فن وثقافة
فيلم "زنقة مالقا" لمريم التوزاني.. ماريا أو مديح الهوية "المرنة"
04/05/2026 - 12:01
محمد باكريم
"ليست الهوية هي التي تصنعنا، بل نحن من نصنع هويتنا".
كما يشير عنوان هذه المساهمة، في إحالة مباشرة، أقترحُ مقاربة الفيلم الجديد لمريم التوزاني، "زنقة مالقا" (المغرب-فرنسا؛ 2025) من خلال "عدسة" مفاهيم مستعارة من علم الأنثروبولوجيا، لا سيما أعمال الأنثروبولوجي المغربي الأستاذ (والسينيفيلي) حسن رشيق، وبالتحديد كتابه "مديح الهويات المرنة" (2016، هناك ترجمة الى العربية من إنجاز الأستاذ حسن الطالب).
تُقدم الشخصية الرئيسية في الفيلم، ماريا - وهي سيدة إسبانية مُسنة تعيش في طنجة وتقاوم ضغوط ابنتها لبيع منزلها - تجسيداً مثالياً لما يسميه حسن رشيق "الهوية المرنة" (l'identité molle)، وهو مفهوم يضعه في مقابل الهوية "الصلبة" أو الإقصائية. "نحن نميز بين نمطين متقابلين: الهوية الصلبة والهوية المرنة. الأولى تقوم على تصنيف أحادي وإقصائي، وعلى تصور طبيعي، متجانس وكلياني. أما الثانية فتقوم على تصور احتوائي، نسبي وانتقائي".
أعتبر بأن هذه الإحالة تجد مشروعيتها أولا في النص الفيلمي ذاته، وأيضاً في كون قضايا الهوية والانتماء تخترق سينما مريم التوزاني بشكل متنوع، تلميحا وتصريحا، دراميا وجماليا، كما أنها إشارات حاضرة في الخطاب الذي تنتجه حول أفلامها. هكذا نجد هذه الإحالات في فيلم "آدم" (2019) حيث تتناول موضوع الأمومة كخيار واعٍ من خلال تتبع مسار تشكل وعي ذاتي لأم عازبة؛ وفي "أزرق القفطان" (2022)، تُسائل قضية الرجولة لا كبناء اجتماعي جامد، بل كاكتشاف للذات.
مع شخصية ماريا، تفرض قضية الأصول والانتماء نفسها ضمن نهج تطوري يتسم بالشحنة الرمزية القوية التي تتغذى من الفضاء الذي يحتضنها: طنجة. ماريا أنخيليس (التي أدت دورها كارمن ماورا) تجسد هذه السيولة الهوياتية من خلال تجذرها في هذه المدينة الكوزموبوليتانية.
من المنظور الذي رسمناه لنقدنا، أي الأعمال الأنثروبولوجية، نجد أن الهوية هي خيار وسياق. صحيح أن ماريا إسبانية بالولادة، لكن "طنجاويتها" هي خيار يومي. إنها ترفض العودة إلى مدريد مع ابنتها كلارا، لأن هويتها ترسبت في جغرافيا المدينة وفي شقتها بـ"زنقة مالقا"، (أو "حومة مالقة" حسب ترجمة صديقي الأديب البازي عبد اللطيف).
يؤكد حسن رشيق أن الهوية المرنة تعزز الاستقلال الفردي، ويتجلى هنا من خلال معارضتها لبيع شقتها، وبذلك تؤكد ماريا حقها في تحديد من تكون، بعيداً عن التصنيفات المؤسساتية- الرسمية (الجنسية) أو البيولوجية (الشيخوخة). الهوية ليست إقامة جبرية، بل هي بناء ديناميكي، مرن وسلس؛ وهو ما تطالب به ماريا. بالنسبة لها، الهوية ليست إرثاً جينياً بل تأسيس مستمر. الفيلم يوحي بذلك ضمنياً، وهو ما ألخصه كالتالي: ليست الهوية هي التي تصنعنا، بل نحن من نصنع هويتنا.
تلتقط كاميرا التوزاني هذا "البناء" وتتابعه بتعاطف (بل وبتواطؤ!)؛ فكل لقطة تعيد تقديمها / تمثلها بالفعل ضمن هذا الخيار من الانتماء المتصالح مع ذاته، وتُبرزها كجسد يتفتح مع تقدم التزامها الجديد؛ هذا التفتح الذي سيجد ذروته في مشاهد الحب، بوصفها التكريس العاطفي والجسدي الأسمى لهذا الخيار.
يظهر الفيلم ماريا أنخيليس مندمجة تماماً في طنجة، موضحاً "المجتمع المركب". وترمز علاقتها مع تاجر تحف أثرية مغربي (من أداء المخرج أحمد بولان) إلى هذا الانصهار: إنهما لا يلتقيان كممثلين لـ"هويتين"، بل كحساسيتين تشتركان في ذاكرة واحدة للأشياء والأماكن.
لقد كان من الممكن لـ"هوية صلبة" - ترمز إليها ابنتها- أن تجبر ماريا على اختيار جهة أو وطن في سن الشيخوخة، غير أن مقاربة التوزاني تقدم لنا امرأة تسكن حياتها كـ"هوية مرنة"، لينة، منفتحة ومستعدة أن تعيش قصة حب في سن متأخر - حسب الأعراف-، وسعيدة في أرض ليست أرضها بالدم، بل بالقلب.
هذا التعاطف "الإخراجي" اتجاه الشخصية يمتد ليشمل المكان. فالمخرجة، وهي طنجاوية القلب والنظرة، تصور مسقط رأسها كمكون أساسي في السرد. في تشكيلة الفضاء السينمائي لمريم التوزاني، الهوية المرنة لا تُفكر، بل تُعاش وتُعبر. إنها تغادر مجال الفكرة لتصبح جغرافيا فيزيائية حيث تتلاشى الحدود بين "الأنا" و"الآخر". ويبرز، في هذا الصدد، شكلان كمعطى جمالي وكمحرك درامي: الشقة و"زنقة مالقا" (وليس من قبيل الصدفة أن الحومة هي التي أعطت عنوانها للفيلم، فهي بطلته).
إن عمارة ماريا أنخيليس ليست حصناً إسبانياً في أرض مغربية، بل هي فضاء وسيط. الشقة-الرق (Palimpseste): جدران بيتها لا تفصل بين عالمين، بل تدمجهما. ففيها تجاور الأشياء الإسبانية العمارة المغربية. وبالنسبة للمقاربة الأنثروبولوجية، تتغذى الهوية المرنة من هذا التجاور الخالي من الصراع. تصبح العمارة "مكان-ذاكرة"، حيث ماريا ليست مهاجرة ولا مغتربة، بل مكوناً عضوياً في الحي مع أماكن ناطقة: الشرفة، الأبواب، والنوافذ. غالباً ما تصور كاميرا التوزاني ماريا عند النوافذ أو على عتبة بابها، وهذه الفتحات ترمز إلى مسامية هويتها: إنها تنظر إلى طنجة وطنجة تنظر إليها. إنها لا تنغلق أبداً داخل جنسيتها، بل تترك المدينة "تنضج" داخلها.
في مشاهد ذات أبعاد تشكيلية تحيل الى المدرسة الانطباعية، نرى ماريا تتنقل في الأزقة؛ حيث يتم تصوير التجوال كنوع من الانتماء دون مسافة "السائح". إنها تسكن "الحومة". تشرح لنا الأنثروبولوجيا أن "الهوية المرنة" سياقية: في الزنقة، ماريا طنجاوية بإيماءاتها، وتحياتها، وإيقاعها. تنادي التجار بأسمائهم، تطلب مشترياتها وتستقبل في بيتها.
هذا التناغم المرح، المتولد من تهجين (أدوار سعيد) ثقافي، سينتهي بلمس القلب مع وصول الحب وما سأسميه "التهجين العاطفي". إن العلاقة بين ماريا وعبد السلام تمنح السرد بعداً آخر. فتاجر التحف، الذي كان مجرد تاجر يسعى لعقد صفقات جيدة مع إسبانية في أرذل العمر، يجد نفسه في وضع غير مسبوق يوقظ فيه مشاعر أخرى. أصبح الآن، تحت تأثير الحب، صلة وصل في عملية بناء ذاكرة مشتركة. لم تعد قطع الأثاث مسجلة ضمن علاقات تجارية كسلع استهلاكية، بل كـ"وعاء للذاكرة". برفضها بيع أثاثها وسعيها لاستعادة ما فقد منه (الرحلة إلى أصيلة جوهرية في هذه القراءة)، تحمي ماريا التجذر المادي لهويتها المغربية. هذا الثنائي من "العشاق المسنين" يثبت أن الارتباط بالمكان هو فعل حب ومقاومة.
لكن الفيلم ليس مرافعة مملة عن الاندماج؛ فقوة الفيلم وقدراته على الإغواء تكمن في ما تبرع فيه التوزاني: الحفاظ على البعد التخييلي للسرد الذي يقترب من "اليوتوبيا السينمائية". إنها تستثمر الخيال كمنطقة حرية (وهي بصمة تكاد تميز أفلامها الطويلة الثلاثة). أذكر مثالاً على ذلك المشاهد التي تحول فيها ماريا شقتها إلى "مقهى سري" لبث المباريات وبيع الجعة. لا يتعلق الأمر بالتساؤل عما إذا كان هذا نقلاً لواقع معاش (ربما ذكرى من سيرة ذاتية للمخرجة)، بل بعيش لحظة سينمائية/ تذوق لحظة شاعرية حيث حتى ممثلو السلطة يغضون الطرف، مما يؤكد أننا في رحاب ما سمّيته "يوتوبيا سينمائية".
ماريا لا تكتفي بسكن طنجة، بل "تحيك" حضورها، تنسج سردية هوياتية. فمن خلال تنظيم في بيتها مشاهدة مباريات كرة القدم وبيع الجعة، تخلق فصولاً جديدة تحول وضعها من أجنبية إلى "ذاكرة حية" للحي. لم تعد حياتها قدراً جغرافياً، بل مشروعاً سردياً (الهوية السردية حسب بول ريكور). في مواجهة الرؤية البراغماتية والحسابية لابنتها، تضع ماريا رؤية شاعرية للوجود: الرؤية التي تمنح الحق في إعادة كتابة الأصول. باختيارها البقاء، ترفض أن يضع الآخرون (العائلة أو الإدارة) نقطة النهاية لقصتها. تظل هي الراوية الوحيدة لحياتها، محولة "الزنقة-Calle-Rue Malaga" إلى مكان رمزي لسيادة مُستعادة.
مقالات ذات صلة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة
فن و ثقافة