رياضة
هل يملك التحكيم المغربي ما يكفي لمواكبة ثورة التكنولوجيا؟
22/06/2026 - 10:09
رضى زروق
تحول النقاش حول التحكيم المغربي من الحديث عن الأخطاء التحكيمية أو الجدل الذي يرافق بعض قرارات "الفار"، إلى طرح سؤال أعمق يتعلق بمدى قدرة المنظومة التحكيمية الوطنية على مواكبة الثورة التكنولوجية التي تعرفها كرة القدم العالمية، في ظل الاستعداد لاستقبال تقنيات حديثة متطورة تعمل بالذكاء الاصطناعي.
ومع إعلان المديرية الوطنية للتحكيم عن اعتماد تقنية التسلل نصف الآلي SAOT بداية من الموسم الرياضي المقبل، دخل النقاش مرحلة جديدة، تتقاطع فيها التكنولوجيا الحديثة بالمستوى الأكاديمي والمعرفي للحكام، وبطبيعة التكوين الذي يتلقونه، وبقدرة المنظومة ككل على التأقلم مع أدوات لم تعد تعتمد فقط على عين الحكم، بل على الخوارزميات والكاميرات والبيانات الضخمة.
من الهواة إلى الاحتراف.. كيف يُصنع الحكم المغربي؟
يمر حكام كرة القدم المغربية، ذكورا وإناثا، بمسار طويل قبل الوصول إلى مباريات القسم الاحترافي الأول، تحت إشراف المديرية الوطنية للتحكيم والعصب الجهوية التابعة للجامعة الملكية المغربية لكرة القدم.
في البداية، تعلن اللجن الجهوية للتحكيم بمختلف أنحاء المملكة عن فتح باب الترشح السنوي أمام الراغبين في ولوج عالم التحكيم، حيث تتلقى مئات الطلبات من تلاميذ وطلبة وشباب يشتغلون في القطاعين العام والخاص.
ويتم إخضاع المترشحين لعملية انتقاء أولية دقيقة، تشمل شروطا بدنية وصحية صارمة، إذ يتم استبعاد من يقل طولهم عن 1.70 متر، أو من يعانون من السمنة الزائدة أو مشاكل صحية أو ضعف في البصر، قبل المرور إلى مرحلة التكوين النظري والتطبيقي.
ويمتد التكوين الأولي ما بين شهر وشهرين، ويتضمن دروسا نظرية داخل المدارس الجهوية للتحكيم، إلى جانب تطبيقات ميدانية فوق أرضية الملعب، قبل اجتياز امتحان وطني موحد، كتابي وشفوي وميداني، يسمح للناجحين بحمل شارة التحكيم.
ويبدأ الحكام مسارهم من مباريات الفئات الصغرى، ثم بطولات العصب الجهوية، فالهواة، قبل بلوغ القسم الاحترافي الثاني ثم الأول، في رحلة طويلة تقوم تقليديا على التدرج الميداني والخبرة التراكمية.
غير أن كرة القدم الحديثة لم تعد تعتمد فقط على اللياقة البدنية ومعرفة القانون، بل أصبحت تتطلب كفاءات أخرى مرتبطة بالتكنولوجيا، والقدرة على التواصل، وسرعة تحليل المعطيات، والعمل داخل منظومات تقنية معقدة مثل "الفار" ومستقبلا SAOT.
رضوان جيد: المستوى الأكاديمي أصبح جزءا من التقييم
في هذا السياق، أكد رضوان جيد، مدير المديرية الوطنية للتحكيم، خلال اللقاء التواصلي الذي نظمته المديرية يوم 7 ماي بمركب محمد السادس لكرة القدم، أن معظم الحكام يبدؤون مسارهم وهم في مستوى الباكالوريا أو حاملون لشهادة الباكالوريا، مشيرا إلى أنه يشجع الحكام باستمرار على تطوير مستواهم الثقافي والأكاديمي.
وأوضح جيد أن المديرية باتت تعتمد منظومة تقييم جديدة للحكام، تشمل 30 في المائة للجانب التقني، و25 في المائة للجانب البدني، و15 في المائة للجانب التواصلي واللغات، إضافة إلى المستوى التعليمي والأكاديمي.
هذا المعطى يعكس تحولا مهما داخل فلسفة التكوين، إذ لم يعد الحكم مجرد شخص يطبق القانون داخل الملعب، بل أصبح مطالبا بفهم أنظمة رقمية معقدة، والتعامل مع التكنولوجيا الحديثة، والتواصل مع حكام الفيديو ومختلف المتدخلين بلغات متعددة.
حين يدخل الذكاء الاصطناعي إلى البطولة المغربية
التحول الأكبر سيبدأ فعليا الموسم المقبل، مع اعتماد تقنية التسلل نصف الآلي SAOT، في خطوة تعكس رغبة الجامعة والمديرية الوطنية للتحكيم في تقليص هامش الخطأ البشري، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي داخل منظومة التحكيم.
وأكد رضوان جيد في تصريحات لـSNRTnews أن تقنية التسلل نصف الآلي تروم تقليص التدخل البشري في حالات التسلل، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة في اتخاذ القرار.
وأوضح الحكم الدولي السابق أن هذه التقنية ستمنح ثقة أكبر لكافة المتدخلين، وستقلص مدة التوقفات، بفضل استخدام 24 كاميرا ثابتة ترصد تحركات اللاعبين والكرة بشكل لحظي.
وتقوم تقنية SAOT على تتبع 10 آلاف نقطة بيانات لكل لاعب في الثانية الواحدة، مع استخدام كاميرات مدعومة بالذكاء الاصطناعي لإنشاء نموذج ثلاثي الأبعاد دقيق لتحركات اللاعبين.
كما تشتغل التقنية الجديدة بمائة "فريم" في الثانية، مقابل 25 فقط في النظام التقليدي، وتوفر 14 زاوية مختلفة لكل حالة، مع تقليص مدة التحقق من التسللات من حوالي 70 ثانية في "الفار" التقليدي إلى ما بين 20 و30 ثانية فقط.
هل يكفي إدخال التكنولوجيا لحل المشكل؟
رغم الإشادة الكبيرة بالتطور التقني، فإن بوشعيب الشداني، المحلل التحكيمي والحكم الفيدرالي السابق، يرى أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي.
وأكد الشداني في تصريحات لـSNRTnews أن تقنية SAOT قادرة على إنهاء جزء كبير من الجدل التحكيمي إذا تم استخدامها بالشكل الصحيح، لأنها أثبتت نجاعتها في عدة دول بنسبة نجاح مرتفعة.
غير أنه شدد على أن الإشكال الحقيقي لا يرتبط فقط بالمستوى الأكاديمي والثقافي للحكام، بل أيضا بمستوى المؤطرين والمكوّنين أنفسهم.
وقال الشداني: "إذا كان المكوّن ذو مستوى محدود، فلا ينبغي تحميل الحكام المسؤولية وحدهم، لأن التكوين هو الأساس"، وأضاف أن هناك حكاما دوليين يملكون مستوى أكاديميا مرتفعا، لكنهم لا يتعاملون بالشكل المطلوب مع تقنية "الفار"، ما يؤكد أن المسألة تتجاوز الشهادات الدراسية إلى طبيعة التكوين العملي الميداني والتكنولوجي.
ويرى المتحدث ذاته أن الرهان الحقيقي في المرحلة المقبلة لا يتعلق فقط بإدخال تقنيات حديثة إلى منظومة التحكيم، بل بالاستثمار أولا في العنصر البشري القادر على التعامل معها بالشكل المطلوب. فبحسب الشداني، لم يعد كافيا أن يكون حكم "الفار" متمكنا من قوانين اللعبة فقط، بل أصبح مطالبا أيضا بامتلاك مهارات عالية في التواصل، إلى جانب قدرة كبيرة على استيعاب الأدوات التكنولوجية الحديثة والتفاعل معها بسرعة ودقة.
ويشير الشداني إلى مفارقة يراها حاضرة أحيانا داخل غرف الفيديو، تتمثل في كون مساعد حكم "الفار" قد يكون، من الناحية العملية، أكثر كفاءة وخبرة في التعامل مع الحالات التقنية من الحكم الرئيسي لغرفة "الفار" نفسه، وهو ما يطرح في نظره، إشكالا آخر يرتبط بالتراتبية المعتمدة بين الحكم الدولي والحكم الفيدرالي، ومدى انسجامها دائما مع معيار الكفاءة التقنية.
وفيما يتعلق بآليات تقييم الحكام، اعتبر الشداني أن التعاقد مع شركات دولية متخصصة في هذا المجال يمثل خطوة إيجابية نحو مزيد من المهنية والشفافية، لكنه في المقابل أبدى تحفظا واضحا على منح التقييم الإلكتروني نسبة 40 في المائة فقط، مقابل 60 في المائة تبقى خاضعة للتقدير البشري، وهو ما قد يفتح بحسب رأيه، باب التأويلات ويعيد الجدل حول معايير الإنصاف والموضوعية داخل المنظومة.
أما بخصوص تجربة كاميرا الحكم أو "البودي كام"، التي ظهرت لأول مرة في "ديربي" الرجاء والوداد الأخير، فيبدو الشداني أقل حماسا تجاهها، معتبرا أنها لن تضيف الكثير للتحكيم المغربي، لأنها لا توفر، وفقا لتقديره، زوايا جديدة أو حاسمة يمكن أن تغير قراءة الحالات المثيرة للجدل، بالنظر إلى تموقع جسد الحكم نفسه أثناء اللعب.
واستدل الشداني بالتجربة الألمانية، حيث لم تحدث هذه التقنية، حسب قوله، الأثر المنتظر، ولم تنجح في حسم عدد من الحالات التحكيمية المعقدة. بل ذهب أبعد من ذلك حين قال إن "البودي كام" لو كانت فعلا أداة حاسمة، لكانت قد ساعدت على إنصاف المنتخب المغربي في نصف نهائي كأس العالم 2022 أمام فرنسا، ومنحته ضربة جزاء واضحة كانت محل نقاش واسع آنذاك.
"الفار" المغربي.. بين التطوير واستمرار الجدل
ما يحدث اليوم داخل التحكيم المغربي ليس مجرد تطوير تقني بسيط، بل انتقال تدريجي من نموذج الحكم التقليدي إلى نموذج جديد يمكن وصفه بـ"الحكم الرقمي".
فالحكم المعاصر لم يعد مطالبا فقط بالجري واتخاذ القرار، بل بفهم أنظمة الذكاء الاصطناعي، والتعامل مع قواعد البيانات، والتواصل اللحظي مع غرفة الفيديو، واستيعاب آليات تقنية دقيقة جدا.
ولهذا السبب، يرى متابعون أن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بشراء الكاميرات أو التعاقد مع شركات عالمية، بل بالاستثمار في العنصر البشري القادر على استغلال هذه الأدوات بالشكل الصحيح.
هل ينجح المغرب في كسب الرهان؟
التجارب العالمية تعطي إشارات إيجابية بخصوص تقنية SAOT، بعدما حققت نسبة دقة بلغت 100 في المائة في بعض الدوريات الكبرى، مثل الدوري الإنجليزي الممتاز، وساهمت في تقليص مدة التحقق من حالات التسلل بنسبة قاربت 50 في المائة.
كما تم اعتمادها في كأس العالم 2022 بقطر، ودوري أبطال أوروبا، وكأس أمم أوروبا 2024، والدوري الإسباني والإيطالي والفرنسي، قبل أن يستعد الدوري المغربي لدخول هذه المرحلة الجديدة.
لكن نجاح التجربة المغربية سيظل رهينا بمدى قدرة المنظومة التحكيمية على مواكبة هذا التحول، ليس فقط عبر التكنولوجيا، بل أيضا عبر الارتقاء بالمستوى الأكاديمي والمعرفي للحكام، وتطوير طرق التكوين، والاستثمار أكثر في الكفاءات البشرية.
مقالات ذات صلة
رياضة
رياضة
رياضة