فن وثقافة
عودة الأفلام إلى السينما.. حين تستعيد الصالات السينمائية كلاسيكياتها
04/04/2026 - 11:22
خولة ازنيزني
لم تعد برامج العروض السينمائية في عدد من دور العرض تقتصر على أحدث الإصدارات فقط، إذ برزت خلال السنوات الأخيرة ظاهرة ثقافية جديدة تتمثل في إعادة عرض أفلام سبق أن حققت نجاحا جماهيريا أو نقديا عند إصدارها الأول. هذا التوجه، الذي أخذ يتسع في عدد من البلدان، يعكس تحولا في استراتيجيات استغلال الأرشيف السينمائي، كما يمنح الجمهور فرصة لاكتشاف أو إعادة اكتشاف أعمال شكلت محطات بارزة في تاريخ الفن السابع.
وتندرج هذه المبادرات ضمن استراتيجيات تسويقية تعتمدها شركات التوزيع ودور السينما، تقوم على إعادة تقديم أفلام ناجحة لجمهورها القديم الذي يرغب في مشاهدتها مجددا في ظروف عرض سينمائية، وفي الوقت نفسه تتيح لجيل جديد من المتفرجين التعرف على أعمال ربما لم تتح له فرصة مشاهدتها عند صدورها. وغالبا ما ترتبط هذه العروض بمناسبات خاصة مثل الذكرى السنوية لإطلاق الفيلم، أو بعمليات ترميم تقنية تمنح العمل حياة جديدة بجودة عرض أعلى.
في هذا السياق، خصصت دور السينما في فرنسا فيلمين بارزين خلال شهر مارس لإعادة عرضهما، رغم أن عرضهما الأول يعود إلى سنوات سابقة. ويأتي هذا الاختيار في إطار الاحتفاء بأعمال تركت أثرا في تاريخ السينما العالمية.
ومن بين هذه الأعمال فيلم The Revenant الذي عاد إلى دور العرض الفرنسية في الفترة ما بين 25 و31 مارس 2026، احتفالا بالذكرى العاشرة لصدوره.
الفيلم، الذي أخرجه أليخاندرو غونزاليس إيناريتو، يعد من أبرز الأعمال السينمائية في العقد الأخير، وحقق عند عرضه سنة 2015 نجاحا كبيرا في شباك التذاكر العالمي بلغت إيراداته أكثر من 532 مليون دولار.
ويؤدي الدور الرئيسي في الفيلم النجم ليوناردو ديكاريو الذي جسد شخصية الصياد هيو غلاس في رحلة بقاء قاسية داخل البراري الأمريكية في القرن التاسع عشر.
وقد حصد الفيلم ثلاث جوائز أوسكار من بين 12 ترشيحا، من بينها جائزة أفضل ممثل لليوناردو دي كابريو، وأفضل مخرج لإيناريتو، وأفضل تصوير سينمائي. وتدور أحداثه حول صائد فرو يتعرض لهجوم دب ويُترك ليموت في البرية، لكنه ينجو ويبدأ رحلة شاقة عبر مسافات طويلة بحثًا عن الرجل الذي خانه.
ويعرض الفيلم في نحو 200 قاعة سينمائية في فرنسا بنسختيه الفرنسية والإنجليزية، إضافة إلى نسخة بتقنية IMAX التي توفر تجربة بصرية وصوتية أكثر غنى، وذلك ضمن حملة إعادة عرض تشمل أيضا عدة دول من بينها الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا.
إلى جانب ذلك، تعود إلى الشاشات أيضا واحدة من أشهر كلاسيكيات السينما العالمية، وهي One Flew Over the Cuckoo's Nest، الذي يعرض مجددا بعد خمسين عاما على إطلاقه الأول سنة 1975، لكن هذه المرة بنسخة مرممة فائقة الدقة بتقنية 4K Ultra HD. ويعد هذا العمل من أبرز الأفلام في تاريخ السينما الأمريكية، إذ حصد خمس جوائز أوسكار رئيسية، من بينها أفضل فيلم وأفضل ممثل.
يروي الفيلم قصة رجل يدعى ماكمورفي، يؤدي دوره النجم Jack Nicholson، يتظاهر بالجنون ليدخل مصحة للأمراض النفسية هربا من السجن، غير أن وجوده داخل المؤسسة يقوده إلى مواجهة مباشرة مع نظام صارم تمثله رئيسة الممرضات ميلدريد راتشيد.
ومن خلال هذه القصة، يقدم الفيلم نقدا حادا لبعض الممارسات داخل المؤسسات النفسية، ويطرح أسئلة عميقة حول الحرية والسلطة والاختلاف.
ويستند العمل إلى رواية الكاتب الأمريكي كين كيسي التي استلهمها من تجربته في العمل داخل مستشفى للأمراض النفسية في كاليفورنيا مطلع ستينيات القرن الماضي. وقد مرّ إنتاج الفيلم بمسار طويل قبل أن يرى النور، حيث اشترى النجم Kirk Douglas حقوق الرواية في البداية وحاول تحويلها إلى فيلم، قبل أن يتولى ابنه إنتاج المشروع لاحقا، فيما أسند الإخراج إلى المخرج التشيكي الأمريكي ميلوس فارمان.
وتفسر عودة هذه الأفلام إلى الصالات بعدة عوامل متداخلة، فمن جهة، أدى التطور التكنولوجي في تقنيات ترميم الصورة والصوت إلى إعادة إحياء العديد من الأعمال السينمائية بنسخ عالية الدقة، تصل في بعض الأحيان إلى تقنيات 4K أو 8K، كما تُستخدم شاشات أكبر وأجهزة عرض حديثة، ما يتيح عرضها بجودة تفوق أحيانا النسخ الأصلية التي شاهدها الجمهور عند إطلاقها لأول مرة.
ومن جهة أخرى، تراهن شركات الإنتاج والتوزيع على القيمة الرمزية والثقافية لبعض الأفلام التي تحولت إلى علامات بارزة في تاريخ السينما، إذ تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة وتستمر في استقطاب الاهتمام حتى بعد مرور سنوات على إنتاجها.
أما من حيث نوعية الأفلام التي تُعاد عرضها، فتميل الصالات إلى اختيار الأفلام الكلاسيكية التي تركت بصمة في تاريخ السينما، إضافة إلى الأفلام الحديثة التي حققت نجاحا جماهيريا أو نقديا. هذه الاستراتيجية تسمح للصالات بتقديم تجربة سينمائية تجمع بين النوستالجيا والحداثة، كما تستهدف مختلف فئات الجمهور، من عشاق السينما القديمة إلى الشباب الباحث عن الأفلام الأكثر رواجا.
علاوة على ذلك، يتم تنظيم عروض خاصة لمهرجانات سينمائية وأيام تذكارية للأفلام، مما يعزز تفاعل الجمهور ويعيد الروح الاجتماعية للسينما كمكان للقاء والثقافة.
كما تلعب الاعتبارات الاقتصادية دورا مهما في هذا التوجه، إذ تمثل إعادة العرض وسيلة منخفضة المخاطر نسبيا مقارنة بإطلاق أفلام جديدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بأعمال حققت نجاحا كبيرا في شباك التذاكر أو حصدت جوائز سينمائية مرموقة.
وتعكس هذه المبادرات المتزايدة لإعادة عرض الأفلام تحولات في علاقة الجمهور بالسينما، إذ لم تعد الصالات فضاء لعرض الجديد فقط، بل تحولت أيضا إلى مساحة لاستعادة الذاكرة السينمائية، وبين الرغبة في الاحتفاء بالأعمال الخالدة واستغلال الإمكانات التقنية الحديثة، تبدو إعادة العرض واحدة من الطرق التي تحافظ بها السينما على حضورها الثقافي في زمن تتسارع فيه وسائل المشاهدة الرقمية.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة