مجتمع
"الكوتش".. مهنة من لا مهنة له!
09/12/2020 - 17:39
مهدي حبشي
كأي مجالٍ حديث العهد، يحوم حول مهنة "الكوتش" الكثير من سوء الفهم، فهذه الحرفة التي أخذت في الانتشار، خلال العقد الأخير بالمغرب، مازالت غير واضحة المعالم بالنسبة للمستهلك المغربي، كما أنها تعاني إشكالية غياب التأطير القانوني، ما يجعلها فريسة سهلة للمُدَّعين.
"Art de séduire"، "Séduction by kamal"... وغيرهما الكثير من المواقع والقنوات على "يوتيوب" التي يزخر بها الويب باللغة الفرنسية، وتقترح على المستخدم الفرنكفوني نصائح وتوجيهات لإصلاح الأعطاب التي قد تلحق بالعلاقات العاطفية، على نحوٍ سطحي طبعاً، فهكذا يضمن "الكوتش" صاحب الموقع أو القناة، تلقي اتصالات من مُهتمين بخدماته مدفوعة الأجر.
مهنة "الكوتش"، أو أخصائي التنمية الذاتية، لها تاريخ في فرنسا، يرجع لأواخر القرن الماضي. أما في المغرب، فأخذت تنتشر في العقد الأخير فحسب، وتناسلت مدارس لتكوين الشباب في هذا المجال. وبخلاف ما قد يعتقده الكثيرون، فإن "الكوتش" ليس أخصائياً في العلاقات العاطفية فحسب، أو تاجر كلام لرفع معنويات من تكالبت عليهم خناجر الحياة... ذلك ما يتوافق عليه مهنيو القطاع على الأقل.
مجالٌ متنوع الخدمات
قد يتصور الكثيرون أن اللجوء لـ"كوتش" ترفٌ ليس بمقدرة الطبقة المغربية المتوسطة، وما دونها، تحمله أمام كثرة أعباء الحياة. لكن جيهان لبيب، رئيسة سابقة للفرع المغربي لـ"الاتحاد الدولي للكوتشينغ"، ومديرة أكاديمية للتكوين في تلك المهنة، أكدت لـ"SNRTnews" أن "الكوتش الحقيقي والمِهني، المنضبط للمعايير الدولية له زبائن في المغرب، بل الأكثر من ذلك أننا من القطاعات القليلة التي لم تتأثر بأزمة 'كورونا''.
وبخلاف الصورة النمطية التي كرسها انتشار المتخصصين في العلاقات العاطفية، فإن لـ"الكوتش" مجالات تدخلٍ واسعة وذات أهمية قصوى، فهؤلاء يقترحون كذلك مواكبة مدراء الشركات في تدبير وريادة الأعمال، أو مساندة الآباء في تربية أطفالهم.
ذلك ما ترويه "خولة"، أم شابة عانت من شقاء طفلتها ذات الأربع سنوات، لتقرر الاستعانة بـ"كوتش" لحل المشكلة. تؤكد السيدة أن التجربة لم تكن مجرد تِجارة في الهراء والأوهام، فقد أفلحت الأخصائية في العثور على أنشطة إيجابية لتصريف فائض الطاقة لدى الطفلة. بل الأكثر من ذلك، تروي الأم أن تلك "الكوتش" نبهتها للسر وراء شقاء وحركية طفلتها المبالغ فيهما، والذي لم يكن سوى سعي من هذه الأخيرة لنيل بعض الاهتمام من أمها المشغولة على الدوام.
نوع من ممتهني حرفة "الكوتش"، المتخصصين في تطوير الذات، يساعدون الزبون على تدبير حالات الهلع أو الحزن أو الاكتئاب... أو أي نوع من المشاعر السلبية التي تتحول أحياناً إلى عائق في الحياة. وهو ما يدفع للتساؤل عن الحدود الفاصلة بين مهنة "الكوتش" وعمل المعالج أو الطبيب النفسي؟
تؤكد الكوتش لبيب أن المدرسة التي تديرها، تلقي دروساً لمجرد رفع هذا اللبس، ورسم الحدود الفاصلة بين عمل "الكوتش" والطبيب النفسي. ذلك أن "الطبيب النفسي يفتح مع مرضاه ملف الماضي لفهم ظروفهم الراهنة، ويحاول سبر أغوار حياتهم لوضع يده على مكمن الداء وإجراء تحليل عميق لشخصياتهم، وقد يصف لهم بعض الأدوية...".
"مهنة الكوتش تتلخص في كلمة، وهي أيضاً نقطة الاختلاف مع المعالجين النفسيين، تلك الكلمة هي (المرافقة)". فالكوتش لا يكتفي باستقبال الزبون والإنصات له، بل يتابع معه حالته في الحياة اليومية"، تؤكد لبيب وتضيف "مهمة الكوتش هي توجيه الزبون إلى الكيفية المثلى للتعامل مع الحالة في الحاضر والمستقبل، دون النبش في أسرارها وظروف نشأتها أو محاولة علاجها...".
أسعار مرتفعة و"دجّالون"
الأسعار التي يقترحها مهنيو القطاع حرة وتختلف من "كوتش" لآخر، ووفقاً لطبيعة المُرافقة التي يوفرها... تتراوح تلك الأسعار بين 600 درهم للحصة الواحدة و1200 درهم. أسعار تجعل الإقبال على خدمات "الكوتش" حكراً على شرائح اجتماعية مُعينة، تتوفر فيها الأهلية لدفع أتعابه، لاسيما وأن حصة واحدة لا تكون كافية في العادة لتحقيق الأهداف المرجوة. لكن المهنيين يعزون ارتفاع سعر خدماتهم إلى الكلفة المرتفعة للتكوين الذي يتلقونه من أجل الاشتغال في هذا الميدان.
"التكوين"، تلك كلمة السر التي تفتح بوابة مشاكل القطاع على مصراعيها، فإذا كان بعض ممتهني الحرفة خضعوا لتكوين رصين من عام أو عدة أعوام، فإن الكثيرين يترامون على ذلك السوق بتكوين لا يرقى للمستوى المطلوب. إذ انتشرت في الآونة الأخيرة دورات تكوينية من عدة أيام فحسب، يُسلم أصحابها للمستفيدين شهادات نجاح يتخذونها قنطرة عبور للميدان، مع الاشتغال على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي لكسب الزبائن...
وهو الأمر الذي فصّل فيه محسن عيّوش، "كوتش" ومدير مدرسة تعد من أوائل المؤسسات الناشطة في التكوين مغربياً، قائلاً إن من حق الزبون أن يُدقق في شهادات الكوتش ويستفسره عن سنوات اشتغاله في الميدان، ويقارنها بآخرين قبل الاختيار بينهم، تفادياً للسقوط في شراك "دجّالين" يبيعون الوهم للناس ويسيئون للمهنة.
غياب التقنين
يُعاني القطاع من غياب أي قانون يؤطره على الصعيد الوطني، وتلك كلمة السر في ترامي بعض ضعاف التكوين على الميدان. "هذه مشكلة كبيرة يطرحها غياب التقنين، لأن أياً كان بإمكانه الإعلان عن نفسه 'كوتش' دون حسيب أو رقيب"، يؤكد عيوش.
الإشكال الآخر المتمخض عن انعدام التأطير القانوني هو غياب الانضباط لأخلاقيات للمهنة، وبالتالي لا يكون لدى الزبون مرجعية في حال إخلال "الكوتش" بإحدى أساسيات العمل؛ "المِهن المنظمة لها هيئات مكلفة بالسهر على احترام أخلاقيات وضوابط ممارستها"، يؤكد عيوش.
لكن المتحدث يوضح أن حرفة "الكوتش" عموماً غير مقننة في دول تعرف فيها ازدهاراً كبيراً، مثل الولايات المتحدة الأمريكية. "الاتحاد الأوروبي، في المقابل، أصدر توجيهاً يتضمن معايير المهنة وأخلاقياتها".
وفي ظل غياب التقنين، لجأ ممتهنو الحرفة في المغرب لـ"الاتحاد الدولي للكوتشينغ"، وهي جمعية دولية لها فرع مغربي، تمارس دور الضامن لاحترام أخلاقيات ممارسة المهنة. إذ يؤكد عيوش أن "من حق أي زبون تعرض لمخالفة من طرف أحد ممارسيها، أن يشتكي للجمعية، التي تتوفر على لجنة للأخلاقيات، بوسعها إنزال عقوبات تصل حد سحب الشهادة والعضوية من المخالف".
وشدد عيوش على أن تكوين "كوتش" محترم يتطلب سنة كاملة على الأقل، تتخللها حصص تدريبية فعلية لا تقل عن 18 ساعة، يخضع بعدها لاختبار من 6 مراحل، فيما تذهب لبيب إلى أن امتلاك شهادة "ليس سوى بداية المسار، وعلى الكوتش المواصلة في الاشتغال على نفسه وتطوير كفاءاته بالعمل الميداني".
مقالات ذات صلة
مجتمع
مجتمع