رياضة
المنخرط في زمن الشركات الرياضية.. سلطة رمزية أم قوة حاسمة داخل الأندية المغربية؟
17/05/2026 - 09:19
رضى زروق
في خضم التحولات التي تعرفها كرة القدم الوطنية، لم يعد النقاش مقتصرا على النتائج داخل الملعب، بل امتد إلى عمق البنية التنظيمية للأندية، حيث يطرح سؤال مركزي نفسه بإلحاح: ما هو الدور الحقيقي للمنخرط داخل الأندية المغربية في زمن الشركات الرياضية؟ وهل ما زال قادرا على التأثير، أم أنه أصبح مجرد فاعل رمزي داخل منظومة جديدة تحكمها لغة المال والاستثمار؟
منذ دخول قانون التربية البدنية والرياضة 30.09 حيز التطبيق، بدأت الأندية المغربية تعيش تحولا بنيويا نحو نموذج الشركات الرياضية، في محاولة لمواكبة متطلبات الاحتراف وتحديث طرق التسيير. هذا التحول لم يكن شكليا فقط، بل أعاد رسم خريطة السلطة داخل النادي.
بين الجمعية والشركة.. تحول في موازين السلطة
في النموذج التقليدي، كانت الجمعية الرياضية هي القلب النابض للنادي، والمنخرطون يمثلون قاعدته الديمقراطية، يختارون الرئيس ويصادقون على القرارات الكبرى. أما اليوم، ومع بروز الشركة الرياضية ككيان اقتصادي مستقل، أصبح القرار الفعلي مرتبطا بمجلس الإدارة والمساهمين، وفق منطق الأسهم والاستثمار.
وبهذا المعنى، تم تحييد دور المنخرط جزئيا، حيث بقي تأثيره محصورا داخل الإطار الجمعوي، دون امتداد مباشر إلى تدبير الشركة، التي أصبحت تتحكم في الجانب المالي والاستثماري للنادي.
رغم هذا التحول، لا يمكن القول إن المنخرط فقد تأثيره بالكامل، فالقانون ما زال يمنحه صلاحيات مهمة داخل الجمعية الرياضية، أبرزها انتخاب الرئيس والمكتب المديري والمصادقة على التقارير الأدبية والمالية، إلى جانب مراقبة التسيير وطرح الأسئلة داخل الجموع العامة.
لكن الإشكال الحقيقي يكمن في أن هذه الصلاحيات، على الرغم من أهميتها، لم تعد كافية لوحدها لتوجيه القرار داخل نادٍ أصبح يدار بمنطق اقتصادي معقد. وهنا قد يظهر نوع من التناقض، فالمنخرط يملك الشرعية الانتخابية، لكنه لا يملك دائما مفاتيح القرار.
أندية القمة.. حين يتحول المنخرط إلى فاعل أساسي
في الأندية الكبرى، مثل الوداد والرجاء، لا يظل المنخرط مجرد عنصر بسيط، بل يتحول إلى فاعل حقيقي قادر على تغيير موازين القوى. فتجارب السنوات الأخيرة أظهرت أن ضغط المنخرطين يمكن أن يفرض رحيل رؤساء، أو يعطل مشاريع، أو يعيد توجيه النقاش داخل النادي.
بل إن بعض الجموع العامة تحولت إلى ساحات صراع حقيقي، مما يعكس حجم النفوذ الذي بات يملكه بعض المنخرطين، خاصة أولئك الذين ينتمون إلى "كتل منظمة" داخل النادي.
نظام الانخراط.. بين الديمقراطية والانحرافات
من حيث المبدأ، جاء نظام الانخراط منذ منتصف التسعينات لتوسيع قاعدة المشاركة داخل الأندية، وإخراج القرار من يد فئة ضيقة نحو جمهور أوسع.
لكن مع مرور الوقت، ظهرت مجموعة من الاختلالات التي أثرت على مصداقية هذا النظام، من أبرزها ما أصبح يُعرف بـ"الإنزال الانتخابي"، حيث يعمد بعض الرؤساء إلى فتح باب الانخراط بشكل مكثف قبيل الجموع العامة لضمان كتلة تصويتية موالية، إلى جانب شبهات تمويل الانخراط عبر دفع واجباته لفائدة أشخاص معينين لضمان ولائهم، فضلا عن ضعف معايير الانتقاء في غياب شروط صارمة مرتبطة بالكفاءة والنزاهة. هذه الممارسات جعلت من الانخراط، في بعض الحالات، أداة للصراع بدل أن يكون آلية ديمقراطية سليمة.
الإطار القانوني وحدود التطبيق
ينظم قانون 30.09 العلاقة بين الجمعية والشركة الرياضية، ويضع أسس الحكامة الحديثة، من خلال إلزام الأندية المحترفة بإنشاء شركات رياضية وتحديد شروط التسيير المالي والإداري، مع فصل المسؤوليات بين الجمعية التي تضطلع بدور التمثيل، والشركة التي تتكفل بالشق المرتبط بالتدبير.
غير أن الإشكال لا يكمن في النصوص، بل في التطبيق. فعدة مؤشرات تؤكد أن تنزيل هذه القوانين يتم ببطء شديد، مع غياب وضوح كاف في بعض الجوانب التنظيمية، وهو ما يخلق فراغا يسمح بإعادة إنتاج نفس الممارسات القديمة داخل قوالب جديدة.
وإذا قارنا النموذج المغربي ببعض الدول، نجد أن إسبانيا مثلا، على مستوى أندية مثل ريال مدريد وبرشلونة، تمنح المنخرط (سوسيو) سلطة واسعة تشمل انتخاب الرئيس والتصويت على القرارات الكبرى، بينما تفرض ألمانيا قاعدة 50+1 التي تضمن احتفاظ الجماهير بالأغلبية داخل الأندية، ما يحد من هيمنة المستثمرين. في المقابل، تعتمد فرنسا نموذجا أقرب إلى الشركات، حيث يبقى دور الجمعيات محدودا.
إذا كان المنخرط قد فقد جزءا من سلطته التقليدية، فإنه ما زال يمتلك ورقة مهمة تتمثل في الشرعية. غير أن تفعيل هذه الشرعية يمر عبر تأطير قانوني أدق لعملية الانخراط، وفرض معايير شفافة للعضوية، وتعزيز الرقابة والمحاسبة داخل الأندية، إلى جانب خلق توازن حقيقي بين الجمعية والشركة، بما يسمح بإعادة بناء الثقة داخل المنظومة.
في زمن الشركات الرياضية، لم يعد المنخرط ذلك الفاعل المطلق كما في السابق، لكنه أيضا لم يتحول إلى مجرد رقم هامشي، فهو اليوم في منطقة رمادية، بين سلطة تتآكل، ودور جديد لم يتشكل بعد.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة