مجتمع
حلم الثراء السريع يقود شبابا إلى فخاخ النصب بالتداول
19/05/2025 - 18:01
خولة ازنيزني
"ربحت أول 5000 درهم في أسبوع فقط، والآن أسافر حول العالم دون التفكير في التكاليف المادية، بفضل التداول." .. بهذا النوع من العبارات، تبدأ الحكاية بالنسبة للعديد من الشباب الذين يقعون ضحايا لعمليات نصب إلكترونية محكمة.
تقف وراء تلك العمليات شبكات محترفة في فن الإقناع، تتخذ من التداول بالعملات الرقمية غطاء لإغراء الضحايا بالربح السريع، فتستدرجهم بشعارات الرفاهية والتحرر المالي المنتشرة بكثافة على مواقع التواصل الاجتماعي.
تروج حسابات مجهولة لما تدّعي أنه أسرار النجاح في سوق التداول، وتعرض هوامش ربح ضخمة من "تداول العملات"، مستعرضة سيارات فارهة، وسفريات فاخرة، وساعات باهظة الثمن، في محاولة لإيهام المتابعين بأن هذا النمط من الحياة هو ثمرة العمل في مجال العملات الرقمية.
يرتكز سيناريو الاحتيال على استدراج الشباب من خلال إعلانات أو منشورات تدعوهم إلى الانضمام لمجموعات مغلقة على تطبيق "تلغرام"، بدعوى تقديم تكوينات خاصة أو "فرص لا تعوض" في مجال التداول. وبمجرد الولوج، يطلب منهم دفع مبالغ مالية مقابل "دروس"، لتبدأ رحلة الخسارة التي غالبا ما تنتهي بتبخر المدخرات.
يعتمد المحتالون على استهداف فئة محددة من الشباب: وهم الباحثون عن بديل اقتصادي، أو وظيفة عن بعد، أو مصدر دخل سريع، حيث يستهدفونهم عبر خاصيات الإعلانات الممولة، مع التركيز على عبارات مثل : "ربح مضمون بنسبة 90%"، أو "دورة توصلك إلى الاستقلال المالي"، أو"آن الأوان لتتبنى عقلية المستثمر الناجح".
المحتال والضحية
يحذر رضوان السودي، الخبير في المعلوميات، من خطورة مشاركة البيانات الشخصية أو البنكية على منصات غير موثوقة.
يقول السودي في تصريحه لـ SNRTnews: "رغم التحذيرات المتكررة من مخاطر الاستثمار غير المرخص، لا يزال العشرات من الشباب المغاربة يقعون يوميا ضحايا لعمليات النصب التي تقف وراءها مجموعات تقدم نفسها كـ"مدربين" في مجال تداول العملات الرقمية، وتوهم الضحايا بإمكانية تحقيق أرباح ضخمة في وقت وجيز، دون الحاجة إلى مؤهلات أو رأسمال كبير".
وأوضح الخبير في المعلوميات أن "العديد من المواقع والتطبيقات التي تستخدم في هذه العمليات لا تتوفر على تراخيص رسمية، وغالبا ما تكون مصممة بواجهات احترافية لبعث الطأمنينة في نفس المستخدم، لكنها في الواقع أدوات خادعة لجمع الأموال أو سرقة البيانات".
ويشير السودي إلى أن المحتال يقدم نفسه كـ"مدرب محترف" أو "وسيط معتمد"، ويقنع الضحية بالتسجيل في دورة مدفوعة تتراوح كلفتها بين 300 و1500 درهما، مقابل تعلم "أسرار التداول"، غير أن هذه الدورات تكون سطحية، يتخللها استعراض لأرباح مزعومة وصور لحسابات بنكية لا يمكن التحقق منها.
وتبدأ المرحلة الأخطر حين يتم إقناع الضحية بإيداع أمواله في "حساب تداول"، إما عبر مواقع غير مرخصة، أو عبر تحويلات مباشرة إلى حسابات بنكية أو محافظ رقمية مشبوهة.
ويضيف السودي أن "المحتالين باتوا يعتمدون مؤخرا على الذكاء الاصطناعي لتحليل سلوك المستخدمين على الشبكات الاجتماعية، واستهدافهم بإعلانات موجهة تتماشى مع اهتماماتهم المالية، ما يجعل الضحية يشعر أن العرض صمم خصيصا له".
ويؤكد أن "المحتالين اليوم لا يستعملون القوة، بل يستغلون الطموح، والجهل، والحاجة إلى تحسين مستوى العيش".
استغلال الجهل
يرى المحامي حاتم البكار أن "القانون الجنائي المغربي يجرم هذا النوع من الأفعال باعتبارها عمليات نصب واحتيال تستغل جهل الضحية بآليات السوق، كما انها تندرج في إطار الجريمة الالكترونية".
ويؤكد البكار في تصريحه لـ SNRTnews أن "التداول في حد ذاته ليس جريمة، لكن استغلال جهل الشباب وتحويله إلى وسيلة للاحتيال يُعد جريمة مكتملة الأركان"، مشيرا إلى أن الجناة يستغلون ضبابية الإطار القانوني في المجال الرقمي لتفادي المتابعة.
ويضيف البكار أن "العديد من الملفات المعروضة أمام المحاكم اليوم تتعلق بشباب دفعوا مبالغ وصلت في بعض الحالات إلى عشرات الآلاف من الدراهم"، مبرزا أن المحتالين يتقنون التلاعب النفسي واستغلال الطموحات، ويخفون ممارساتهم وراء مصطلحات براقة توحي بالشرعية.
ويؤكد أن "أغلب هؤلاء لا يتوفرون على أي ترخيص قانوني من الهيئات المالية المغربية، ويعتمدون على تقنيات تضليلية لإقناع الضحية، من خلال التسويق النفسي، وخلق انطباع بالنجاح الجماعي، وتقديم وعود كاذبة بالأرباح".
غير أن المشكلة الأعمق، وفق المحامي ذاته، تكمن في "تردد الضحايا في التبليغ، إما بدافع الخجل أو لعدم وعيهم بأن ما تعرضوا له يدخل في خانة جريمة يعاقب عليها القانون".
ويشدد على أن "الإطار القانوني المغربي يحتاج إلى مزيد من التوضيح في ما يتعلق بالتداول الرقمي، لكن هذا لا يمنع من محاسبة كل من يروج لأوهام مالية، سواء عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو مجموعات مغلقة، خاصة إذا تبين أن الغرض هو الاستيلاء على أموال الغير".
كما يرى أن الردع القانوني وحده لا يكفي، إذا لم يتم تفعيل حملات توعوية موجهة للشباب، سواء في المدارس والجامعات، أو عبر إشراك المؤثرين والمحتوى الرقمي الجاد في التحذير من هذه الظواهر.
منصات غير قانونية
وفي السياق ذاته، يوضح المستشار القانوني أمين فتحي أن "كل دعوة موجهة إلى عموم الجمهور المغربي بغرض استثمار الأموال أو دفع مبالغ مالية مقابل خدمات لها علاقة بالتداول أو “الترايدينغ” خارج إطار قانوني وترخيص رسمي، تعد خرقا صريحا للقانون، وقد ترقى إلى مستوى جريمة النصب والاحتيال".
ويشير فتحي في تصريحه لـ SNRTnews إلى أن "الفصل 540 من القانون الجنائي المغربي يعاقب هذه الأفعال، خاصة عندما يتم التغرير بالضحايا عبر تأكيدات خادعة أو إخفاء وقائع صحيحة، وهو ما ينطبق على المؤثرين الذين يروجون لمظاهر رفاهية مزيفة لاستدراج الشباب إلى هذه المنصات".
ويضيف المتحدث أن "القانون المغربي لا يكتفي بتجريم عملية النصب، بل يعتبر أي استثمار مالي بالخارج، بما في ذلك التداول في الأسواق المالية، خاضعا لمراقبة صارمة من طرف مكتب الصرف"، محذرا من أن "ضخ الأموال في منصات تداول عالمية دون ترخيص قانوني قد يصنف كاستثمار غير قانوني لرؤوس الأموال ويعرض صاحبه لمتابعة جنائية وإدارية".
ويختم فتحي بالتشديد على أن "التغرير المالي عبر الفضاء الرقمي بات يشكل تحديا متناميا، ما يتطلب يقظة قانونية وإعلامية دائمة، إلى جانب تحسيس الرأي العام بخطورة الانسياق وراء الوعود الوهمية".
مقالات ذات صلة
تكنولوجيا
مجتمع
اقتصاد
اقتصاد