اقتصاد
الحوز .. جني الگرگاع طقس يتحدى آثار الزلزال
25/09/2023 - 22:52
مصطفى أزوكاح
ستنكب دواوير بمنطقة الحوز على جني الجوز. لقد أزف أهم موعد في حياة الساكنة هناك. إنه "أسوس نتقايين".. جني الجوز.. الگرگاع. شغلهم الزلزال وآثاره عنه قليلا، لكنهم سيحاولون نسيان ماحدث عبر جني تلك الثمار ولو إلى حين.
جرت العادة على أن تنشغل ساكنة دواوير بمنطقة الحوز بجني الجوز. إنه شهر ليس ككل الشهور في تلك المناطق. ففيه تطرح أشجار الجوز ثمارها وتقبل عليها الساكنة بالكثير من الفرح، غير أنها لم تستحوذ كثيرا علي نقاشاتها، فآثار الزلزال حاضر بقوة في يومياتهم.
يوم استثنائي
في يوم الجني، تتملك الساكنة سعادة غامرة. ذلك يوم استثنائى في حياتهم. تخلو الدواوير من ساكنتها، الأطفال والنساء والرجال والشباب، يلحتقون منذ الصباح بجنبات الأودية، حيث أشجار الجوز، باسثتاء الشيوخ أو من أقعدهم مرض ألم بهم.
شرعت بعض الدواوير في جني الجوز في اليومين الأخيرين، رغم الأضرار التي ألحق بها الزلزال، إلا أن دواوير أخرى مازالت لم تحسم أمرها، في وقت شرعت فيه ثمار الجوز في التساقط في جنبات الطرق والحقول والأودية، حسب ما يؤكده ابن منطقة إمليل الحسين أيت الحاج.
يوضح أيت الحاج، أن تأخر بعض الدواوير في جني ثمار الجوز مرده إلى نوع من التوجس من تسلق الأشجار بعد الزلزال، وصعوبة إيجاد العمال الذين يمكنهم الاضطلاع بتلك المهمة، بجانب أبناء الدواوير.
في أيام الجني يتسلق شباب الدواوير، الأشجار بحركات رشيقة ويحركون بعصي طويلة أغصانها. تتساقط ثمرات الجوز التي يتلقطها الأطفال والنساء والرجال.
يتعبأ أفراد كل أسرة، كي يجمعوا ما تجود به الأشجار. يضعون الجوز في أوعية، قبل أن ينقلوا الثمار على ظهر الحمير والبغال إلى منازلهم، حيث يفرشونها في الأسطح حتى تجف بفعل أشعة الشمس.
طقوس قبل الجني
غير أن جني الجوز له طقوس منذ أن كانت شجرته، وإن أضحى الناس يتخففون من بعضها في الأعوام الأخيرة. فعملية الجني لا تأتي هكذا اعتباطا، يوضح حسن إد حم، ويمضي قائلا: "صحيح أن لكل عائلة أشجار جوزها، ولكن ليس من حقها أن تبدأ الجني وقت ما أرادت ذلك، إن الدوار هو الذي يضع تاريخا موحدا ومحددا للجني".
تحديد ذلك الموعد لا يأتي هكذا، فلأن شجر الجور ليس بسهل التسلق وله هيبته، يجب التعاطي معه بالكثير من التوقير. يلاحظ إد حم أنه "قبل أن يعلن الدوار عن موعد الجني يقيم وليمة مقدسة تسمى ب"المعروف"، وليمة يريد من خلالها الدوار إبعاد البأس والشر، وجلب اليمن والسلام"، قبل أن يضيف: "تسلق أشجار الجوز دائما محفوف بالمخاطر".
إعداد "المعروف" له طقسه الخاص. تجتمع نسوة الدوار في باحة المسجد، ويتم طهي كسكس الشعير، بطريقة تقليدية، ويفرح الأطفال بهذا الحفل الكبير. توزع أطباق الكسكس على الكل. يجتمع الرجال على الطبق المقدس، ويتداولون في شأن جني الجوز: "هل سنبدأ من أعلى الوادي أم من أسفله؟".
تفخر ساكنة منطقة الحوز بجودة ما تطرحه شجرة الجوز عندهم، خاصة إذا أتى لب الجوز صافيا. هم يراقبون ثمار الشجرة على مدار العام، يبدون تفاؤلا كبيرا إذا ما كان الطقس باردا في فصل الشتاء.
ويشملون الشجرة برعاية خاصة، بحيث يخشون على لبها تطرف البرودة وحتى الحرارة. ويتنفسون الصعداء عندما يطمئنون عليه في فصل الربيع والصيف. إنها شجرة لم تعوضها في قلوبهم أشجار التفاح والفراولة، رغم الإيرادات المجزية التي تدرها على السكان في تلك المنطقة.
وفاء وتقديس
تطرح شجرة الجوز ثمارها بأوريكا وإمليل وآسني وأمزميز والريش ودمنات والريف، حيث تمتد على مساحة 7702 هكتار، ما يوفر محصولا يقدر بـ12500 طن، وهو المحصول الذي يجعل المغرب يحتل المركز العشرين على الصعيد العالمي.
علاقة وفاء خاصة نسجها مع تلك الشجرة سكان الدواوير والقرى في الحوز. فشجرة الجوز هي الأقدم في المنطقة، وتحترم لدرجة تشبه التقديس. فرغم التوجه نحو أشجار مثمرة أخرى مثل التفاح والفراولة، التي تدر عائدات مهمة على السكان، إلا أن شجرة الجوز تبقى مثل شيخ طاعن في السن، تطلب حكمته و"بركته".
لم ينفرط عقد علاقة الوفاء التي نسجها أبناء دواوير الحوز، مع شجرة الگرگاع. أشجار عمرها مئات السنين، جذورها راسخة في أعماق تلك الأرض، تطرح فاكهتها كل عام وتجود بالسواك.
إنه كنزهم الذي "يمكن تخزينه طيلة السنة دون الخوف على فساده. هناك من يبيع جزءا من المحصول للتجار كي يواجه النفقات التي يفرضها معاشه، ويخزن جزء، يبيعه مرة أخرى في المناسبات التي يرتفع فيها الطلب على الجوز مثل ذكرى المولد النبوي وعاشوراء وليلة القدر.
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع
مجتمع
مجتمع