مجتمع
كاميرات المراقبة .. إلى أي حد تساهم في ردع الجريمة؟
01/06/2026 - 20:47
خولة ازنيزني
يتزايد النقاش حول تنامي الشعور بارتفاع معدلات الجريمة والعنف داخل الفضاء العام، في سياق يتسم بانتشار واسع لمقاطع فيديو توثق لحوادث سرقة واعتداء وتخريب، وقد أعادت هذه المقاطع طرح سؤال الأمن الحضري، ومدى قدرة الوسائل الحديثة، وعلى رأسها كاميرات المراقبة، على الحد من الجريمة وتعزيز الإحساس بالأمان، فإلى أي حد يمكن لهذه الكاميرات أن تؤدي فعلا دورا ردعيا فعالا؟
أصبحت كاميرات المراقبة جزءا من المشهد اليومي داخل المدن المغربية، حيث انتشرت في الشوارع الرئيسية، والإقامات السكنية، والمحلات التجارية، والمؤسسات الخاصة، وحتى داخل وسائل النقل.
إقبال متزايد
يؤكد هشام علوي، وهو فاعل مهني في مجال بيع وتركيب كاميرات المراقبة بالدار البيضاء، أن الإقبال على هذه الأجهزة عرف ارتفاعا ملحوظا خلال السنوات الأخيرة، سواء من طرف المؤسسات أو الأفراد، بدافع تعزيز الحماية والشعور بالأمان.
وأوضح علوي، في تصريحه لـSNRTnews، أن استخدام الكاميرات لم يعد يقتصر على العمارات والمحلات التجارية، بل امتد إلى داخل الشقق والمقاهي والفضاءات الخاصة، مع تنوع كبير في الأسعار حسب الجودة والتقنيات، إذ تبدأ من 2000 درهما مع التركيب، وتصل إلى 9000 درهما اعتمادا على تقنيات عالية الدقة وربط مباشر بالهواتف الذكية.
وأبرز أن القطاع شهد تطورا تقنيا متسارعا، مع ظهور كاميرات عالية الدقة، وأنظمة ذكية مرتبطة بالهواتف المحمولة، وخدمات التخزين السحابي التي تتيح الاحتفاظ بالتسجيلات لفترات طويلة، إضافة إلى تقنيات الرؤية الليلية وكشف الحركة والتنبيه الفوري.
هذا التطور جعل من أنظمة المراقبة أدوات أكثر مرونة، قادرة على المتابعة عن بعد وربط عدة مواقع في وقت واحد، بل ومشاركة المعطيات مع الجهات الأمنية عند الحاجة.
نقاش متجدد
وينظر إلى كاميرات المراقبة باعتبارها أداة لتعزيز الأمن، ووسيلة مساعدة في كشف المتورطين في الأفعال الإجرامية، من خلال ما توفره من تسجيلات يمكن الاعتماد عليها في التحقيقات الأمنية والقضائية.
غير أن هذا التوسع في استعمالها يرافقه نقاش متجدد حول حدود فعاليتها في الحد من الجريمة. فبينما يرى البعض أن مجرد وجود الكاميرات يشكل عامل ردع نفسي وسلوكي يدفع بعض الأفراد إلى التراجع عن ارتكاب أفعال إجرامية، يعتبر آخرون أن تأثيرها يظل نسبيا ومحدودا، خاصة عندما ترتبط الجريمة بعوامل اجتماعية واقتصادية معقدة مثل البطالة والهشاشة والتفكك الأسري وتعاطي المخدرات.
وتشير بعض الدراسات الدولية إلى أن اعتماد أنظمة مراقبة مرئية قد يساهم في تقليص بعض أنواع الجرائم، غير أن هذه النتائج تظل مرتبطة بالسياق المحلي وطبيعة الأفعال الإجرامية، كما أن الجريمة قد لا تختفي، بل تنتقل أحيانا إلى فضاءات أقل مراقبة، ما يجعل الكاميرات جزءا من منظومة أمنية أوسع، وليس حلا مستقلا بذاته.
"الأمن التكنولوجي المساعد”
في هذا الإطار، يؤكد الخبير في التواصل الأمني والباحث في القانون العام عبد الرحيم جديان أن كاميرات المراقبة تعد وسيلة مهمة ضمن ما يمكن وصفه بـ”الأمن التكنولوجي المساعد”، أي استخدام الوسائل الرقمية والبصرية لتعزيز الرصد والتتبع والإثبات والتدخل الأمني.
وأوضح جديان، في تصريحه لـSNRTnews، أن لهذه الكاميرات وظيفة ردعية مباشرة، إذ تجعل الفضاء العام أكثر قابلية للملاحظة، ما قد يدفع بعض الجناة المحتملين إلى التراجع عن ارتكاب أفعالهم خوفا من التوثيق والتعرف على هوياتهم.
وتبرز هذه الوظيفة بشكل خاص في جرائم السرقة والاعتداءات في الشارع العام، وتخريب الممتلكات، وبعض المخالفات المرورية، إضافة إلى الجرائم المرتكبة في محيط المؤسسات التجارية والبنكية والسكنية.
كما تساهم هذه الأجهزة في تعزيز الشعور بالأمن لدى المواطنين، من خلال الإحساس بأن الفضاء مراقب وأن فرص الإفلات من العقاب أصبحت أقل.
وإلى جانب دورها الردعي، تتمتع الكاميرات بقيمة إثباتية مهمة، إذ تساعد في تحديد هوية المشتبه فيهم، وتوضيح مسار الجريمة، وتقديم معطيات مادية تعزز عمل الضابطة القضائية والقضاء. وبذلك، فإن دورها لا يقتصر على الحضور الوقائي، بل يمتد إلى ما بعد وقوع الفعل الإجرامي عبر تسريع التحقيقات وتقليص هامش الإنكار.
فعالية محدودة
ورغم هذه الإيجابيات، يشير جديان إلى أن فعالية كاميرات المراقبة تظل نسبية، ولا تحقق نفس مستوى الردع تجاه جميع أنواع الجرائم. فهي أكثر تأثيرا في الجرائم العفوية أو المرتبطة بالانفعال أو تعاطي المخدرات، حيث لا يفكر الفاعل غالبا في عواقب الفعل، بينما تقل فعاليتها في الجرائم المخطط لها مسبقا.
كما يطرح استخدام هذه الكاميرات إشكالات مرتبطة بالحياة الخاصة، إذ قد تتحول من أداة أمنية إلى وسيلة مراقبة مفرطة إذا لم تضبط قانونيا. فالأمن، حسب تعبيره، لا يمكن أن يبرر المساس غير المنضبط بالخصوصية، التي تظل حقا دستوريا يجب احترامه في المنازل والمباني والفضاءات الخاصة.
وتزداد حساسية هذا الإشكال مع الانتشار السريع لمقاطع الفيديو على مواقع التواصل الاجتماعي دون إذن أو تأطير قانوني، ما قد يحول التسجيلات من وسيلة أمنية إلى أداة للتشهير أو المساس بالحياة الخاصة، أو استعمالها خارج الأغراض التي جمعت من أجلها.
لذلك، يعتبر جديان أن فعالية كاميرات المراقبة ترتبط بوجود سياسة أمنية واضحة ومؤطرة قانونيا، تخضع للمراقبة المؤسساتية. وفي غياب ذلك، قد تتحول من أداة لتعزيز الأمن إلى مصدر للقلق المجتمعي وفقدان الثقة.
ويؤكد الخبير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في المفاضلة بين الأمن والحرية، بل في تحقيق توازن بينهما، عبر توجيه الكاميرات نحو حماية الأشخاص والممتلكات دون المساس بالحياة الخاصة، وضمان استعمال قانوني للتسجيلات في الإطار القضائي فقط.
ومن زاوية سوسيولوجية، يرى الباحث في علم الاجتماع حسن قرنفل أن كاميرات المراقبة تساهم في تعزيز الإحساس بالأمان، لكنها لا تشكل حلا كافيا للحد من الجريمة بشكل شامل.
ويوضح قرنفل، في تصريحه لـSNRTnews، أنها تحولت من مجرد أجهزة تسجيل إلى أدوات ذكية قادرة على لعب دور استباقي، خاصة مع إدماج تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي، ما جعلها أكثر دقة في الرصد والتحليل.
ارتفاع في توثيق الجريمة
غير أن الجريمة، حسب قرنفل، تتكيف بدورها مع هذه التقنيات، سواء عبر إخفاء الهوية أو تجنب مناطق المراقبة أو حتى تخريب الأجهزة، كما أن فهم الجريمة لا يمكن اختزاله في المقاربة الأمنية فقط، بل يرتبط بتحولات اجتماعية أعمق داخل المدينة وأنماط العيش والفضاء الرقمي، الذي ساهم في تضخيم الإحساس العام بانعدام الأمن نتيجة الانتشار السريع للمحتويات المصورة.
ويشير الباحث إلى وجود مفارقة بين المعطيات الرسمية التي تسجل تراجعا في بعض مؤشرات العنف، وبين الإحساس المجتمعي المتزايد بارتفاع الجريمة، وهو ما يرتبط بزيادة التوثيق عبر الكاميرات والهواتف وانتشار هذه المقاطع على الإنترنت، إضافة إلى ضعف التبليغ في بعض الحالات.
كما يلفت إلى أن بعض السلوكات، مثل تعاطي المخدرات أو المؤثرات العقلية، تؤثر على إدراك الأفراد لمفهوم الردع والأمن.
وفي المقابل، قد تلجأ بعض المحلات التجارية حتى إلى تركيب كاميرات وهمية فقط لتحقيق أثر نفسي ردعي.
وشدد قرنفل على أن التدخل الأمني، رغم أهميته، لا يمكن أن يكون كافيا بمفرده، مشددا على ضرورة اعتماد إجراءات موازية ومتكاملة مع أنظمة المراقبة، من أجل تحقيق نتائج ملموسة في الحد من الجريمة وتعزيز الإحساس بالأمن داخل المجتمع.
ومن جهة أخرى، يبرز نقاش قانوني وأخلاقي متزايد حول استخدام هذه التقنيات، خاصة مع تطور أنظمة التعرف على الوجوه والذكاء الاصطناعي، وما تثيره من مخاوف تتعلق بالخصوصية وحرية التنقل وحماية المعطيات الشخصية، في ظل احتمال الاستخدام المفرط أو غير المؤطر لهذه الأدوات.
ويجمع المختصون أن هذا التطور التقني، رغم أهميته، لا يكفي وحده لضمان الأمن، إذا لم يندمج ضمن مقاربة شمولية تشمل التدخل الأمني، والسياسات الاجتماعية، والتربية، والإدماج الاقتصادي. فالجريمة ليست فعلا فرديا معزولا، بل نتيجة تفاعلات اجتماعية واقتصادية وثقافية معقدة.
مقالات ذات صلة
مجتمع
إفريقيا
مجتمع
مجتمع