رياضة
ما بعد صافرة النهاية .. كيف يؤمن لاعبو الكرة المغربية حياتهم بعد الاعتزال؟
25/07/2026 - 16:11
رضى زروق
ليست كل القصص تنتهي عندما يطلق الحكم صافرة النهاية الأخيرة. في كرة القدم، تنتهي المسيرة الرياضية عادة في منتصف الثلاثينات من العمر، أي في سن يعتبرها كثير من الموظفين ورجال الأعمال مجرد بداية حقيقية للحياة المهنية.
وبينما يعيش اللاعب سنوات المجد تحت أضواء الملاعب، يظل سؤال واحد يطارده مع اقتراب موعد الاعتزال: ماذا بعد؟
في أوروبا، أصبح التخطيط لمرحلة ما بعد الملاعب جزءا من الثقافة الاحترافية. أما في المغرب، فقد عرف هذا الملف تحولات كبيرة عبر العقود، انتقلت من زمن الوظائف المضمونة داخل المؤسسات العمومية وشبه العمومية، إلى زمن الاستثمار الخاص والتكوين الأكاديمي وإدارة الأعمال.
التدريب.. المسار الطبيعي للاعب المعتزل
يبقى المسار الأكثر شيوعا للاعب المعتزل هو الانتقال إلى التدريب. يبدأ المشوار غالبا بالإشراف على الفئات السنية، ثم الحصول على الدبلومات المطلوبة، قبل التدرج نحو فرق الكبار.
هكذا شق العديد من نجوم المنتخب المغربي والأندية الوطنية طريقهم بعد الاعتزال، من بادو الزاكي إلى وليد الركراكي، مرورا بطارق السكتيوي وجمال السلامي وغيرها من الأسماء.
وبالنسبة إلى كثير من اللاعبين، يبدو هذا الخيار الأكثر طبيعية، لأنه يسمح لهم بالبقاء داخل المجال الذي صنع شهرتهم وخبرتهم، كما يضمن استثمار الرصيد المعرفي والتجربة التي راكموها داخل الملاعب.
من دكة البدلاء إلى الإدارة التقنية
داخل هذا المسار نفسه، اختار بعض اللاعبين الابتعاد عن ضغط النتائج اليومية والتفرغ للتكوين والتأطير التقني.
ويبرز هنا اسم فتحي جمال، أحد أبرز الأطر التقنية التي اشتغلت لعقود داخل منظومة الرجاء والمنتخبات الوطنية، قبل أن يتولى مهام المدير التقني الوطني.
كما يمثل حسن بنعبيشة نموذجا آخر للاعب السابق الذي اختار العمل في التكوين والتأطير، قبل أن يتولى الإدارة التقنية داخل الوداد الرياضي على فترات متقطعة، وهو نفس المنصب الذي يشغله حاليا.
ويمثل هذا المسار خيارا أقل شهرة من التدريب، لكنه أكثر تأثيرا على المدى البعيد، لأنه يساهم في صناعة الأجيال الجديدة ووضع أسس التكوين داخل الأندية والمنتخبات.
أمام الكاميرات والميكروفونات
بينما اختار البعض أرضية الملعب، فضل آخرون البقاء قريبين من الكرة عبر الميكروفون والكاميرا. أصبح يوسف شيبو أحد أشهر المحللين الرياضيين العرب من خلال حضوره المستمر في قنوات "بي إن سبورتس". كما برزت أسماء أخرى في التحليل التلفزيوني والإذاعي مثل محمد سهيل وعزيز بودربالة وفخر الدين رجحي، إلى جانب عدد من اللاعبين السابقين الذين تحولوا إلى وجوه مألوفة في القنوات الوطنية والإذاعات الرياضية والبرامج المتخصصة.
وقد منح الإعلام الرياضي عددا من النجوم السابقين فرصة ثانية للبقاء تحت الأضواء، لكن هذه المرة عبر التحليل وقراءة المباريات بدل خوضها.
عندما كانت المقاهي مشروع التقاعد المفضل
ظل اللاعب المغربي لسنوات طويلة مرتبطا بحلم آخر يكاد يكون جزءا من الثقافة الشعبية داخل الوسط الكروي، يتمثل في امتلاك مقهى.
في الثمانينات والتسعينات وبداية الألفية، كانت المقاهي الوجهة الاستثمارية المفضلة لعدد كبير من اللاعبين المعتزلين.
ويملك الدولي السابق صلاح الدين بصير مقهى معروفا بمنطقة المعاريف بالدار البيضاء، غير بعيد عن برجي "توين سانتر"، كما كان الناخب الوطني السابق بادو الزاكي، يملك مقهى معروفا بشارع أنفا بالدار البيضاء، واستثمر لاعب الوداد السابق عادل الشبوكي في هذا القطاع، بينما يملك يونس منقاري مقهى بمدينة المحمدية، فضلا عن الحارس الرجاوي السابق مصطفى الشاذلي، والنجم السابق للمنتخب الوطني، محمد التيمومي.
وتوجد أسماء أخرى فضلت المطاعم والمقاهي باعتبارها مشاريع مألوفة وسهلة التسيير نسبيا مقارنة بعالم الأعمال المعقد، وكانت الفكرة السائدة آنذاك بسيطة، تتمثل في تحويل المدخرات المتراكمة خلال سنوات اللعب إلى مشروع يوفر دخلا قارا بعد الاعتزال.
زمن الوظيفة المضمونة
قبل ظهور ثقافة الاستثمار الخاص، كانت الأندية المغربية نفسها تلعب دورا مهما في تأمين مستقبل لاعبيها.
داخل الوداد الرياضي، ارتبطت أجيال كاملة من اللاعبين بمؤسسات بنكية وشركات كبرى كانت توفر فرص الشغل للاعبين، خاصة في عهد الرئيس الراحل عبد الرزاق مكوار، الذي كان وراء توظيف العديد من لاعبي النادي.
ويستحضر الوداديون أسماء مثل الراحل مصطفى الرتباوي وعبد الرحيم صابر وبوجمعة قصاب وغيرهم ممن اشتغلوا في مؤسسات بنكية كانت قريبة من النادي.
أما الرجاء الرياضي، فقد ارتبط تاريخيا بمؤسسات الميناء، فعدد من لاعبيه وجدوا وظائف داخل "لوديب" سابقا، التي أصبحت لاحقا "مارسا ماروك"، ومن بينهم أسماء بارزة من أجيال مختلفة.
وفي الرباط، كان الوضع مختلفا تماما. فالجيش الملكي لم يكن مجرد ناد لكرة القدم، بل مؤسسة رياضية مرتبطة بالقوات المسلحة الملكية، ولذلك ارتبط عدد كبير من لاعبيه بالسلك العسكري، من الراحل عبد القادر البرازي إلى خالد العسكري والحسين أوشلا ومصطفى أنافلوس، فضلا عن عشرات اللاعبين الذين جمعوا بين الصفة الرياضية والانتماء العسكري خلال الثمانينات والتسعينات.
كما ارتبط الحارس السابق للوداد الرياضي، زهير العروبي، بمؤسسة الحرس الملكي، في امتداد لهذا النموذج الذي ربط الرياضة بالمؤسسات النظامية.
ولم تكن هذه الحالات معزولة، فقد ارتبطت نهضة سطات لعقود بالخطوط الملكية المغربية، فيما ارتبطت أندية أخرى بمؤسسات عمومية كالمكتب الشريف للفوسفاط، على غرار أولمييك خريبكة، أو المكتب الوطني للسكك الحديدية، كما هو الحال بالنسبة لاتحاد سيدي قاسم، حيث كان عدد من اللاعبين موظفين داخل القطاع السككي.
في ذلك الزمن، لم يكن اللاعب يفكر كثيرا في مستقبله بعد الاعتزال، لأن الوظيفة كانت في كثير من الأحيان مضمونة قبل نهاية مسيرته الرياضية.
جيل جديد يراهن على الشهادات
لكن كرة القدم المغربية تغيرت، فالاحتراف رفع المداخيل، لكنه في المقابل أنهى إلى حد كبير زمن "الوظيفة المضمونة". وأصبح اللاعب مطالبا بصناعة مستقبله بنفسه، ولهذا السبب، بدأنا نلاحظ خلال السنوات الأخيرة بروز جيل جديد أكثر وعيا بأهمية التكوين الأكاديمي.
ويعتبر عبد العظيم خضروف أحد أبرز الأمثلة، بعدما واصل دراسته العليا وحصل على شهادة الماستر في تدقيق الحسابات من إحدى المؤسسات العليا بمراكش، بالتوازي مع مسيرته الكروية.
وتتقاطع هذه الظاهرة مع نماذج أخرى داخل الرياضة المغربية، حيث أصبح عدد متزايد من الرياضيين يراهنون على الشهادات الجامعية والتكوين المهني لتأمين مرحلة ما بعد الاعتزال.
العقار والتجارة.. الوجه الجديد للاستثمار الرياضي
في المقابل، اختار لاعبون آخرون الاستثمار في العقار أو التجارة أو المشاريع الخاصة. فالدولي السابق نور الدين النيبت ينشط في النقل الدولي للبضائع، بينما توجه أحمد البهجة نحو عالم العقارات بمراكش، إلى جانب زميله السابق في الكوكب المراكشي والمنتخب الوطني، الطاهر لخلج.
وهناك لاعبون توجهوا صوب تأسيس مدارس كروية وأكاديميات، بينما اختار آخرون التحول إلى وكلاء للاعبين، مستغلين علاقاتهم الجيدة مع مسؤولي الأندية، بينما فضل البعض الآخر إدارة مشاريع عائلية أو مقاولات صغرى.
وخلافا للأجيال السابقة، أصبح كثير من اللاعبين الحاليين يفكرون في هذه المشاريع وهم لا يزالون يمارسون كرة القدم، مستفيدين من مداخيل الاحتراف وعلاقاتهم المهنية لبناء مصادر دخل موازية.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة