اقتصاد
رهان على إبرام اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة بين المغرب وكوريا الجنوبية .. ما الهدف منها؟
11/05/2026 - 09:41
خولة ازنيزني
يعزز المغرب توجهه نحو تنويع شراكاته الاقتصادية وتوسيع حضوره ضمن سلاسل الإنتاج والاستثمار العالمية، عبر الانفتاح على قوى اقتصادية جديدة، بعدما رسخ علاقاته التجارية مع الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وعزز تعاونه خلال السنوات الأخيرة مع عدد من الشركاء الآسيويين، من بينهم الهند.
وفي هذا السياق، تبرز كوريا الجنوبية كوجهة جديدة تراهن الرباط وسيول على تطوير التعاون معها، من خلال اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة مرتقبة، يُنتظر أن تفتح آفاقا أوسع للتبادل التجاري والاستثمار والتعاون الصناعي والتكنولوجي بين البلدين.
وأكد الجانبان، عزمهما إطلاق المفاوضات في أقرب الآجال، معتبرين أن هذه الاتفاقية من شأنها أن تشكل “رافعة استراتيجية” لتعزيز المبادلات الاقتصادية وتطوير التعاون الثنائي، في وقت تتطلع فيه سيول إلى توسيع حضورها الاقتصادي في شمال إفريقيا، بينما يواصل المغرب سياسة تنويع شركائه الاقتصاديين خارج الفضاءات التقليدية المرتبطة بأوروبا والولايات المتحدة.
ويرى الكاتب العام السابق لوزارة التجارة الخارجية والخبير الاقتصادي محمد بنعياد، أن هذا التقارب يعكس تحولات عميقة يعرفها اقتصاد البلدان معا، موضحا أن الاقتصاد الكوري انتقل من اقتصاد مستورد إلى اقتصاد متنوع ومعقد، وفي المقابل يعرف الاقتصاد المغربي بدوره تحولات في أولوياته الصناعية واللوجستية، وهو ما يدفع الطرفين إلى التفكير في مسارات جديدة للتعاون.
وأوضح بنعياد، في تصريح لـSNRTnews، أن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة لا تقتصر فقط على فتح أسواق السلع والخدمات، كما هو الحال في اتفاقيات التبادل الحر التقليدية، بل تمتد إلى مجالات أوسع تشمل الاستثمار، والتعاون الصناعي، ونقل التكنولوجيا، وتعزيز الشراكات التقنية.
المغرب بوابة إفريقيا
وأضاف أن كوريا الجنوبية تنظر إلى المغرب باعتباره بوابة اقتصادية واعدة نحو إفريقيا، بالنظر إلى موقعه الجغرافي والبنيات التحتية التي طورها خلال السنوات الأخيرة، خاصة ميناء طنجة المتوسط وميناء الداخلة الأطلسي، إلى جانب شبكاته اللوجستية واتفاقياته التجارية مع عدد من الدول الإفريقية.
وينظر إلى المغرب كبوابة استراتيجية لأسواق أوروبا والشرق الأوسط وإفريقيا، خاصة بعد توقيعه اتفاقيات تجارة حرة مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، ما يجعله شريكا مثاليا لسيول التي تسعى لتنويع شراكاتها في القارة الإفريقية.
وأشار المتحدث ذاته إلى أن هذه المعطيات تمنح المستثمرين الكوريين أفضلية مهمة، إذ يمكن للشركات التي تختار التصنيع في المغرب الولوج إلى الأسواق الإفريقية دون رسوم جمركية، وهو ما يجعل المملكة منصة إنتاج وتصدير أكثر تنافسية مقارنة بعدد من الدول الآسيوية.
ويأتي هذا التقارب في سياق اهتمام كوري متزايد بقطاعات استراتيجية داخل المغرب، على رأسها النقل السككي وصناعة البطاريات الخاصة بالسيارات الكهربائية.
وفي هذا الإطار، كانت الرباط قد وقعت اتفاقية مع شركة “هيونداي-روتم” الكورية لتطوير شبكة السكك الحديدية بالمملكة، بقيمة تفوق مليار ونصف المليار دولار، وهو المشروع الذي يعتبره مراقبون نموذجا للتعاون الصناعي والتكنولوجي بين البلدين.
كما يشمل التعاون الأخير عقدا لتسليم قطارات كهربائية ذات طابقين لفائدة المكتب الوطني للسكك الحديدية، في خطوة تندرج ضمن استعدادات المغرب لاستضافة كأس العالم 2030 إلى جانب إسبانيا والبرتغال، وكذا ضمن مخطط توسيع الشبكة السككية وربط أكثر من 40 مدينة مغربية بخدمات النقل السككي.
وفي موازاة ذلك، يبرز قطاع البطاريات كأحد أبرز مجالات التعاون المرتقب، خاصة مع مشروع “جيغا فاكتوري” قرب القنيطرة، الذي يعد أول مصنع عملاق لبطاريات السيارات الكهربائية في إفريقيا، باستثمار إجمالي يناهز 6,5 مليارات دولار، يرتقب أن يبدأ الإنتاج خلال الربع الثالث من سنة 2026.
ولا تقتصر أهمية المشروع على إنتاج البطاريات فقط، بل تشمل أيضا تصنيع مكونات أساسية مثل الكاثودات والأنودات، ما يجعله مجمعا صناعيا متكاملا يعزز تموقع المغرب ضمن سلاسل القيمة العالمية المرتبطة بالسيارات الكهربائية.
واردات كورية يقابلها استثمار
وبخصوص طبيعة العلاقات التجارية بين البلدين، أوضح بنعياد أن الميزان التجاري يميل بشكل واضح لصالح كوريا الجنوبية، بالنظر إلى هيمنة الواردات الكورية المرتبطة بالتجهيزات التكنولوجية، من هواتف وحواسيب وأجهزة منزلية وسيارات ومعدات إلكترونية، مقابل صادرات مغربية محدودة تشمل بعض المنتجات الصناعية والنسيج والزيوت الأساسية والألمنيوم.
ورغم هذا الاختلال التجاري، يؤكد الخبير الاقتصادي أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين تعرف دينامية متصاعدة، خاصة على مستوى الاستثمارات الكورية بالمغرب، والتي شهدت ارتفاعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة.
وتشير معطيات مكتب الصرف المتعلقة بالتجارة الخارجية لسنة 2024 إلى أن الواردات المغربية من كوريا الجنوبية ارتفعت من حوالي 3,8 مليارات درهم سنة 2020 إلى نحو 6,7 مليارات درهم سنة 2024، لتشكل ما يقارب 0,9 في المائة من إجمالي الواردات المغربية.
كما انتقل المخزون الصافي للاستثمارات المباشرة الكورية الجنوبية بالمغرب من 3,94 مليارات درهم سنة 2022 إلى حوالي 6,46 مليارات درهم سنة 2023، في وقت ارتفعت فيه تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بالمغرب بنسبة تجاوزت 74 في المائة بين سنتي 2021 و2024.
وفي المقابل، يظل حجم الاستثمارات المغربية المباشرة في كوريا الجنوبية محدودا، كما يبقى مستوى الدين الخارجي المغربي تجاه كوريا الجنوبية في حدود 13,1 مليون درهم إلى غاية نهاية سنة 2024.
دينامية متواصلة
ولا تنفصل هذه الدينامية الاقتصادية عن السياق السياسي الذي يطبع العلاقات بين الرباط وسيول، إذ يؤكد بنعياد أن العلاقات السياسية بين البلدين إيجابية وتعرف مسارا متناميا، مشيرا إلى أن كوريا الجنوبية تنظر إلى المغرب كشريك استراتيجي مستقر داخل المنطقة، وقادر على لعب دور محوري في الربط بين إفريقيا وأوروبا والشرق الأوسط.
وفي ظل التحولات التي تعرفها سلاسل الإنتاج العالمية، والتنافس المتزايد حول الأسواق الإفريقية، تبدو اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة بين المغرب وكوريا الجنوبية خطوة جديدة ضمن مساعي البلدين لبناء تعاون اقتصادي متعدد الأبعاد، يتجاوز المبادلات التجارية التقليدية نحو شراكات صناعية وتكنولوجية طويلة المدى.
ما الفرق بين اتفاق تبادل حر واتفاقية شراكة شاملة؟
من جهته، يرى الخبير الاقتصادي إدريس العيساوي أن التوجه الكوري الحالي نحو إبرام اتفاقية شراكة اقتصادية شاملة مع المغرب لا يمكن قراءته فقط من زاوية التبادل التجاري التقليدي، بل باعتباره خطوة استراتيجية تروم بناء شراكة صناعية وتكنولوجية متكاملة بين البلدين.
ويشير إلى أن هذا المسار يأتي امتدادا لمباحثات رفيعة المستوى جرت خلال أبريل 2025 بسيول، والتي دعت إلى تسريع التعاون في سلاسل التوريد والصناعات الرقمية.
وأضاف العيساوي، في تصريح لـSNRTnews، أن كوريا الجنوبية تنظر إلى المغرب باعتباره بوابة استراتيجية نحو إفريقيا وأوروبا، خاصة في ظل تحوله إلى منصة صناعية ولوجستية بفضل بنياته التحتية واتفاقياته التجارية المتعددة.
كما يلفت إلى أن اهتمام الشركات الكورية يتمحور حول قطاعات السيارات الكهربائية والبطاريات، في سياق إعادة تشكيل سلاسل القيمة العالمية.
ما الفرق بين اتفاقية الشراكة الشاملة واتفاقيات التبادل الحر التقليدية؟ يؤكد العبساوي أن اتفاقيات التبادل الحر الكلاسيكية تركز أساسا على خفض الرسوم الجمركية وتسهيل تجارة السلع وبعض الخدمات، بينما تمثل اتفاقية الشراكة الاقتصادية الشاملة جيلا جديدا من الاتفاقيات يتجاوز الجوانب التجارية نحو مجالات أوسع تشمل الاستثمار المباشر، والتجارة الإلكترونية، وحماية الملكية الفكرية، والمشتريات الحكومية، والتعاون التقني، وتسهيل حركة رؤوس الأموال والكفاءات.
ويؤكد أن هذا النموذج من الاتفاقيات يمنح المغرب فرصا أوسع لدمج مقاولاته في الاقتصاد الرقمي العالمي، كما يعزز قدرته على الاستفادة من التحولات المرتبطة بالأمن الغذائي والطاقي وسلاسل الإمداد، ، كما يتيح للمقاولات فرصا أكبر للاندماج في التجارة الإلكترونية والأسواق الدولية.
ويضيف أن التعاون مع كوريا في مجالات القطارات الكهربائية والبطاريات يمثل “قفزة نوعية” نحو نقل التكنولوجيا والخبرات وتوطين الصناعة بدل الاكتفاء بالاستيراد، فضلا عن دعم طموح المغرب للتحول إلى مركز إقليمي لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية، مستفيدا من توفره على معادن استراتيجية مثل الفوسفاط والكوبالت.
ويبرز أيضا أن المغرب يستثمر شبكة اتفاقياته التجارية وموقعه الجغرافي لتحويل نفسه إلى منصة بين أوروبا وإفريقيا، مستفيدا من مشاريع كبرى مثل طنجة المتوسط والقطب المالي للدار البيضاء، إلى جانب استقطاب استثمارات في السيارات والطاقات المتجددة.
غير أن العيساوي يحذر من تحديات قائمة، أبرزها اختلال الميزان التجاري لصالح كوريا، إلى جانب الفجوة التكنولوجية وتكاليف النقل، نظرا للبعد الجغرافي وتكاليف الشحن، مؤكدا أن نجاح هذه الشراكة يظل رهينا بقدرة المغرب على جذب استثمارات إنتاجية تضمن نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعة.
مقالات ذات صلة
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد