المستويين الوطني والدولي، مع عروض مسرحية تقوم بجولات دولية وتلقى استقبالا مهما من الجمهور.
ويضيف الشاهدي، في تصريحه لـSNRTnews أن التطورات في طرق الاشتغال والإنتاج المسرحي أدت إلى تنوع فني وابتكار مستمر، ما يعكس قدرة المسرح على مواكبة العصر.
غير أن الشاهدي يشير إلى أن غياب المسارح المبرمجة بشكل مستمر وواضح يضعف علاقة الجمهور بالمسرح ويحد من قدرة المبدعين على تطوير أعمالهم، مشددا على أهمية خلق فضاءات تربط العمل المسرحي بالجمهور، وتتيح تكوين علاقة متينة بين العمل والمشاهد، من خلال تصور فني واضح ومستمر يتيح الترويج للإبداع المسرحي بشكل فعال.
ويضيف أن ثقافة المسرح لدى الجمهور المغربي ما زالت حاضرة، وإن كانت محدودة نسبيا، خصوصا بين الشباب والمهتمين بالفنون، لكن الإقبال الجماهيري غالبا ما يقتصر على المهتمين والطلبة والفنانين الممارسين، مشددا على أنه لا يجب أن يكون نخبويا.
ويرصد المخرج أيضا توجه الجمهور نحو الفكاهة والترفيه أكثر من الأعمال التربوية أو التراجيدية والاجتماعية، مما قد يفرغ بعض الأعمال المسرحية من حمولتها الفكرية والاجتماعية.
كما أن فكرة الثقافة المجانية أضعفت أحيانا تقدير الجمهور لقيمة الفن المسرحي، إضافة إلى أن تدريس المسرح على المستويات الدراسية المبكرة محدود، ما يجعل الجمهور يفتقد إلى القاعدة التعليمية التي تغذي شغفه الفني.
ورغم كل هذه التحديات، يبرز المسرح المغربي في كل المهرجانات العربية والدولية كرقم صعب، مع مشاركة بارزة، مؤكدا أن الاستمرار في دعم المبدعين، وتوفير فضاءات منتظمة، وربط الإبداع بالبرمجة الفنية، هو ما سيعيد للمسرح صورته الحقيقية ويقوي حضوره الجماهيري والفكري.
ويختتم الشاهدي بأن المسرح المغربي يواصل التطور والصمود، ويشهد صحوة وابتكارا مستمرا، مع بروز أسماء شابة قادرة على الإبداع والمنافسة.
وتبرز أهمية دعم المبدعين وربطهم بالفضاءات المبرمجة، لإعطاء الأعمال المسرحية فرصة للوصول إلى الجمهور وضمان استمرار المسرح كفضاء للحوار الفني والفكري.
كما أن المسرح المغربي، رغم التحولات الاجتماعية والثقافية، يظل منصة حية للتجربة الإنسانية والفكرية، تجمع بين التقاليد والحداثة، وبين الرسالة الفكرية والفرجة الجماهيرية، ويواصل دوره كمكون أساسي في المشهد الثقافي المغربي، مؤكدا أن الاحتفال باليوم العالمي للمسرح فرصة لتذكير الجمهور بقيمة هذا الفن العريق، وتشجيع الأجيال الجديدة على الانخراط في مسار المسرح المستمر في الإبداع والتجديد.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة